-->

العلاقات: أمثلة علاقاتية- ابراهيم الأمير الزاهد

درس العلاقات من تكوين ٢٣

تكلمنا في مقال "من البدء كانت العلاقات" عن مبادئ اساسية فيما يخص العلاقات، والآن نرى مشهد فارق لأحد أمثلة العلاقات السوية في تكوين ٢٣، هناك نرى كيف أتم ابراهيم شراء مغارة المكفيلة والحقل المحيط بها من عفرون الحثي وبحضور كل شيوخ قبيلة بني حث، وهو في الحقيقة أحد الأمثلة العلاقاتية من ابراهيم ومشهد يُدرَّس كنموذج مثالي للعلاقات العامة في الكتاب المقدس، ولغة الحوار الراقية والمهذبة والتقدير المتبادل بين رجال يحترم ويقدر كل منهم الآخر بشكل غاية في الجمال. هذا المشهد درس لكل إنسان كيف يمارس علاقة سوية وصحيحة مع مجتمعه المحيط حتى لو كان مختلفاً معه.

صورة لجماعة من البدو يجلسون سوياً بجوار خيامهم.
خبط الحنطة - ابراهيم الأمير الزاهد جالساً مع بني حث

بادئ ذي بدء، نحتاج ان نراعي العوامل التالية

++ شروط لفهم الشخصية

لأجل استيعاب المشهد جيداً نحتاج ان ندرك النقاط الثلاث التالية:

    ١. طبيعة الحياة القبلية التي كانت سائدة.

    ٢. مفهوم ملكية الأرض بالنسبة لهؤلاء الناس.

   ٣. أيضاً طبيعة حياة الرعي المتجولة والسكنى في خيام التي كان يحياها ابراهيم واختار ان يستمر عليها. "بالإيمانِ تغَرَّبَ في أرضِ المَوْعِدِ كأنَّها غَريبَةٌ، ساكِنًا في خيامٍ....." (عبرانيين ١١: ٩) [اقرأ أيضاً: خبزنا كفافنا]

++ علاقته بجيرانه - ابراهيم وبنو حث

والآن لنتأمل بشيء من التدقيق في علاقة ابراهيم مع جيرانه بني حث لنتعلم منه.

+ ابراهيم اختار ألا يقدم تنازلات فيما يخص إيمانه:

لاحظ انه كان متغرباً في وسط شعوب مختلفة عنه في العادات والتقاليد والعقيدة، ومع ذلك قرر ان يحافظ على حدود معينة في تعامله مع الشعب المحيط لكي يحافظ على إيمانه بإلهه "يهوه" ولا يتدنس بوثنية الشعوب المحيطة. [تذكر ما قاله الرب عنهم: "لأنَّ ذَنبَ الأموريّينَ ليس إلَى الآنَ كامِلًا»." (تكوين ١٥: ١٦)]

+ ابراهيم كان صاحب عهد مع هؤلاء القوم جيرانه:

والعهد يضع التزامات واعية على أطرافه تجاه بعضهم "أبرامَ العِبرانيَّ. وكانَ ساكِنًا عِندَ بَلّوطاتِ مَمرا الأموريِّ، أخي أشكولَ وأخي عانِرَ. وكانوا أصحابَ عَهدٍ مع أبرامَ." (تكوين ١٤: ١٣)

+ حاز قدراً كبيراً من التقدير من جيرانه:

رغم أن ابراهيم لم يقدم تنازلات نجد قدراً كبيراً من التقدير الذي حظي به هذا "المهاجر المغترب" - في أرض اغترابه - من اصحاب الارض للدرجة التي فيها يعرضون هم عليه ان يدفن زوجته في أي قبر يختاره من قبورهم، وهذا لو تعلمون أمر جلل.

+ عرض الهبة المجانية:

وصل التقدير ذروته عندما رأينا عفرون الحثي يعرض أن يعطي الحقل والمغارة (المكفيلة) كهبة مجانية لابراهيم (تكوين ٢٣: ١١)، هذا العرض الذي قد يبدو انه يحمل الكثير من المجاملة أكثر من الجدية، لكن في النهاية يحمل الكثير من التقدير حتى في مجاملته.

+ أسلوب الخطاب فائق الاحترام:

ملفت للنظر كيف خاطب بنو حث ابراهيم "«اِسمَعنا يا سيِّدي. أنتَ رئيسٌ مِنَ اللهِ بَينَنا.....»." (تكوين ٢٣: ٦) [حرفياً: "رئيس" = "أمير الله"].

أيضاً في هذا السياق يمكنك أن تتصور قيمة هذا التقدير بالمقارنة مع أسلوب خطاب أهل سدوم المتعالي تجاه لوط عند غضبتهم عليه: "فقالوا: «ابعُدْ إلَى هناكَ». ثُمَّ قالوا: «جاءَ هذا الإنسانُ ليَتَغَرَّبَ، وهو يَحكُمُ حُكمًا. الآنَ نَفعَلُ بكَ شَرًّا...»." (تكوين ١٩: ٩).

+ قارن ابراهيم وجيرانه مع لوط وجيرانه؟

 لا حاجة للتذكير بأن لوطاً أيضاً كان متغرباً وسط أهل سدوم مثلما كان ابراهيم بين بني حث.

- أيضاً قارن طمع أهل سدوم في لوط وفي "ضيوفه" حيث لم يكن لديهم أي مانع من استغلال أي شيء (او أي شخص) لديه، هذا في مقارنة واضحة مع كرم بني حث تجاه ابراهيم.

لو فكرنا ملياً لوجدنا ان توجهات بني حث تجاه إبراهيم هي رد فعل منطقي لزهد ابراهيم الواضح، زهد في الأراضي وزهد في التملك، بينما في المقابل نشاهد طمع لوط في تلك الأمور الارضية وهو الأمر الذي كان جلياً لأهل سدوم، لذلك ظلت علاقاتهم ملتبسة مع لوط، والنتائج في حالة الرجلين ظهرت في وسط الازمات.

 (انقر هنا لتتابعنا)

+ أدب المعاملة في أسمي اشكاله:

أسلوب الخطاب المتبادل المحترم جداً بين ابراهيم وشيوخ بني حث فيه مستوى رفيع من التقدير وأدب المعاملة في أسمي اشكاله، وسجود "أمير الله" هذا لهم (ع١٢) كان له مفعول ساحر وأثر لا تخطئه العين.

+ ابراهيم لم يتنازل عما يخص جيرانه:

يجب ألا ننسى ان هؤلاء الجيران ذهبوا للحرب مع ابراهيم عند صعوده للحرب لانقاذ لوط من حلف كدرلعومر، ورغم تنازل ابراهيم عن حقه الشخصي في الغنائم التي تركها كلها لملك سدوم لكنه لم يتنازل عما يخص جيرانه حيث قال: "وأمّا نَصيبُ الرِّجالِ الّذينَ ذَهَبوا مَعي: عانِرَ وأشكولَ ومَمرا، فهُم يأخُذونَ نَصيبَهُمْ»." (تكوين ١٤: ٢٤)

++ الخلاصة:

١. ابراهيم لم يقدم أي تنازلات بخصوص ايمانه.

٢. ابراهيم كان شخصاً زاهداً في متاع العالم وفي إغراء تملك الأشياء "لأنَّهُ كانَ يَنتَظِرُ المدينةَ الّتي لها الأساساتُ، الّتي صانِعُها وبارِئُها اللهُ." (عبرانيين ١١: ١٠)، لذلك لم يكن الانتفاع المادي ولا السعي وراء مصلحة هو ما كان يحركه تجاه الآخرين، هذا جعل الاخرين يصدقون حسن نواياه ويقدرون ذلك فيه.

٣. ابراهيم كان صاحب "عهد" مع جيرانه، والعهد التزام أخلاقي واعي لا يخضع للمشاعر واطرافه على استعداد لدفع ثمن التزامهم به، وماينفعش لو مزاجي متعكر أقول "كفاية كده.. فضيناها".

٤. ابراهيم حتى وهو من هو من الغنى والأملاك لكنه في وداعة متميزة كان يقدم الاحترام واللسان الطيب مع هؤلاء المحيطين به مما جعلهم يبادلونه الاحترام.

٥. نتعلم هنا أنه رغم أن المبدأ الاساسي في العلاقات هو تقديم "المعونة" والحصول عليها، أي أن كلاً منا يقدم للآخر وكلاً منا يدعم الآخر في بعض الأوجه (ارجع لما ذكرناه سابقاً)، لكن تركيزي على "أنا بآخذ منك ايه" يفسد العلاقة او على أضعف تقدير يجعلها علاقة مصلحة فقط، وتنتفي العلاقة وقت أن تختفي المصلحة، بينما:

الزهد في الاخذ والتركيز على العطاء هو ما يدعم العلاقات ويقويها. 

لهذا قال الرب "مَغبوطٌ هو العَطاءُ أكثَرُ مِنَ الأخذِ»." (أعمال ٢٠: ٣٥)

#خبط_الحنطة

الشخصية التالية: يوناثان الأمير المتنازل

٢٩ أكتوبر ٢٠٢١ - تاريخ النشر في فيسبوك

اقرأ أيضاً:

من البدء كانت العلاقات

١١طريقة تظهري بها الاحترام لزوجك

الله يعينك علينا يا أخي

الكارت الأصفر

سلسلة: العلاقات أمثلة علاقاتية- ابراهيم الأمير الزاهد
تعليقات