(متى ١١: ٢٥، ٢٦) "٢٥فِي ذلِكَ الْوَقْتِ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: «أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ.٢٦ نَعَمْ أَيُّهَا الآبُ، لأَنْ هكَذَا صَارَتِ الْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ."
سر مسرَّة الآب
رفع الرب يسوع هذه الصلاة إلى الآب بعدما تكلم – في الآيات السابقة - عن يوحنا المعمدان وذكَّر مستمعيه بما سمعوا من يوحنا وما سمعوا ورأوا منه هو شخصياً (اسم الإشارة "هذه" تعود على ما ذُكر في الأعداد السابقة من نفس الأصحاح).
ما أعمق هذه الصلاة وما أبسطها ، غير أنها أيضاً صادمة لمن يفكر فيها بتمعن ، صادم أن نعرف أن الله في الوقت الذي أخفى الله عن الحكماء والفهماء (أو من يرون أنفسهم هكذا) حقائق لاهوتية عظيمة، بينما أعلنها للأطفال (يقصد البسطاء من البشر)، والصادم أكثر أن هذا القرار ليس عن اضطرار (حاشا) وليس كرد فعل لا ارادي لمفاجأة غير متوقعة من الناس، لكنه في الواقع قرار مسبق اتخذه الله بناء على معرفته بطبيعة البشر، قرار اتخذه الآب بحكمة كاملة وبكل أريحية وسرور، لأن الرب يسوع يقولها صريحة في العدد التالي مباشرة: "نَعَمْ أَيُّهَا الآبُ، لأَنْ هكَذَا صَارَتِ الْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ." ، أي أن مسرة الله الآب – على عكس توقعات المنطق البشري - هي في حرمان كل من يظن نفسه حكيماً وفهيما من حقائق الملكوت بينما يعلنها للبسطاء، لذلك نجد "الحكماء" في الظلمة يتخبطون فيما يخص أمور الله بينما يعيش البسطاء في نور الملكوت.
![]() |
| خبط الحنطة - أعلنتها للأطفال |
لعلنا نذكر ما قاله الرب له كل المجد عندما وجد التلاميذ يمنعون الأطفال من أن يقتربوا اليه «دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ» (متى ١٩: ١٤)، ولنلاحظ ان الرب لم يقل إن ملكوت السموات "لهؤلاء" أي للأطفال أنفسهم ، بل قال "لمثل هؤلاء" أي لكل من يشبههم في البساطة والتلقائية والتصديق الغير متكلف الذي لا يدنوا اليه شك والذي لا يبحث عن تعقيد للأمور أو فلسفة زائدة، والذي حوى الثقة المطلقة في كلام الله دون تحوير أو بحث عن مخارج ملتوية، الأطفال الذين عندهم استعداد للطاعة لأنهم يعرفون أن الأب يعرف خيرهم ويقيهم الشرور. (طبعاً بديهي ان يتمتع الأطفال الصغار فعلاً بالملكوت).
ملكوت السماوات لبساطة الأطفال وليس لكبرياء الحكماء
ولقد ربط الرب يسوع له المجد بين التمتع بملكوت السماوات وبين التشبه بإيمان الأطفال "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ." (متى ١٨: ٣). لاحظ هنا أنه استخدم أسلوب القصر القاطع المانع ("إن لم".... "فلن")، ليس هناك من سبيل لدخول ملكوت السماوات إلا من خلال بساطة الأطفال وإيمان الأطفال، وأي كلام غير كده يبقى تضييع وقت على الفاضي. فلا يمكن أن تكون المعرفة والعلم كما يراها العالم المادي هي الطريق للأبدية.
أيضاً نذكر أنه "١٥لَمَّا رَأَى رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ الْعَجَائِبَ الَّتِي صَنَعَ، وَالأَوْلاَدَ يَصْرَخُونَ فِي الْهَيْكَلِ وَيَقُولُونَ: «أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ!»، غَضِبُوا١٦وَقَالُوا لَهُ: «أَتَسْمَعُ مَا يَقُولُ هؤُلاَءِ؟» فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «نَعَمْ! أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ: مِنْ أَفْوَاهِ الأَطْفَالِ وَالرُّضَّعِ هَيَّأْتَ تَسْبِيحًا؟»." (متى ٢١: ١٥، ١٦)، رؤساء الكهنة والكتبة هم قادة الشعب المفترض فيهم الحكمة والنضج والوعي الكامل بالناموس والذين بعد أن رأوا بأم أعينهم "العجائب التي صنع" رفضوا أن يعترفوا به وصمموا على المضي قدما في طريق غيهم وما يظنونه الإبقاء على سلطتهم وجاههم وربما يرونه "أَنَّهُ خَيْرٌ لَنَا أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ وَلاَ تَهْلِكَ الأُمَّةُ كُلُّهَا!". (يوحنا ١١: ٥٠) يالغباء البشر عندما يأبون أن يخضعوا تحت يد الله القوية! لذلك كان رأي يسوع أن الأطفال أكثر منهم اقتراباً لشئون ملكوت الله للدرجة التي فيها قبل الله أن يهيئ تسبيحه ومجده من أفواه الأطفال لا من افواه الشيوخ "الحكماء".
الرب وهو يمتدح البساطة التي في الأطفال لقبولهم أمور ملكوته يدين في نفس الوقت غباء من يرون أنفسهم "الحكماء والفهماء" وإصرارهم على العناد والمكابرة واتخاذ كافة الذرائع التي بها يمنعون أمور الله من الاقتراب من عقولهم وقلوبهم، فيظلون في ظلام الجهل يتخبطون بينما ثمار الملكوت يشبع بها "بسطاء" القلب، ولذلك طوَّب الرب البسطاء لأنهم هم من يستطيعون رؤية الله في وسط شوشرة العالم وضبابيته "طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ (يرون) اللهَ." (متى ٥: ٨). (اقرأ أيضاً: الميتافيزيقا والمعجزة)
في هذا الأصحاح (إنجيل متى ١١) نرى كيف تتناقض أفكارنا البشرية التي هي ناتج حكمتنا البشرية (مهما علت) مع قصد الله وحكمته، وكيف يخالف الله كل توقعات وتصورات ومقاييس البشر بشكل مذهل.
تعالوا نرى الحكاية من بداية الأصحاح فيما يلي من حلقات السلسلة ▼▼
1. يوحنا المعمدان ومكافأة الأمناء 2. ما لا يصح في الخادم. 3. الرسالة وليس الإناء 4. نظرة على المستمعين 5. النتيجة - دينونة لمن لا يتجاوب 6. الخاتمات - عودٌ على بدء
أكثر الأسئلة الشائعة حول هذه المقدمة
١. لماذا يخفي الله الحقائق عن الحكماء والفهماء ويعلنها للأطفال؟
لأن هذه هي مسرّة الآب نفسه (متى ١١: ٢٦). حاشا لله أن يخفي الحق عنفاً أو تعسفاً منه كما يحاول البعض تصويره، بل لأن الكبرياء والمحاولات المستميتة للاعتماد على الذات يعمي الإنسان، بينما البساطة والثقة المطلقة (مثل الأطفال) تفتح القلب ليستقبل نور الملكوت وعمل الروح القدس.
٢. هل يقصد يسوع الأطفال الحقيقيين فقط، أم يقصد شيئاً آخر؟
يقصد كل من يصير "مثل الأطفال" في البساطة والإيمان غير المتكلف والطاعة والثقة الكاملة (متى ١٨: ٣ ومتى ١٩: ١٤). من المؤكد أن الأطفال الصغار فعلاً يتمتعون بالملكوت، لكن الرب يتحدث أساساً عن نوعية القلب: قلب نقي، بسيط، غير متعالٍ.
٣. إذا كان الله يخفي الحق عن "الحكماء"، فهل يعني ذلك أن العلم والمعرفة ضارّان؟
لا على الإطلاق. المشكلة ليست في المعرفة بحد ذاتها، بل في الكبرياء والاعتماد على الذات الذي يجعل الإنسان يظن نفسه "حكيماً وفهيماً" ويرفض أن يأتي إلى الله ببساطة. المعرفة الحقيقية تأتي عندما نتواضع ونقبل ما يعلنه الله. الحقيقة أن حقائق الملكوت أعمق بكثير من أن يستوعبها الانسان الجسدي مهما ارتفعت نسبة ذكائه، والروح القدس يكشفها للبسطاء. (اقرأ عن: المعرفة والطريق للأبدية).
٤. ما علاقة هذه الصلاة بما سبقها في متى ١١ عن يوحنا المعمدان والمدن غير التائبة؟
الصلاة جاءت مباشرة بعد أن تحدث يسوع عن رفض كثيرين لكل من رسالة يوحنا ومعجزاته هو (الرب يسوع). رغم كل البراهين، بقي الكثيرون خاصة "الحكماء" (الذين هم شيوخ الشعب والكهنة والكتبة والفريسيون) في عنادهم. لذلك نجد الرب يسوع يشكر الآب لأنه أعطى النور للبسطاء الذين آمنوا، بينما أخفاه عن المتعالين. (الاجابة التفصيلية عن هذا السؤال تأتي في مقال نظرة على المستمعين)
٥. كيف أستطيع أن أكون من "الأطفال" الذين يُعلَن لهم الملكوت؟
فقط أن اقبل مثل الطفل وبساطته: أترك الكبرياء، توقف عن التعقيد والفلسفة الزائدة، اقبل كلام الله بثقة بسيطة، وكن مستعداً للطاعة. الملكوت ليس لمن يعرف كثيراً، بل لمن يثق ببساطة ويطيع. (المقال التالي ممكن يساعدك: العلاقة الحقيقية مع الله)

احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..