-->

فهم الأولويات على هامش الميلاد

أثناء حياتنا تنغرس فينا دروس ومفاهيم تحدد إلى حد بعيد كيف نخطط برنامج لحياتنا، كيف نفكر ولماذا نفضل هذا ونترك ذاك وعلى أي أساس نحدد أولوياتنا واختيارتنا وقراراتنا البسيط فيها والمصيري. يساهم في هذه الدروس - إلى حد بعيد - العادات والتقاليد المحيطة وظروف التربية والتعليم والإعلام والمجتمع المحيط والثقافة التي نتأثر بها قراءةً أو سماعاً ومشاهدة.

صورة مفترق طرق وجماعة كبيرة تختار اتجاه، بينما واحد وحده يختار الاتجاه الآخر
خبط الحنطة - فهم الأولويات على هامش الميلاد

لكن الكتاب المقدس يعلمنا أن "العالَمَ كُلَّهُ قد وُضِعَ في الشِّرّيرِ." بينما "نَعلَمُ أنَّنا نَحنُ مِنَ اللهِ" (١يو ٥: ١٩) لذلك من الحمق أن نتصور أن ما يغرسه فينا هذا العالم من مبادئ وما يحدده من أولويات يمكن أن يكون صحيحاً ويؤدي إلى مُخرَجات صحيحة.  لذلك، ومن الأصحاحات الاربعة التي تروي قصة الميلاد (متى ١، ٢، ولوقا ١، ٢) وعلى هامش احداث الميلاد، تعالوا نرى كيف حدد شخصيات قصة الميلاد أولوياتهم؟ وهل كان هذا مع أو ضد هذا البرنامج الشرير الذي يغرسه العالم.

الشخصيات هي: زكريا - اليصابات - يوسف النجار - مريم العذراء - الملك هيرودس - شعب اسرائيل. (إذا أردت كل شخصية على حدة، ما عليك إلا نقر اسم كل الشخصية لتنتقل إلى مقال منفصل خاص بها)

١. زكريا الكاهن - الايمان الحقيقي والعبادة الشكلية

 لوقا ١: ٥ - ٢٣

وهو يمارس عمله الكهنوتي الذي لابد قد أعد نفسه له إعداداً جيداً، وبعد أن يستكمل عمله المتميز لهذا اليوم في ترتيب البخور على المذبح الذهبي في الفرصة التي كان يحلم به لشهور وسنين طويلة ولا تأتي لكاهن مثل زكريا إلا مرة واحدة في العمر (بسبب العدد المهول من الكهنة الذين تلقى بينهم القرعة)، وها هو يرى ويشم البخور الذي يشير إلى صلوات المؤمنين التي تصعد رائحة سرور أمام الرب ليستجيبها، وبعد أداء الصلوات التي يحددها الطقس داخل الهيكل الفخم المطعم بالذهب وبثمين الأحجار وبالنقوش المبهرة، كان المفروض على زكريا أن يخرج إلى جمهور الشعب المنتظرين في الخارج وسط الأعمدة الضخمة والأبواب المنقوشة والحوائط المزينة ليباركهم ببركة هارون (عدد ٦: ٢٣ - ٢٦) ومن ثم ينصرف الشعب إلى حال سبيلهم موقنين بأن صلواتهم قد استمعها الله من عليائه، لكن مع الاسف بالتأمل قليلاً في القصة الكتابية نرى الكاهن يتأخر في الخروج، هذا الكاهن - الذي يصفه الكتاب نفسه بأنه "سالِك في جميعِ وصايا الرَّبِّ وأحكامِهِ بلا لومٍ." (لوقا ١: ٦) – نكتشف أنه في ممارسته للعبادة يمارس طقوساً شكلية خالية من أي جوهر تماماً كالنقوش والزخارف المحيطة، الأمر الذي يعد مخالفة للمفروض "لأنَّهُ يَجِبُ أنَّ الّذي يأتي إلَى اللهِ يؤمِنُ بأنَّهُ مَوْجودٌ، وأنَّهُ يُجازي الّذينَ يَطلُبونَهُ." (عبرانيين ١١: ٦)، أما زكريا فعند المحك الحقيقي نكتشف شيئاً مختلفاً، لأن عند استماعه لكلام الملاك لم يتحول إيمانه إلى ثقة في الله وتصديق لما تلقاه من وعد إلهي («لأَنَّكَ لَمْ تُصَدِّقْ كَلاَمِي الَّذِي سَيَتِمُّ فِي وَقْتِهِ». لوقا ١: ٢٠)، فزكريا الذي نراه يقدم الصلوات عن الشعب الآن لم يصدق ان صلواته هو نفسه التي يصليها من سنين قد حان موعد استجابتها، من أجل ذلك اصابه الخرس (وربما الصمم أيضاً)، وكانت النتيجة أنه لم يعد قادراً على استكمال ما بدأه من إجراءات العبادة وطقوسها الشكلية، لما رأى الشعب زكريا على حاله التي خرج بها فهموا أنه أبصر رؤيا وقبلوا بالأمر الواقع، وكأننا نرى في اخراس زكريا صورة رمزية لإبطال هذه العبادة التي تقوم على ممارسات شكلية وكلمات جوفاء لم يعد للعمق الإيماني أي مكان فيها.

(اقرأ أيضاً: النذير - دعوة للتميز)

صورة اقنعة كثيرة متراصة جنب بعضها
خبط الحنطة - الإيمان الحقيقي والعبادة الشكلية

عدم الايمان يبطل العبادة مهما كانت فخامة شك

وهذا هو درس الأجيال المتعاقبة أن عدم الإيمان يبطل العبادة مهما كانت فخامة شكلها، لأنها تصبح خالية من أي جوهر. هذه دينونة الله في كل عصر لأي عبادة شكلية سطحية لم تَنتُج عن إيمان قلبي عميق وبديهي أيضاً انها لن تُنتِج هذا الإيمان.

رمز للشعب كله.. لماذا أخرس الله زكريا؟

يمكننا هنا أيضاً أن نرى في زكريا صورة رمزية للشعب بالكامل، هذا الشعب الذي تحولت العبادة معه إلى ممارسات شكلية تخلو من إيمان حقيقي يلهب العلاقة الشخصية لأفراد هذا الشعب مع الله حيث لم يكن ايمان زكريا وكذلك الشعب كافياً لقبول كلام الله المرسل"مُرَتَّبًا بمَلائكَةٍ في يَدِ وسيطٍ." (غلاطية ٣: ١٩)، وهكذا نرى في هذا القضاء المؤقت على زكريا - بإخراسه عن استكمال العبادة - رسالة عن حتمية استبدال هذه العبادة الطقسية العتيقة المتمسكة بالشكل دون الجوهر بعبادة جديدة "طَريقًا كرَّسَهُ لنا حَديثًا حَيًّا" (عبرانيين ١٠: ٢٠) يوصل الى الله قد بدأ الرب في تنفيذه على الأرض بميلاد يوحنا ابن هذا الكاهن ضعيف الايمان.

٢. اليصابات العاقر - الرسالة السماوية والعطية التلقائية

 لوقا ١: ٢٤ - ٢٥، ٤١ - ٤٥

اليصابات العاقر.. لماذا سمح الله بالعقم سنوات طويلة؟

في المقال السابق تكلمنا عن زوجها زكريا الكاهن وها نحن الان نراها مثلها مثل كل النساء المتزوجات اللائي يتوقعن الانجاب كعطية تلقائية بمجرد حدوث الزواج. تصلي أليصابات من أجل الطفل كثيراً، ومع هذا ولسنين طويلة لم تحصل على الابن المرجو، لكن يبدو أن الرب كان يدخر لها شيئاً أعظم، ليس فقط مجرد ابن عادي كغيره من الأبناء الذين سارت أقدامهم على هذه الأرض ثم ذهبوا دون أن يتركوا أي أثر لكن إبناً متميزاً لمهمة متميزة، حيث سيتقدم أمام وجه الرب في الوقت المناسب "في ملء الزمان" مما يجعل من أليصابات أيضاً أماً ليست ككل أم بل أماً متميزة للمهمة المتميزة، ولعله قد خطر ببالها - عند سماع البشارة - أنها انضمت إلى قائمة من أمهات إسرائيل العظيمات سارة، ورفقة، وراحيل، وحنة أم صموئيل، وأيضاً أم شمشون، وكيف أن جميعهن انتظرن سنين طويلة وهن يعانين ما رأينه ويراه العالم كله "وصمة" العقم والحرمان، لكن عندما أتى الوقت المناسب عليهن جميعاً تمتعن ببركة الأمومة ليس لرجال عاديين لكن لرجال متميزين - في تاريخ الأمة وفي التاريخ المقدس كله - تميزوا برسالة وقصد سماوي. وكأننا هنا نرى نمطاً معتاداً من الرب الإله ليعد الرجل المتفرد من خلال أم متميزة، ونحن لا نعلم الحكمة من هذا لكن لعل أفضل وسيلة رآها الرب لهذا الاعداد هي السماح لها بأن تقاسي العقم والحرمان سنين هذا عددها.

صورة يد ممدودة في اتجاه السماء وفي الخلفية الشمس لحظة الغروب
خبط الحنطة - الرسالة السماوية  والعطية التلقائية

العطية التلقائية أم الرسالة السماوية؟

أختي أخي، أرجوك تعلم هذا الدرس، فلا شيء يتم بشكل تلقائي بل السماء وحدها هي التي تحدد متى وكيف تصل العطية وتستجاب الصلاة، وعندها فقط نكون مدركين لعظم نعمة المعطي والقيمة الحقيقية لهذه العطية حيث لا تعود تشكل في نظرنا مجرد عطية تلقائية كغيرها مما يمر علينا في الحياة دون أن نتوقف أمامه بالتأمل وبالشكر وبإدراك المسؤولية السماوية المسندة الينا مع ومن خلال هذه العطية. الرب وحده هو "القُدّوسُ الحَقُّ.... الّذي يَفتَحُ ولا أحَدٌ يُغلِقُ، ويُغلِقُ ولا أحَدٌ يَفتَحُ:" (رؤيا ٣: ٧) وفي كل حالة، فتح أو غلق، هو يصنع هذا لحكمة عنده ولقصد سماوي يعلو فوق إدراكنا قد نعلمه في الوقت المناسب وقد لا نعلمه أبداً.

هل هذا التميز للابن القادم جعل أليصابات تحس بأي نوع من أنواع التفوق؟

حاشا، فلم يتملكها هذا النوع من الفكر، بل عرفت قدر نفسها وقدر وليدها المقبل (برغم تميزه)، إذ عندما رأت العذراء المطوبة مريم وجدت أنه من الطبيعي جداً أن تقول "مِنْ أين لي هذا أنْ تأتيَ أُمُّ رَبّي إلَيَّ؟" (لوقا ١: ٤٣) فالعطية السماوية في الموعد المناسب تجعلنا نعرف محدودية دورنا وكيف أنه ليس لنا فخر في عمل أي شيء بل نحن في كل شيء أدوات في يد الله يستعملها حسب قصده الصالح لنا وللمحيطين بنا أيضاً («ِإنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ، لأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا» لوقا ١٧: ١٠)..

 ليس قصد الله لحياتك أن تعيش حياة تلقائية بلا معنى

كم هو جيد إن استطعت أن تفهم قصد الله لحياتك، فليس القصد أن تأكل وتشرب وتموت، واثناء هذا تلد أولاداً وبناتاً لهذا العالم تربيهم كيفما اتفق وكما يفعل كل البشر. صدقني، أن تعيش حسب قصد الله ستوفر على نفسك الكثيييير من "تعب القلب" وستكسب لنفسك الكثير من السلام وراحة البال على عكس كل ما يصوره لك خيالك، ومازال وعده قائماً: "سلامًا أترُكُ لكُمْ. سلامي أُعطيكُمْ. ليس كما يُعطي العالَمُ أُعطيكُمْ انا." (يوحنا ١٤ : ٢٧)

٣. شهامة يوسف - عمل الله والحياة التقليدية

متى ١: ١٨ - ٢٥

حياة تقليدية أم مسؤولية سماوية؟

يوسف هذا النجار البسيط كأي رجل عادي لابد أنه كان يعيش حياة تقليدية عادية مثله مثل كل معاصريه، ولابد أنه كان يحلم ببيت صغير وأسرة، زوجة وأولاد من صلبه يعلمهم صنعته ويكبرون أمام عينيه ويتزوجون وينجبون أطفالاً وتستمر دورة الحياة، حتى مع معاناة الحاجة وبساطة الحياة التي عاشها لكن هذه هي الحياة التي عرفها ولا يعرف غيرها، وجيلٌ يسلم جيلاً، أليست هذه هي "سُنَّة الحياة" كما يقولون؟ أليس هو مثله مثل كل الأحياء الباقين؟

لكن لا، قِف عندك! ليس يوسف كالأحياء الباقين، فالله كان عنده  خطة مختلفة تماماً، لقد اختارت المشيئة الإلهية يوسف ليكون عنصراً فاعلاً في خطة سماوية، هذه الخطة قلبت حياته وكيانه رأساً على عقب، أن يتورط في مسؤولية عن ابن ليس من صلبه فهذا لا شك أمر صعب، فما بالك إن كان هذا الابن هو ابن الله وديعة السماء للأرض التي أصبح يوسف نفسه مسؤولاً مسؤولية مباشرة عنها، هذا بالتأكيد أصعب، لكن الأكثر صعوبة هو أن كل هذا يصل إلى علم يوسف عن طريقين فقط:

صورة افراد يحملون جسراً ليمر فوقه اشخاص اخرون
خبط الحنطة - عمل الله والحياة التقليدية

الاول: على الأرجح هو عن طريق مريم نفسها والتي يبدو أنه تردد في أن يثق فيها، لذلك يعرفنا الوحي المقدس انه كان متفكراً في أن يتخلى عنها (متى ١: ١٩).

الثاني: عن طريق ملاك رآه في حلم يقول له «يا يوسُفُ ابنَ داوُدَ، لا تخَفْ أنْ تأخُذَ مَريَمَ امرأتَكَ. لأنَّ الّذي حُبِلَ بهِ فيها هو مِنَ الرّوحِ القُدُسِ.» (متى ١: ٢٠).

هل تريد أن يصلك إشعار من خبط الحنطة عند نشر موضوع جديد؟ اشترك الآن

كيف قبل يوسف المهمة الشاقة؟

هذا موقف صعب جداً على يوسف ويشمل الكثير من التعقيدات التي كان ما أغناه عنها، كيف يخرج من الحياة الروتينية (حياة "ماشية لوحدها") التي يجوز أن نقول إنها تسير بقوة "القصور الذاتي" والتي يعرفها يوسف جيداً ورأى المئات من حوله يحيون مثلها بل وربما هو نفسه عاش هذه الحياة التقليدية من قبل (يعتقد البعض أن يوسف ربما كان أرملاً في ذلك الوقت)، كيف له أن يتنازل عن حياة تقليدية بسيطة كهذه ليستلم مسؤولية عمل الله. وبرغم ما في هذا العمل من وقود يلهب أحلاماً انتظرتها عشرات الأجيال السابقة من الأمة الإسرائيلية لكن تبين أنه عمل صعب جداً، كيف يستلم هذا العمل بكل ما فيه من أمور تبدو شائكة وصعبة ونهايتها مجهولة مثل بدايتها تماماً؟! ومع هذا قبل يوسف بالمهمة وأداها بكل شهامة واحساس بالمسؤولية، كما أنه أدى المهمة كجندي مجهول.

اقرأ أيضاً: بيت لحم ام الناصرة؟ طفل ام صبي؟

مسؤولية على كل مؤمن

خليني ابشركم، ليس يوسف فقط بل كل مؤمن مدعو ليختار مثل يوسف، كل مؤمن - بلا استثناء واحد - مدعو لأن يعيش مثل هذه الحياة الغير طبيعية والغير تقليدية مع اختلاف التفاصيل في شكل هذه المسؤولية الملقاة على عاتقه. (اقرأ: المنتدب. عملت ما عندها).

هل تريد اثباتاً لكلامي؟ يكفيني هنا ما قاله رب المجد نفسه عن هذه الحياة:

"«اُدخُلوا مِنَ البابِ الضَّيِّقِ، لأنَّهُ واسِعٌ البابُ ورَحبٌ الطَّريقُ الّذي يؤَدّي إلَى الهَلاكِ، وكثيرونَ هُمُ الّذينَ يَدخُلونَ مِنهُ! ما أضيَقَ البابَ وأكرَبَ الطريقَ الّذي يؤَدّي إلَى الحياةِ، وقَليلونَ هُمُ الّذينَ يَجِدونَهُ!" (متى ٧: ١٣ - ١٤)

لاحظ في الشاهد السابق كلمة "يجدونه" هذه! لاحظ مقدار الحرص والبحث "المثابر الإرادي" الذي تعبر عنه الكلمة "يجدونه"، لأن - بكل بساطة - ليس كل البشر راغبين في ركوب المغامرة في عمل الله والتخلي عن حياة "القصور الذاتي" التقليدية، حتى لو كانت حياة القصور الذاتي السهلة هذه "طريق واسع" لا يوصل إلا إلى "الهلاك" كما قال لنا الرب، ومع ذلك مازال الاكثرون راغبين فيها، وبكل حماقة لا يتنازلون عنها.

عليك أن تختار كما اختار يوسف.

هل تريد أن يصلك إشعار من خبط الحنطة عند نشر موضوع جديد؟ اشترك الآن

٤. فدائية مريم - عمل الله والراحةالشخصية

 (لوقا ١: ٢٦ - ٥٥)

حلم كل البنات وقبول خطة الله

على نفس مثال يوسف النجار لا شك كانت هذه الشابة الصغيرة تحلم - مثل كل البنات - ببيت وأسرة وأبناء وأحفاد وحياة هادئة ليس فيها ما يكدر (على قدر الإمكان طبعاً)، صحيح أنها لابد حلمت كغيرها من بنات إسرائيل أن تكون هي أم المسيا الذي ينتظره الكل، لكنها - كغيرها أيضاً - لم تكن تتخيل الكيفية التي بها سيخترق "ابن الانسان" الموعود هذا (دانيال ٧: ١٣) أرضنا وشعب إسرائيل ونسل داود لينتسب إليهم، لكنها - على الأغلب - كانت تقول لنفسها هو عمل الله والله كفيل بإتمام عمله بالطريقة التي يراها.

مريم والتضحية.. الواقع أصعب والمهمة شاقة

ما سبق لابد أن مريم كانت تقوله لنفسها. لكن في لحظة حاسمة من حياتها فوجئت بحلمها وحلم البنات يظهر أمامها شخصياً في صورة ملاك يوصل إليها التكليف بالمهمة ويشرح لها ما كان مبهماً عند الجميع، وتجد نفسها أمام مسؤولية عظيمة تقلب الحياة رأساً على عقب، ولا تجد مريم بداً من أن تسأل السؤال البسيط: "كيف؟"، ويأتي الجواب بكل التفاصيل ما عظُم على عقلها الصغير أن يستوعبه وما كان ممكناً لها استيعابه، وهذا الأخير تحديداً كان مرعباً بكل تأكيد، ترى ماذا سيقول الناس عنها؟ وكيف ستعيش وتتصرف بينهم؟!

صورة جملة "لا استطيع عملها" ويد تمسك بمقص وتقص كلمة "لا"
خبط الحنطة - عمل الله والراحة الشخصية

الايمان يتغلب.. كيف قبلت مريم المهمة رغم الصعاب؟

هل استوعبت مريم كل شيء في خطة الله لكي تقبل بالمهمة؟ طبعاً لا، بل ظلت مريم تراقب الأحداث من حولها حتى في الاوقات اللاحقة وتعمل الفكر فيها:

"وأمّا مَريَمُ فكانتْ تحفَظُ جميعَ هذا الكلامِ مُتَفَكِّرَةً بهِ في قَلبِها." (لوقا ٢: ١٩)

وهذا هو الإيمان في أجلى صوره، مريم آمنت أنه إن كان الله قادراً على صنع ما نظنه مستحيلاً (أن عذراء تحبل وتلد دون أن تعرف رجلاً) أليس بديهياً أنه يستطيع أن يتصرف فيما يدور بين الناس؟! أكيد هو قادر على ذلك. لهذا قبلت المهمة بكل فدائية:

«هوذا أنا أمَةُ الرَّبِّ. ليَكُنْ لي كقَوْلِكَ». (لوقا ١: ٣٨)

هذا كل ما قالته مريم للملاك، وكأن لسان حالها بالسليقة وبكل تلقائية يسير في السياق الذي علَّم به إبنها لاحقاً "كذلكَ أنتُمْ أيضًا، مَتَى فعَلتُمْ كُلَّ ما أُمِرتُمْ بهِ فقولوا: إنَّنا عَبيدٌ بَطّالونَ، لأنَّنا إنَّما عَمِلنا ما كانَ يَجِبُ علَينا»." (لوقا ١٧: ١٠).

وأنظر أيضاً ترنيمتها الخالدة في الأعداد ٤٦ إلى ٥٥ التي فيها تركز على الامتياز والأمجاد المنتظرة وتتناسى تماماً الحياة العادية التي حلمت بها كل البنات، كما غضت مريم الطرف عن الهم والمسؤولية الملقاة على عاتقها من عمل الرب كأنه أمر بسيط.

يكفي أن نتخيل أماً تعيش العمر كله تنظر لابنها بينما يدور في مخيلتها ما قاله سمعان الشيخ: "وأنتِ أيضًا يَجوزُ في نَفسِكِ سيفٌ." (لوقا ٢: ٣٥) وهي لا تعلم ماهية هذا "السيف" وكيف سيكون. هكذا تكون الفدائية، قبول عمل الله حتى لو كلف الراحة الشخصية.

خليك فاكر، نحن لا نتذكر هذه الأحداث للتسلية وتضييع الوقت أو لاستعراض عضلات كتابة ووعظ، أو علشان تمصمص شفايفك وتقول برافو عليها مريم، لكنها دروس لك شخصياً ولي معك "انظُروا إلَى نِهايَةِ سيرَتِهِمْ فتمَثَّلوا بإيمانِهِمْ." (عبرانيين ١٣: ٧).

٥. حماقة هيرودس - قصد الله والأهواء البشرية

 متى ٢: ١ - ١٨

قصد الله أم أهواء البشر؟

"الفرص لا تحدث وحدها لكن عليك صنعها"، أظن هذا أحد الشعارات التي آمن بها هيرودس، وتاريخه يحكي كيف أنه كان رجلاً يعلم ماذا يريد وعمل كل ما في وسعه لتحقيقه، رجل لا يتورع عن عمل أي شيء للوصول إلى ما يصبوإليه، تقرب من اليهود وهو الأدومي ليكسب ثقتهم وقلوبهم بأي شكل حتى أنه أدار مشروع إعادة تجديد الهيكل ليس إرضاءً ليهوه صاحب الهيكل - الذي لم يُعِره هيرودس اي انتباه بصراحة - بل تقرُّباً من اليهود وكسباً لثقتهم، كما أن هيرودس عمل كل ما هو ممكن لكي يكسب ثقة الرومان ليقبلوا سلطته كحاكم تحت اشرافهم. واستكمالاً لمنجزاته، لم يكن عند هيرودس أي نوع من المحظورات في الدفاع عما وصل اليه، فقَتْلُ أقرب الأقربين إليه للدفاع عن ملكه - حتى الزوجة والابناء - كان أقرب إليه من طعامه وشرابه.

رجل مثل هذا، ينال قدراً كبيراً من الإعجاب وسط الناس (ربما مع بعض التخفيض من الدموية والعدوانية) لأن البشر جُبِلوا على الاعجاب بصاحب القدرة على الانجاز، فكم من شخصيات عامة ننظر إلى ما حققوه بإعجاب شديد وقد نتغاضى عن كثير من سلبياتهم في ظل هذا الاعجاب بإنجازاتهم.

مقولات من نوعية "وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا" و"إسعى يا عبد وانا أسعى معاك" ومثلها الكثير يؤمن بها الغالبية العظمى من البشر (وفيها بعض الصحة طبعاً)، ولكن كثيراً من البشر أصحاب هذه النوعية من الإرادة الحديدية - أمثال هيرودس هذا - تأخذهم الحماسة ورصيد النجاحات والانجازات للدرجة التي فيها لا يقبلون بأي نوع من التعطيل لمشاريعهم، ويلتفون حول كل وجوه التأخير الذي يمكن أن يلاقي تقدمهم فيما يفعلون أو فيما هم مقدمون عليه، وقد يصل بهم العناد - مثلما فعل هيرودس - إلى مقاومة مقاصد الله التي تناقض ما هم مقدمون عليه، ورغم أن هذه المقاصد معلنة لهم وفي غاية الوضوح ("فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْب، وَسَأَلَهُمْ:«أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟»" متى ٢: ٤)، إلا أنهم يحاربون الله لتحقيق اهوائهم ويعتبرون الخضوع له تراجعاً وهزيمة وخسارة.

اقرأ أيضاً: بيت لحم ام الناصرة؟ طفل ام صبي؟

صورة النجم راسل كرو يصرخ في تحدي في مشهد من فيلم المصارع
خبط الحنطة - قصد الله والأهواء البشرية

للاسف أمثال هؤلاء ينسون "أنَّ العَليَّ مُتَسَلِّطٌ في مَملكَةِ النّاسِ وأنَّهُ يُعطيها مَنْ يَشاءُ»." (دانيال ٤: ١٧، ٢٥، ٣٢)، هذا هو الدرس الذي تعلمه "شبيه هيرودس"، أن الله العلي له مقاصد يحققها ليس فقط في سمائه بل حتى وسط الناس في هذا العالم الموضوع في الشرير ولا يمكن أن تقاومه أو تقف ضد عمله مهما أوتيت مما تتصوره حنكة أو مهارة أو قوة عريكة، غير أن نبوخذنصر تعلم هذا الدرس بثمن فادح جداً (دانيال ٤: ٢٨ - ٣٧).

عندما تقاوم مشيئة الله

"وجه الرب ضد فاعلي الشر"، هذا الدرس يسري على مقاصد الله العامة في الخليقة وفي التاريخ وفي شؤون الناس كما رأينا في حالة هيرودس الذي أراد أن يقاوم الخطة التي رسمها الله لاختراق الزمان والدخول إلى عالمنا متأنساً، وقد خاب سعي هيرودس كما رأينا ولم ينجز إلا مذبحة أطفال جديدة أضيفت إلى رصيد مذابحه التي لم يَسَع سجله الحافل أن يحتويها كلها.

كذلك أيضاً يسري هذا الدرس على شوؤنك الخاصة مهما كنت ترى أنها حريتك الشخصية أن تقرر وأن تختار لنفسك وان لديك من الامكانيات ما يؤهلك لتحقيق ما تريد، لأن الرب يعلم ما لا تعلم ويدرك ما هو لخيرك وخير من حولك بشكل أفضل بما لا يقاس عما تراه أنت خيراً أو شراً. ولعل كلاً منا يمكن أن يسترجع من ذاكرة خبراته الشخصية (أو خبرات المحيطين) ما يثبت كيف كان غبياً بما فيه الكفاية بينما كان الرب رحيماً به عندما لم يسمح له بتحقيق ما كان يحلم به رغم الكفاح المستميت والجهود الجبارة وربما الأموال والوساطات المبذولة.

من الآخر؟ لتكن صلاتك في كل حين: لتكن مشيئتك، تماماً مثلما كانت صلاة سيدنا في أحلك أوقاته «يا أبَتاهُ،... فلتَكُنْ مَشيئَتُكَ».(متى ٢٦: ٤٢)

ملحوظة: الصورة معبرة عن موضوع بحثنا، لكن هذا لا ينفي أني من المعجبين بالنجم "راسل كرو" وهذا الفيلم واحد من أفلامه الجميلة. 

٦. يهود عصر المسيح - خلاص الله والقلوب العصيَّة

لوقا ٢: ٢٥ - ٣٨

الرجاء المنتظر

ظل اليهود - ومازالوا - ينتظرون مسيح الرب نسل المرأة وابن الإنسان الموعود به في النبوات ليفدي ويخلص شعبه، وحرص البشير لوقا - في روايته لأحداث الميلاد - على ذكر أمثلة لأشواق هذا الشعب في انتظاره للرب، زكريا والرعاة أمثلة، وحتى ترنيمة مريم عبرت عن هذه الاشواق.

لكن يحرص البشير لوقا على الاحتفاظ بمثالين صارخين لهؤلاء المنتظرين، سمعان الشيخ وحنة النبية (لوقا ٢: ٢٥ - ٣٨)، وانظروا رمزية الانتظار الطويل للشعب كله في العمر الطويل لكلا الشيخين، فسمعان لا يذكر عمره تحديدا لكن يكتفي بالقول إنه "شيخ" (لوقا ٢: ٢٥)، (بعض التقليد المسيحي الغير مؤكد يقول إنه واحد من الشيوخ الذين قاموا بالترجمة السبعينية قبل أكثر من قرن من ذلك التاريخ)، وحنة ربما وصل عمرها ١١٠ سنة، هذا الانتظار الطويل يستدعي توقُّعنا أن الشعب المنتظر بلهفة سيستقبل مخلصه بكل ترحاب وبتجاوب غير عادي معه كما فعل كلا الشيخين، لكننا نجد العكس يحصل تماماً:

لماذا تحول الانتظار إلى مقاومة

"ها إنَّ هذا قد وُضِعَ لسُقوطِ وقيامِ كثيرينَ في إسرائيلَ، ولِعَلامَةٍ تُقاوَمُ." (لوقا ٢: ٣٤)

مفارقة غريبة، أليس كذلك؟ أليس غريباً أن نرى "سقوط" و"مقاومة"، أن كل هذا الانتظار الطويل انتهى بالرفض؟ 

"سقوط" في هاوية عدم قبول المخلص الموعود "المنتظر" لقرون طويلة، هذا السقوط بالرفض يستدعي دينونة عتيدة وقضاء مستحَق.

و"مقاومة" شديدة لدرجة القتل لكن ليس عن جهل، لأن الأحداث المسجلة في البشائر الأربعة تشي بكل وضوح أن خدمة الابن المبارك وسط ذلك الشعب كانت واضحة وصارخة جداً لا تقبل جدالاً للدرجة التي فيها قالوا "بَعضُهُمْ لبَعضٍ: «انظُروا! إنَّكُمْ لا تنفَعونَ شَيئًا! هوذا العالَمُ قد ذَهَبَ وراءَهُ!»." (يوحنا ١٢: ١٩)

لقد ظهرت هنا قساوة القلوب المتحجرة التي قررت مع سبق الاصرار والترصد أن تعطي الله القفا لا الوجه رغم ادعائهم انتظاره مخلصاً، لماذا؟ لأن هذا المخلص لم يأتِ على هواهم وبالصورة التي حلموا بها وتخيلوها وطلبوها. (اقرأ: اذهب اليوم اعمل في كرمي)

  لذلك قالها عنهم سمعان بروح النبوة عندما خاطب مريم متنبئاً بآلام المخلص المنتظر المرفوض منهم "وأنتِ أيضًا يَجوزُ في نَفسِكِ سيفٌ، لتُعلَنَ أفكارٌ مِنْ قُلوبٍ كثيرَةٍ»." (لوقا ٢: ٣٥)، فها هو شر الأفكار وسواد القلوب يخرج في صورة رفض لمسياهم الذي انتظروه لقرون لأن المسيا لم يأتي في الصورة التي طلبوه بها وتخيلوه فيها.

"ولكن رؤَساءَ الكهنةِ والشُّيوخَ حَرَّضوا الجُموعَ علَى أنْ يَطلُبوا باراباسَ ويُهلِكوا يَسوعَ. … فقالَ الوالي: «وأيَّ شَرٍّ عَمِلَ؟». فكانوا يَزدادونَ صُراخًا قائلينَ: «ليُصلَبْ!». … وقالوا: «دَمُهُ علَينا وعلَى أولادِنا»." (متى ٢٧: ٢٠ , ٢٣ , ٢٥)

صورة يدين يتصافحان ومربوطتان سوياً بحبل يلف حول كليهما
خبط الحنطة - خلاص الله والقلوب العصيَّة

حسابات المصلحة التي تعمي القلوب

أليس هذا ما نراه باستمرار في بوستات الفيسبوك ونسمعه باستمرار على أفواه الناس، نرى طلبات ودعوات وصلوات أن يحفظ الله طريقهم ويسدد خطاهم ويرزقهم الرزق الواسع ويهبهم السلامة لهم ولنسلهم من بعدهم..... الخ، لكنهم في وسط كل هذا لا يوجهون أي اعتبار لطلبات الرب منهم ولناموس الرب المغروس في تلافيف عقولهم وأعماق ضمائرهم. حذاري أن تسِيء فهم نعمة الله ومحبته خطأً فتضعه في "برواز" ترسمه بنفسك تحدد له فيه أحلامك وطموحاتك وتوقعاتك وانتظاراتك وحيث تظل باستمرار في موقع الطالب منه أن يختم بالقبول ويؤمن بالموافقة على صلواتك وتظل تحيا مثل طفلٍ مدللٍ لأبٍ كادح.

حقيقة لا يصح أن نغفل عنها:

نحن موجودون لأجل الرب وليس الله موجوداً لأجلنا وإن كان هو يصنع عظائم في حياتنا فإنه في الحقيقة يعملها لأجل نفسه.

اقرأ أيضاً: ليت اسماعيل يعيش أمامك

"يُقيمُكَ الرَّبُّ لنَفسِهِ شَعبًا مُقَدَّسًا كما حَلَفَ لكَ، إذا حَفِظتَ وصايا الرَّبِّ إلهِكَ وسَلكتَ في طُرُقِهِ. فيَرَى جميعُ شُعوبِ الأرضِ أنَّ اسمَ الرَّبِّ قد سُمّيَ علَيكَ ويَخافونَ مِنكَ." (تثنية ٢٨: ٩ - ١٠)

"الّذي سيَّرَ ليَمينِ موسَى ذِراعَ مَجدِهِ، الّذي شَقَّ المياهَ قُدّامَهُمْ ليَصنَعَ لنَفسِهِ اسمًا أبديًّا، الّذي سيَّرَهُمْ في اللُّجَجِ، كفَرَسٍ في البَرّيَّةِ فلَمْ يَعثُروا؟ كبَهائمَ تنزِلُ إلَى وطاءٍ، روحُ الرَّبِّ أراحَهُمْ». هكذا قُدتَ شَعبَكَ لتَصنَعَ لنَفسِكَ اسمَ مَجدٍ." (إشعياء ٦٣: ١٢ - ١٤).

#خبط_الحنطة

من ٢٧ ديسمبر ٢٠١٩ حتى ٩ يناير ٢٠٢٠ تواريخ نشر أول وآخر حلقة في فيسبوك

اقرأ أيضاً: 

أرخبس.


أسئلة شائعة حول فهم الأولويات على هامش الميلاد

(اضغط على السؤال لقراءة الإجابة)

ما معنى فهم الأولويات على هامش الميلاد؟

هو دراسة كيف حددت شخصيات قصة الميلاد (زكريا، أليصابات، يوسف، مريم، هيرودس، وشعب إسرائيل) أولوياتهم، وهل كانت متوافقة مع قصد الله أم مع برنامج العالم.

ما الدرس الرئيسي من شخصيات قصة الميلاد؟

أن أولويات العالم (الراحة، النجاح، المصلحة، العبادة الشكلية) غالباً ما تتعارض مع قصد الله. الإيمان الحقيقي يضع عمل الله فوق كل شيء آخر.

كيف تختلف أولويات زكريا ويوسف ومريم عن هيرودس واليهود؟

زكريا ويوسف ومريم وضعوا (أو تعلموا) وضع عمل الله فوق الراحة والعبادة الشكلية. أما هيرودس واليهود فقاوموا قصد الله للحفاظ على أهوائهم ومصالحهم.

لماذا ندرس أولويات شخصيات الميلاد؟

لأن العالم يغرس فينا أولويات خاطئة. دراسة هذه الشخصيات تكشف الفرق بين الحياة حسب قصد الله والحياة حسب برنامج الشرير، وتساعدنا على اختيار الباب الضيق.

ما أهم درس عملي من سلسلة فهم الأولويات؟

أن نضع عمل الله فوق الراحة الشخصية والحياة التقليدية والمصالح الذاتية. نحن موجودون لأجل الرب وليس الله موجوداً لأجلنا.

تعليقات