أثناء حياتنا تنغرس فينا دروس ومفاهيم تحدد إلى حد بعيد كيف نخطط برنامج لحياتنا، كيف نفكر ولماذا نفضل هذا ونترك ذاك وعلى أي أساس نحدد أولوياتنا واختيارتنا وقراراتنا البسيط فيها والمصيري. يساهم في هذه الدروس - إلى حد بعيد - العادات والتقاليد المحيطة وظروف التربية والتعليم والإعلام والمجتمع المحيط والثقافة التي نتأثر بها قراءةً أو سماعاً ومشاهدة.
![]() |
| خبط الحنطة - فهم الأولويات على هامش الميلاد |
لكن الكتاب المقدس يعلمنا أن "العالَمَ كُلَّهُ قد وُضِعَ في الشِّرّيرِ." بينما "نَعلَمُ أنَّنا نَحنُ مِنَ اللهِ" (١يو ٥: ١٩) لذلك من الحمق أن نتصور أن ما يغرسه فينا هذا العالم من مبادئ وما يحدده من أولويات يمكن أن يكون صحيحاً ويؤدي إلى مُخرَجات صحيحة. لذلك، ومن الأصحاحات الاربعة التي تروي قصة الميلاد (متى ١، ٢، ولوقا ١، ٢) وعلى هامش احداث الميلاد نرى كيف حدد شخصيات القصة أولوياتهم؟ وهل كان هذا مع أو ضد هذا البرنامج الشرير الذي يغرسه العالم.
الشخصيات هي: زكريا - اليصابات - يوسف النجار - مريم العذراء - الملك هيرودس - شعب اسرائيل.
١. زكريا الكاهن - الايمان الحقيقي والعبادة الشكلية
لوقا ١: ٥ - ٢٣
وهو يمارس عمله الكهنوتي الذي لابد قد أعد نفسه له إعداداً جيداً، وبعد أن يستكمل عمله المتميز هذا اليوم في ترتيب البخور على المذبح الذهبي في الفرصة التي كان يحلم به لشهور وسنين طويلة ولا تأتي لكاهن مثل زكريا إلا مرة واحدة في العمر بسبب العدد المهول من الكهنة، وها هو يرى وشم البخور الذي يشير إلى صلوات المؤمنين التي تصعد رائحة سرور أمام الرب ليستجيبها، وبعد أداء الصلوات التي يحددها الطقس داخل الهيكل الفخم المطعم بالذهب وبثمين الأحجار وبالنقوش المبهرة، كان المفروض على زكريا أن يخرج إلى جمهور الشعب المنتظرين في الخارج وسط الأعمدة الضخمة والأبواب المنقوشة والحوائط المزينة ليباركهم ببركة هارون (عد ٦: ٢٣ - ٢٦) ومن ثم ينصرف الشعب إلى حال سبيلهم موقنين بأن صلواتهم قد استمعها الله من عليائه، لكن مع الاسف بالتأمل قليلاً في القصة الكتابية نرى الكاهن يتأخر في الخروج، هذا الكاهن - الذي يصفه الكتاب نفسه بأنه "سالِك في جميعِ وصايا الرَّبِّ وأحكامِهِ بلا لومٍ." (لو ١: ٦) – نكتشف أنه يمارس العبادة طقوساً شكلية خالية من أي جوهر تماماً كالنقوش والزخارف المحيطة، الأمر الذي يعد مخالفة للمفروض "لأنَّهُ يَجِبُ أنَّ الّذي يأتي إلَى اللهِ يؤمِنُ بأنَّهُ مَوْجودٌ، وأنَّهُ يُجازي الّذينَ يَطلُبونَهُ." (عب ١١: ٦)، وهذا الاكتشاف جاء لأننا رأينا زكريا عند المحك وكيف لم يتحول إيمانه إلى ثقة في الله وتصديق لما تلقاه من وعد إلهي («لأَنَّكَ لَمْ تُصَدِّقْ كَلاَمِي الَّذِي سَيَتِمُّ فِي وَقْتِهِ». لو ١: ٢٠)، فزكريا الذي نراه يقدم الصلوات عن الشعب الآن لم يصدق ان صلواته هو التي يصليها من سنين قد حان موعد استجابتها، من أجل ذلك اصابه الخرس (وربما الصمم أيضاً)، وكانت النتيجة أنه لم يعد قادراً على استكمال ما بدأه من إجراءات العبادة وطقوسها الشكلية، فهم الشعب أن زكريا أبصر رؤيا وقبلوا بالأمر الواقع، وكأننا نرى في اخراس زكريا صورة رمزية لإبطال هذه العبادة التي تقوم على ممارسات شكلية وكلمات جوفاء لم يعد للعمق الإيماني أي مكان فيها.
![]() |
| خبط الحنطة - الإيمان الحقيقي والعبادة الشكلية |
وهذا هو درس الأجيال المتعاقبة أن عدم الإيمان يبطل العبادة مهما كانت فخامة شكلها، لأنها تصبح خالية من أي جوهر. هذه دينونة الله في كل عصر لأي عبادة شكلية سطحية لم تَنتُج عن إيمان قلبي عميق وبديهي أيضاً انها لن تُنتِج هذا الإيمان.
يمكننا هنا أيضاً أن نرى في زكريا صورة رمزية للشعب بالكامل، هذا الشعب الذي تحولت العبادة معه إلى ممارسات شكلية تخلو من إيمان حقيقي يلهب العلاقة الشخصية لأفراد هذا الشعب مع الله حيث لم يكن ايمان زكريا وكذلك الشعب كافياً لقبول كلام الله المرسل"مُرَتَّبًا بمَلائكَةٍ في يَدِ وسيطٍ." (غل ٣: ١٩)، وهكذا نرى في هذا القضاء المؤقت على زكريا - بإخراسه عن استكمال العبادة - رسالة عن حتمية استبدال هذه العبادة الطقسية العتيقة المتمسكة بالشكل دون الجوهر بعبادة جديدة "طَريقًا كرَّسَهُ لنا حَديثًا حَيًّا" (عب ١٠: ٢٠) يوصل الى الله قد بدأ الرب في تنفيذه على الأرض بميلاد يوحنا ابن هذا الكاهن ضعيف الايمان.
٢. اليصابات العاقر - الرسالة السماوية والعطية التلقائية
لوقا ١: ٢٤ - ٢٥، 41 - 45
اليصابات العاقر تنتظر ابناً كعطية "تلقائية" مثلها مثل كل النساء المتزوجات اللائي يتوقعن الانجاب بمجرد حدوث الزواج. تصلي أليصابات من أجل الطفل كثيراً، ومع هذا ولسنين طويلة لم تحصل على هذا الابن، لكن يبدو أن الرب يدخر لها ليس فقط ابناً عادياً كغيره من الأبناء الذين سارت أقدامهم على هذه الأرض ثم ذهبوا دون أن يتركوا أي أثر لكن إبناً متميزاً لمهمة متميزة، حيث سيتقدم أمام وجه الرب في الوقت المناسب "في ملء الزمان" مما يجعل من أليصابات أيضاً أماً ليست ككل أم، بل أماً متميزة، ولعله قد خطر ببالها - عند سماع البشارة - أنها انضمت إلى قائمة من أمهات إسرائيل العظيمات سارة، ورفقة، وراحيل، وحنة أم صموئيل، وأيضاً أم شمشون، وكيف أن جميعهن قضين سنين طويلة وهن يعانين ما رأينه ويراه العالم كله "وصمة" العقم والحرمان، لكن عندما أتى الوقت المناسب عليهن جميعاً تمتعن ببركة الأمومة ليس لرجال عاديين لكن لرجال متميزين - في تاريخ الأمة وفي التاريخ المقدس كله - تميزوا برسالة وقصد سماوي. وكأننا هنا نرى نمطاً معتاداً من الرب الإله ليعد الرجل المتفرد من خلال أم متميزة، ونحن لا نعلم الحكمة من هذا لكن لعل أفضل وسيلة رآها الرب لهذا الاعداد هي السماح لها بأن تقاسي العقم والحرمان سنين هذا عددها.
![]() |
| خبط الحنطة - الرسالة السماوية والعطية التلقائية |
أختي أخي، أرجوك تعلم هذا الدرس، فلا شيء يتم بشكل تلقائي بل السماء وحدها هي التي تحدد متى وكيف تصل العطية وتستجاب الصلاة، وعندها فقط نكون مدركين لعظم نعمة المعطي والقيمة الحقيقية لهذه العطية حيث لا تعود تشكل في نظرنا مجرد عطية تلقائية كغيرها مما يمر علينا في الحياة دون أن نتوقف أمامه بالتأمل وبالشكر وبإدراك المسؤولية السماوية المسندة الينا مع ومن خلال هذه العطية. الرب وحده هو "القُدّوسُ الحَقُّ.... الّذي يَفتَحُ ولا أحَدٌ يُغلِقُ، ويُغلِقُ ولا أحَدٌ يَفتَحُ:" (رؤ ٣: ٧) وفي كل حالة، فتح أو غلق، هو يصنع هذا لحكمة عنده ولقصد سماوي يعلو فوق إدراكنا قد نعلمه في الوقت المناسب وقد لا نعلمه أبداً.
لاحظ الآتي من فضلك: هل هذا التميز للابن القادم جعل أليصابات تحس بأي نوع من أنواع التفوق؟ حاشا، فلقد عرفت قدر نفسها وقدر وليدها المقبل (برغم تميزه)، إذ عندما رأت العذراء المطوبة مريم وجدت أنه من الطبيعي جداً أن تقول "مِنْ أين لي هذا أنْ تأتيَ أُمُّ رَبّي إلَيَّ؟" (لو ١: ٤٣) فالعطية السماوية في الموعد المناسب تجعلنا نعرف محدودية دورنا وكيف أنه ليس لنا فخر في عمل أي شيء بل نحن في كل شيء أدوات في يد الله يستعملها حسب قصده الصالح لنا وللمحيطين بنا أيضاً («ِإنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ، لأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا» لو 17: 10)..
باختصار، ليس قصد الله لك أن تأكل وتشرب وتلد أولاداً وبناتاً لهذا العالم تربيهم ثم تموت، وكم هو جيد إن استطعت أن تفهم قصد الله لحياتك، صدقني ستوفر على نفسك الكثيييير من "تعب القلب".
٣. شهامة يوسف - عمل الله والحياة التقليدية
مت ١: ١٨ - ٢٥
يوسف هذا النجار البسيط كأي رجل عادي لابد أنه كان يعيش حياة تقليدية عادية مثله مثل كل معاصريه، ولابد أنه كان يحلم ببيت صغير وأسرة، زوجة وأولاد من صلبه يعلمهم صنعته ويكبرون أمام عينيه ويتزوجون وينجبون أطفالاً وتستمر دورة الحياة، حتى مع معاناة الحاجة وبساطة الحياة التي عاشها لكن هذه هي الحياة التي عرفها ولا يعرف غيرها، وجيلٌ يسلم جيلاً، أليست هذه هي "سُنَّة الحياة" كما يقولون؟ أليس هو مثله مثل كل الأحياء الباقين؟
لكن لا، وقف عندك! ليس يوسف كالأحياء الباقين، لقد اختارته المشيئة الإلهية ليكون عنصراً فاعلاً في خطة سماوية، هذه الخطة قلبت حياته وكيانه رأساً على عقب، أن يتورط في مسؤولية عن ابن ليس من صلبه فهذا لا شك أمر صعب، فما بالك إن كان هذا الابن هو ابن الله وديعة السماء للأرض التي أصبح يوسف نفسه مسؤولاً مسؤولية مباشرة عنها فهذا بالتأكيد أصعب، لكن الأكثر صعوبة هو أن كل هذا يصل إلى علم يوسف عن طريقين فقط:
![]() |
| خبط الحنطة - عمل الله والحياة التقليدية |
الاول على الأرجح هو عن طريق مريم نفسها والتي تردد أن يثق فيها لذلك كان متفكراً في أن يتخلى عنها (مت ١: ١٩)، والثاني عن طريق ملاك رآه في حلم يقول له «يا يوسُفُ ابنَ داوُدَ، لا تخَفْ أنْ تأخُذَ مَريَمَ امرأتَكَ. لأنَّ الّذي حُبِلَ بهِ فيها هو مِنَ الرّوحِ القُدُسِ.» (مت ١: ٢٠).
هذا موقف صعب جداً على يوسف ويشمل الكثير من التعقيدات التي كان ما أغناه عنها، كيف يخرج من الحياة الروتينية (حياة "ماشية لوحدها") التي يجوز أن نقول إنها تسير بقوة "القصور الذاتي" والتي يعرفها جيداً ورأى المئات من حوله يحيون مثلها بل وربما هو نفسه عاش هذه الحياة التقليدية من قبل حيث يعتقد البعض أن يوسف ربما كان أرملاً في ذلك الوقت، كيف له أن يتنازل عن حياة تقليدية بسيطة كهذه ليستلم مسؤولية عمل الله. وبرغم ما في هذا العمل من وقود يلهب أحلاماً انتظرتها عشرات الأجيال السابقة من الأمة الإسرائيلية لكن تبين أنه عمل صعب جداً، كيف يستلم هذا العمل بكل ما فيه من أمور تبدو شائكة وصعبة ونهايتها مجهولة مثل بدايتها تماماً؟!
اقرأ أيضاً: بيت لحم ام الناصرة؟ طفل ام صبي؟
خليني ابشركم، كل مؤمن مسيحي (بلا استثناء واحد) مدعو لأن يعيش مثل هذه الحياة الغير طبيعية والغير تقليدية. هل تريد اثباتاً لكلامي؟ يكفيني هنا ما قاله الرب نفسه عن هذه الحياة:
"«اُدخُلوا مِنَ البابِ الضَّيِّقِ، لأنَّهُ واسِعٌ البابُ ورَحبٌ الطَّريقُ الّذي يؤَدّي إلَى الهَلاكِ، وكثيرونَ هُمُ الّذينَ يَدخُلونَ مِنهُ! ما أضيَقَ البابَ وأكرَبَ الطريقَ الّذي يؤَدّي إلَى الحياةِ، وقَليلونَ هُمُ الّذينَ (يَجِدونَهُ)!" (مت ٧: ١٣ - ١٤)
لاحظ "يجدونه" هذه! لاحظ مقدار الحرص والبحث "المثابر الإرادي" الذي تعبر عنه الكلمة "يجدونه"، لأن بكل بساطة ليس كل البشر راغبين في ركوب المغامرة في عمل الله والتخلي عن حياة "القصور الذاتي" التقليدية، حتى لو كانت حياة القصور الذاتي السهلة هذه (الطريق الواسع) لا توصل إلا إلى "الهلاك" كما قال لنا رب المجد لكن مازال الاكثرون راغبين فيها ولا يتنازلون عنها.
عليك أن تختار كما اختار يوسف.
٤. فدائية مريم - عمل الله والراحة الشخصية
لو ١: ٢٦ - ٥٥
على نفس مثال يوسف لا شك كانت هذه الشابة الصغيرة تحلم - مثل كل البنات - ببيت وأسرة وأبناء وأحفاد وحياة هادئة ليس فيها ما يكدر (على قدر الإمكان طبعاً)، صحيح أنها لابد حلمت كغيرها من بنات إسرائيل أن تكون هي أم المسيا الذي ينتظره الكل، لكنها - كغيرها أيضاً - لم تكن تتخيل الكيفية التي بها سيخترق "ابن الانسان" (دا ٧: ١٣) الموعود هذا أرضنا وشعب إسرائيل ونسل داود لينتسب إليهم، لكنها - على الأغلب - كانت تقول لنفسها هو عمل الله والله كفيل بإتمام عمله بالطريقة التي يراها، هذا ما لابد أن مريم كانت تقوله لنفسها. لكن في لحظة حاسمة من حياتها فوجئت بحلمها وحلم البنات يظهر أمامها شخصياً في صورة ملاك يوصل إليها التكليف بالمهمة ويشرح لها ما كان مبهماً عند الجميع، وتجد نفسها أمام مسؤولية عظيمة تقلب الحياة رأساً على عقب.
ولا تجد مريم بداً من أن تسأل السؤال البسيط: "كيف؟"، ويأتي الجواب بكل التفاصيل ما عظُم على عقلها الصغير أن يستوعبه وما كان ممكناً لها استيعابه، وهذا الأخير تحديداً كان مرعباً بكل تأكيد، ترى ماذا سيقول الناس عنها؟ وكيف ستعيش وتتصرف بينهم؟!
![]() |
| خبط الحنطة - عمل الله والراحة الشخصية |
هل استوعبت مريم كل شيء في خطة الله لكي تقبل بالمهمة؟ طبعاً لا، بل ظلت مريم تراقب الأحداث من حولها حتى في الاوقات اللاحقة وتعمل الفكر فيها:
"وأمّا مَريَمُ فكانتْ تحفَظُ جميعَ هذا الكلامِ مُتَفَكِّرَةً بهِ في قَلبِها." (لو ٢: ١٩)
وهذا هو الإيمان في أجلى صوره، مريم آمنت أنه إن كان الله قادراً على صنع ما نظنه مستحيلاً (أن عذراء تحبل وتلد دون أن تعرف رجلاً) أليس بديهياً أنه يستطيع أن يتصرف فيما يدور بين الناس؟! أكيد هو قادر على ذلك. لهذا قبلت المهمة بكل فدائية:
«هوذا أنا أمَةُ الرَّبِّ. ليَكُنْ لي كقَوْلِكَ». (لو ١: ٣٨)
هذا كل ما قالته مريم للملاك، وكأن لسان حالها بالسليقة وبكل تلقائية يسير في السياق الذي علَّم به إبنها لاحقاً "كذلكَ أنتُمْ أيضًا، مَتَى فعَلتُمْ كُلَّ ما أُمِرتُمْ بهِ فقولوا: إنَّنا عَبيدٌ بَطّالونَ، لأنَّنا إنَّما عَمِلنا ما كانَ يَجِبُ علَينا»." (لو ١٧: ١٠).
وأنظر أيضاً ترنيمتها الخالدة في الأعداد ٤٦ إلى ٥٥ التي فيها تركز على الامتياز والأمجاد المنتظرة وتتناسى تماماً الحياة العادية التي حلمت بها كل البنات، كما غضت مريم الطرف عن الهم والمسؤولية الملقاة على عاتقها من عمل الرب كأنه أمر بسيط.
يكفي أن نتخيل أماً تعيش العمر كله تنظر لابنها بينما يدور في مخيلتها ما قاله سمعان الشيخ: "وأنتِ أيضًا يَجوزُ في نَفسِكِ سيفٌ." (لو ٢: ٣٥) وهي لا تعلم ماهية هذا "السيف" وكيف يكون.
خليك فاكر، نحن لا نتذكر هذه الأحداث للتسلية وتضييع الوقت أو لاستعراض عضلات كتابة ووعظ، أو علشان تمصمص شفايفك وتقول برافو عليها مريم، لكنها دروس لك شخصياً ولي معك "انظُروا إلَى نِهايَةِ سيرَتِهِمْ فتمَثَّلوا بإيمانِهِمْ." (عب ١٣: ٧)
٥. حماقة هيرودس - قصد الله والأهواء البشرية
مت ٢: ١ - ١٨
تاريخه يحكي عنه أنه رجل يعلم ماذا يريد ويعمل كل ما في وسعه لتحقيقه، رجل لا يتورع عن عمل أي شيء للوصول إلى ما يصبوإليه، تقرب من اليهود وهو الأدومي ليكسب ثقتهم وقلوبهم بأي شكل حتى أنه أدار مشروع إعادة تجديد الهيكل ليس إرضاءً ليهوه صاحب الهيكل - الذي لم يُعِره هيرودس اي انتباه - بل تقرُّباً من اليهود وكسباً لثقتهم، كما أن هيرودس عمل كل ما هو ممكن لكي يكسب ثقة الرومان ليقبلوا سلطته كحاكم تحت اشرافهم. واستكمالاً لمنجزاته، لم يكن عند هيرودس أي نوع من المحظورات في الدفاع عما وصل اليه، فقَتْلُ أقرب الأقربين إليه - حتى الزوجة والابناء - للدفاع عن ملكه كان بديهياً مثل طعامه وشرابه.
رجل مثل هذا، ينال قدراً كبيراً من الإعجاب وسط الناس (ربما مع التخفيض من الدموية والعدوانية) لأن البشر جبلوا على الاعجاب بصاحب القدرة على الانجاز، فكم من شخصيات عامة ننظر إلى ما حققوه بإعجاب شديد وربما نتغاضى عن كثير من سلبياتهم في ظلال الاعجاب بإنجازاتهم.
مقولات من نوعية "وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا" و"إسعى يا عبد وانا أسعى معاك" ومثلها الكثير يؤمن بها الغالبية العظمى من البشر (وفيها بعض الصحة طبعاً)، ولكن كثيراً من أصحاب هذه النوعية من الإرادة الحديدية من البشر - أمثال هيرودس هذا - تأخذهم الحماسة ورصيد النجاحات والانجازات للدرجة التي فيها لا يقبلون بأي نوع من التعطيل لمشاريعهم، ويلتفون حول كل وجوه التأخير الذي يمكن أن يلاقي تقدمهم فيما يفعلون أو فيما هم مقدمون عليه، وقد يصل بهم العناد - مثلما فعل هيرودس - إلى مقاومة مقاصد الله المعلنة والواضحة (مت ٢: ٤) والتي لا تؤيد ما هم مقدمون عليه، إنهم يحاربون الله لتحقيق اهوائهم ويعتبرون الخضوع له تراجعاً وهزيمة وخسارة.
![]() |
| خبط الحنطة - قصد الله والأهواء البشرية |
للاسف أمثال هؤلاء ينسون "أنَّ العَليَّ مُتَسَلِّطٌ في مَملكَةِ النّاسِ وأنَّهُ يُعطيها مَنْ يَشاءُ»." (دا ٤: ١٧، ٢٥، ٣٢)، هذا هو الدرس الذي تعلمه "شبيه هيرودس"، أن الله العلي له مقاصد يحققها ليس فقط في سمائه بل حتى وسط الناس في هذا العالم الموضوع في الشرير ولا يمكن أن تقاومه أو تقف ضد عمله مهما أوتيت مما تتصوره حنكة أو مهارة أو قوة عريكة، غير أن نبوخذنصر تعلم هذا الدرس بثمن فادح جداً (دا ٤: ٢٨ - ٣٧).
هذا الدرس يسري على مقاصد الله العامة في الخليقة وفي التاريخ وشؤون الناس كما رأينا في حالة هيرودس الذي أراد أن يقاوم خطة الله لاختراق الزمان والدخول إلى عالمنا متأنساً، وقد خاب سعي هيرودس كما رأينا ولم ينجز إلا مذبحة أطفال جديدة أضيفت إلى سجل مذابحه الحافل.
كذلك أيضاً يسري هذا الدرس على شوؤنك الخاصة مهما كنت ترى أنها حريتك الشخصية أن تقرر وأن تختار لنفسك وان لديك من الامكانيات ما يؤهلك لتحقيق ما تريد، لأن الرب يعلم ما لا تعلم ويدرك ما هو لخيرك وخير من حولك بشكل أفضل بما لا يقاس عما تراه أنت خيراً أو شراً. ولعل كلاً منا يمكن أن يسترجع من ذاكرة خبراته الشخصية (أو خبرات المحيطين) ما يثبت كيف كان غبياً بما فيه الكفاية بينما كان الرب رحيماً به عندما لم يسمح له بتحقيق ما كان يحلم به رغم الكفاح المستميت والجهود الجبارة وربما الأموال والوساطات المبذولة.
من الآخر؟ لتكن صلاتك في كل حين مثلما كانت صلاة سيدنا في أحلك أوقاته «يا أبَتاهُ،... فلتَكُنْ مَشيئَتُكَ».(مت ٢٦: ٤٢)
ملحوظة: الصورة معبرة عن موضوع بحثنا، لكن هذا لا ينفي أني من المعجبين ب "راسل كرو" والفيلم ده من أفلامه الجميلة.
٦. يهود عصر المسيح - خلاص الله والقلوب العصيَّة
لوقا ٢: ٢٥ - ٣٨
ظل اليهود - ومازالوا - ينتظرون مسيح الرب نسل المرأة وابن الإنسان الموعود به في النبوات ليفدي ويخلص شعبه، وحرص البشير لوقا - في روايته لأحداث الميلاد - على ذكر أمثلة لأشواق هذا الشعب في انتظاره للرب، زكريا والرعاة أمثلة، وحتى ترنيمة مريم عبرت عن هذه الاشواق.
لكن يحرص البشير لوقا على الاحتفاظ بمثالين صارخين لهؤلاء المنتظرين، سمعان الشيخ وحنة النبية (لو ٢: ٢٥ - ٣٨)، وانظروا رمزية الانتظار الطويل للشعب كله في العمر الطويل لكلا الشيخين، فسمعان لا يذكر عمره تحديدا لكن يكتفي بالقول إنه "شيخ" (لو ٢: ٢٥)، (بعض التقليد المسيحي الغير مؤكد يقول إنه واحد من الشيوخ الذين قاموا بالترجمة السبعينية قبل أكثر من قرن من ذلك التاريخ)، وحنة ربما وصل عمرها ١١٠ سنة، هذا الانتظار الطويل يستدعي توقُّعنا أن الشعب المنتظر بلهفة سيستقبل مخلصه بكل ترحاب وبتجاوب غير عادي معه، لكننا نجد العكس يحصل تماماً:
"ها إنَّ هذا قد وُضِعَ لسُقوطِ وقيامِ كثيرينَ في إسرائيلَ، ولِعَلامَةٍ تُقاوَمُ." (لو ٢: ٣٤)
مفارقة غريبة، أليس كذلك؟ أنه مع كل هذا الانتظار نرى "سقوط" و"مقاومة".
"سقوط" في هاوية عدم قبول المخلص الموعود "المنتظر" لقرون طويلة، هذا السقوط بالرفض يستدعي دينونة عتيدة وقضاء مستحَق.
و"مقاومة" شديدة لدرجة القتل لكن ليس عن جهل، لأن الأحداث المسجلة في البشائر الأربعة تشي بكل وضوح أن خدمة الابن المبارك وسط ذلك الشعب كانت واضحة وصارخة جداً لا تقبل جدالاً للدرجة التي فيها قالوا "بَعضُهُمْ لبَعضٍ: «انظُروا! إنَّكُمْ لا تنفَعونَ شَيئًا! هوذا العالَمُ قد ذَهَبَ وراءَهُ!»." (يو ١٢: ١٩)
لقد ظهرت هنا قساوة القلوب المتحجرة التي قررت مع سبق الاصرار والترصد أن تعطي الله القفا لا الوجه رغم ادعاءهم انتظاره مخلصاً، لماذا؟ لأن هذا المخلص لم يأتِ على هواهم وبالصورة التي حلموا بها وتخيلوها وطلبوها.
لذلك قالها عنهم سمعان بروح النبوة عندما خاطب مريم متنبئاً بآلام المخلص المنتظر المرفوض منهم "وأنتِ أيضًا يَجوزُ في نَفسِكِ سيفٌ، لتُعلَنَ أفكارٌ مِنْ قُلوبٍ كثيرَةٍ»." (لو ٢: ٣٥)، فها هو شر الأفكار وسواد القلوب يخرج في صورة رفض لمسياهم الذي انتظروه لقرون لأن المسيا لم يأتي في الصورة التي طلبوه بها وتخيلوه فيها.
"ولكن رؤَساءَ الكهنةِ والشُّيوخَ حَرَّضوا الجُموعَ علَى أنْ يَطلُبوا باراباسَ ويُهلِكوا يَسوعَ. … فقالَ الوالي: «وأيَّ شَرٍّ عَمِلَ؟». فكانوا يَزدادونَ صُراخًا قائلينَ: «ليُصلَبْ!». … وقالوا: «دَمُهُ علَينا وعلَى أولادِنا»." (مت ٢٧: ٢٠ , ٢٣ , ٢٥)
![]() |
| خبط الحنطة - خلاص الله والقلوب العصيَّة |
أليس هذا ما نراه باستمرار في بوستات الفيسبوك ونسمعه باستمرار على أفواه الناس، نرى طلبات ودعوات وصلوات أن يحفظ الله طريقهم ويسدد خطاهم ويرزقهم الرزق الواسع ويهبهم السلامة لهم ولنسلهم من بعدهم..... الخ، لكنهم في وسط كل هذا لا يوجهون أي اعتبار لطلبات الرب منهم ولناموس الرب المغروس في تلافيف عقولهم وأعماق ضمائرهم. حذاري أن تسِيء فهم نعمة الله ومحبته خطأً فتضعه في "برواز" ترسمه بنفسك تحدد له فيه أحلامك وطموحاتك وتوقعاتك وانتظاراتك وحيث تظل باستمرار في موقع الطلب أن يختم بالقبول ويؤمن بالموافقة على صلواتك وتظل تحيا كطفلٍ مدللٍ لأبٍ كادح.
حقيقة لا يصح أن نغفل عنها: نحن موجودون لأجل الرب وليس الله موجوداً لأجلنا وإن كان هو يصنع عظائم في حياتنا فإنه في الحقيقة يعملها لأجل نفسه.
اقرأ أيضاً: ليت اسماعيل يعيش أمامك
"يُقيمُكَ الرَّبُّ لنَفسِهِ شَعبًا مُقَدَّسًا كما حَلَفَ لكَ، إذا حَفِظتَ وصايا الرَّبِّ إلهِكَ وسَلكتَ في طُرُقِهِ. فيَرَى جميعُ شُعوبِ الأرضِ أنَّ اسمَ الرَّبِّ قد سُمّيَ علَيكَ ويَخافونَ مِنكَ." (تث ٢٨: ٩ - ١٠)
"الّذي سيَّرَ ليَمينِ موسَى ذِراعَ مَجدِهِ، الّذي شَقَّ المياهَ قُدّامَهُمْ ليَصنَعَ لنَفسِهِ اسمًا أبديًّا، الّذي سيَّرَهُمْ في اللُّجَجِ، كفَرَسٍ في البَرّيَّةِ فلَمْ يَعثُروا؟ كبَهائمَ تنزِلُ إلَى وطاءٍ، روحُ الرَّبِّ أراحَهُمْ». هكذا قُدتَ شَعبَكَ لتَصنَعَ لنَفسِكَ اسمَ مَجدٍ." (إش ٦٣: ١٢ - ١٤)
#خبط_الحنطة
٢٧ ديسمبر ٢٠١٩ – تاريخ النشر في فيسبوك
اقرأ أيضاً:







احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..