واحدة من أكبر الأزمات التي واجهت داود كملك وكإنسان وكأب كانت انقلاب أبشالوم الذي قام به الابن ضد أبيه، كانت فترة عصيبة جداً عليه وعلى سائر المملكة، ورغم أنها انتهت لكن نهايتها كانت بثمن فادح من خسائر بشرية بخلاف المشاعر الجريحة والعلاقات المكسورة. (سفر صموئيل الثاني الأصحاحات ١٥ إلى ١٩)
![]() |
| خبط الحنطة - دروس من الأزمة |
نستخلص بعض الدروس من هذه الأزمة.
+ أسباب الأزمة:
يصعب ارجاع الأزمة إلى سبب واحد، فأسباب انقلاب ابشالوم على داود قد يكون منها سبب مباشر واضح في الصورة، لكن تحليل الأحداث والاقوال قد يبين لنا أن السبب مُرَكَّب من مجموعة عوامل وأسباب كثيرة، طبعاً المباشر كما هو واضح هو طموح وتمرد وعقوق إبن ضد ابيه، وهذا طبيعي جداً في هذه البشرية الساقطة أن يخون إنسان إنساناً آخر وينقلب عليه، وليست علاقة ابن بأبيه بمنأى عن مثل هذه الشرور. لا تستبعد ابداً أن يأتي الشر من أقرب الناس اليك ولا تستغرب حدوثه إذا حدث.
لكن بتحليل هذه العلاقة بشكل أعمق نجد أن داود نفسه لم يكن بريئاً تماماً، فما حدث هو حصاد سنين من الأخطاء والخطايا. (لاحظ ان داود كان إنساناً مثله مثل كل البشر، وعبارة " وجدت داود رجلاً حسب قلبي" - عبارة مفهومة غلط من البعض).
أ. تعدد الزوجات:
أكاد أقول بأن تعدد الزوجات كان واحداً من أهم مصادر المشاكل داخل بيت داود، حقد الزوجات ضد بعضهن البعض، وحقد الإخوة غير الاشقاء ضد بعضهم البعض سببه الأساسي الذي لا يمكن أن ينكره منصف هو تعدد الزوجات.
ب. إساءة اختيار الزوجات:
محصلة تجارب بيت داود تقول إنه لم يحسن الاختيار فيمن ينسبها إليه بالزواج، صحيح أنه أحسن اختياره في أبيجايل - مثلاً - تلك المرأة الجميلة الحكيمة، لكنه أساء باختيار واحدة من غير شعب الرب اسمها معكة بنت تلماي ملك جشور الآرامية، هذه المرأة هي التي انجبت له أبشالوم بطل الأزمة التي نبحثها، كما أنى اميل للاعتقاد بأن ثامار بطلة الحادثة االشهيرة (٢صم ١٣) كانت اخت أبشالوم من هذه المرأة وحكايتها مختلفة عن الاعتقاد السائد. نعم! هكذا كان أبشالوم نبتة غرسها داود في تربة غير نقية، وظل أبشالوم على تواصل مع بيت جده لأمه تواصلاً لم ينقطع اطلاقاً حتى أنه هرب إلى بيت جده وظل هناك سنوات بعدما قتل أخاه امنون (٢صم ١٣: ٣٧، ٣٨). ماذا تتوقعه رأى وسمع وتعلم في تلك البيئة البعيدة تماماً عن الرب وعن ناموسه وتقواه؟ ليس غريباً إذاً أن ينتهي به الحال إلى هذه النهاية الكارثية بعد تلك الجريمة الكارثية.
ج. خطية داود الشهيرة مع بثشبع:
لا ننس أن داود أخطأ خطيته الشهيرة مع بثشبع في قصره (٢صم ١١)، وعُرِفَ الموضوع بتفاصيله وانتشرت أخباره وأبشالوم كان يافعاً وقتها، وبغض النظر عما يمكن أن يفكر فيه أبشالوم من لياقة الحدث أو عدم لياقته، لكن كانت هذه قدوة مشوهة يرسمها أب لأبنائه عن الإخلاص في الحياة الزوجية والوفاء لأصدقائه المخلصين. "فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضًا." (غل ٦: ٧)، وكان بعض الحصاد بشكل غير مباشر في أبشالوم ومن خلال أبشالوم.
د. أخطاء التربية عند داود:
لم يكن داود المربي المثالي، لم يكن المربي الفاضل الفاهم لمعنى الحسم في التربية وتعريف الصواب والخطأ، داود كان شخصاً عاطفياً شاعراً وموسيقياً، ومن جهة ابنائه كان ضعيفاً لم يُعرَف عنه أنه اتخذ مواقف حاسمة تجاه اخطاء الابناء:
أ. أمنون أخطأ خطية جسيمة تجاه ثامار ربيبة ابيه وأخت أخيه أبشالوم، وبلغ الخبر داود لكنه لم يفعل شيئاً ولم يكن له موقف حاسم واضح (٢صم ١٣: ١ - ٢٢). (اقرأ: تعالوا نفهم: ثامار ابنة من وأخت من؟)
ب. وأبشالوم بعد قتله لأخيه ظل قلب داود عليه (٢صم ١٤: ١).
ج. توصيته بالرفق بأبشالوم رغم انقلابه عليه. (٢صم ١٨: ٥).
د. داود - فيما يبدو - حابى لسليمان بسبب بثشبع ومال إليه أكثر من بقية إخوته قبل هذا الانقلاب بسنين، وفي العادة، عدم وجود عدالة كافية بين الأبناء يساهم في زيادة توليد الضغينة بينهم ويكون سبباً لمشاكل أكثر، ويبدو أن هذا الانقلاب كان أحد هذه المشاكل.
+ لكن ما نلاحظه هو ان داود نفسه ارجع كل ما حدث معه هنا لقضاء الله وإرادته الصالحة، ولم يتنازل عن هذا الاعتقاد لحظة. (٢صم ١٥: ٢٥، ٢٦، ١٦: ١٠، ١١)
وهذه هي المعادلة الصعبة التي رغم صعوبتها لا يصح أن يفلتها اي مؤمن من يده، أخطاء كثيرة من طرفنا كمؤمنين (وكبشر عموماً) لكن الله مازال وسيظل ممسكاً بزمام الأمور إلى النهاية.
ملاحظات ودروس من أزمة داود
١. داود حافظ على مستوى عالي جداً من المرونة النفسية في تلقي الصدمات والتعامل معها:
هذا رغم صعوبة الموقف والألم والبكاء والخسارة الواضحة التي لم يبدُ معها ضوء في نهاية النفق. هذه المرونة ظهرت فيما يلي:
- قرار حاسم وسريع بالخروج مسرعاً من أورشليم وإخلاء القصر لكي يتجنب تصادم لا يدري ماذا تكون عقباه، والاستعداد حتى للمبيت في الوعر.
- تلقي الإهانات من المُعَيِّر شمعي بن جيرا بدون رد فعل، بل واعتبارها أمر من الله.
- مطالبته لإتَّاي الجتي بالبقاء في اورشليم وعدم الرحيل معه، لأن ما يجري هو ضده شخصياً لذلك لا داعي لأن يعذب معه آخرين.
- إطلاق لقب "الملك" على أبشالوم أثناء حواره مع إتِّاي الجتي (٢صم ١٥: ١٩)، هذا فيه نوع من الإقرار بأمر واقع جديد فارض نفسه.
أي أن داود كان واقعياً جداً في مواجهة الازمة، والواقعية تساعد على التفكير بهدوء. وهذا يدعونا أن نتساءل:
- ما هي أسباب الواقعية في ذهن داود؟
لعل هذه الواقعية تعود في المقام الأول إلى سببين:
الاول: ذلك الرجاء الذي عنده في الرب:
الرجاءأن الرب كما سمح بخروجه هكذا سيسمح بعودته ثانية:"فقالَ المَلِكُ لصادوقَ: «أرجِعْ تابوتَ اللهِ إلَى المدينةِ، فإنْ وجَدتُ نِعمَةً في عَينَيِ الرَّبِّ فإنَّهُ يُرجِعُني ويُريني إيّاهُ ومَسكَنَهُ. وإنْ قالَ هكذا: إنّي لَمْ أُسَرَّ بكَ. فهأنَذا، فليَفعَلْ بي حَسَبَما يَحسُنُ في عَينَيهِ»."(٢صم ١٥: ٢٥ - ٢٦)
الثاني: خبرات التغرب والمطاردة السابقة:
حيث ظل يعيش في البراري لسنين ايام ان كان مطارداً من شاول. فهو معتاد على الحياة الصعبة وقد اكتسب صلابة كافية يستطيع أن يقاوم بها أي قسوة جديدة قد تأتي بها الأيام رغم تقدمه في السن.
٢. قبول مساعدة الاخوة والأصدقاء بمرونة كافية:
فها هو - وهو الملك والقائد - يقبل بخضوع توصيات رجاله المخلصين له بألا يخرج للحرب معهم "... وقالَ المَلِكُ للشَّعبِ: «إنّي أنا أيضًا أخرُجُ معكُمْ». فقالَ الشَّعبُ: «لا تخرُجْ، لأنَّنا إذا هَرَبنا لا يُبالونَ بنا، وإذا ماتَ نِصفُنا لا يُبالونَ بنا. والآنَ أنتَ كعَشرَةِ آلافٍ مِنّا. والآنَ الأصلَحُ أنْ تكونَ لنا نَجدَةً مِنَ المدينةِ». فقالَ لهُمُ المَلِكُ: «ما يَحسُنُ في أعيُنِكُمْ أفعَلُهُ»..."(٢صم ١٨ : ٢ - ٤)
ملحوظة: الحصول على هذه النوعية من الناس تطلبت من داود سنين هذا عددها وإيجابية ومحبة ومعونة صادقة منه نحوهم فكانت النتيجة أنه فاز بولائهم ومحبتهم ووقوفهم بجانبه في ازمته. "الحَديدُ بالحَديدِ يُحَدَّدُ، والإنسانُ يُحَدِّدُ وجهَ صاحِبِهِ."(أم ٢٧: ١٧). أقول هذا للفيسبوكيين الذين صدعونا بالشكوى من تخلي الأصدقاء وعدم وقوفهم معهم في الملمات، لأن السؤال هو: هل "انت" فعلاً عرفت كيف تعمل أصدقاء كما فعل داود فوجدهم في الأزمة؟ (اقرأ متى وكيف احتاج الرب يسوع للدعم من أصدقاء، وممن حصل عليه)
٣. حذاري من اتخاذ قرارات مصيرية أثناء الأزمة وتحت تأثيرها:
أحياناً ما تتخذه من قرارات هامة في وسط الأزمة يكون خطأ لأنه يكون تحت تأثير الظروف الضاغطة وربما لا تكون الرؤية الحاضرة كافية لتكوين فكرة وقرار صحيح.
لقد اتخذ داود قراراً ضد مفيبوشث وفي صالح ذلك المخادع "صيبا" تحت تأثير كذبة وتحت تأثير العاطفة المشحونة أثناء الأزمة (٢صم ١٦: ٤). فهو يرى نفسه في وضع صعب ومحتاج لكل مساعدة ممكنة، لذلك من يتصوره مقصراً في تقديم المساعدة هو شخص سيء في نظره والعكس صحيح. من أجل هذا نحتاج أن نظل على ثقة بأن ليس كل ما تراه العيون هو الحقيقي، فقد تكون هناك معلومات مجهولة مؤثرة في الموقف الحالي ولا تعلمها. هذا ما تبينه داود من موقف مفيبوشث بعد عودته الأمر الذي لم يكن متاحاً له أثناء الاستعجال وضغط الأزمة.
٤. لا تتوقع أن يكون حكم الناس صحيحاً دائماً:
شمعي ابن جيرا كان يرى ما يحدث لداود:
- عقاباً له "من الله"
- أنه "رجل دماء" وأن ما يحدث له من شرور هو عقاب له على شرور صدرت منه نحو آخرين وتحديداً دماء بيت شاول.
- أن "الله" أعطى المملكة لأبشالوم وليس أن أبشالوم هو الذي اختطفها.
هذا تماماً كانرأي أصدقاء ايوب أثناء محنتهفلأن الله لا يخطئ، لذلك هو - في نظرهم - لابد أن يعاقب من يخطئون بهكذا طريقة هو درس ينبغي أن نتعلمه كلنا، الا نسيء الى متألم فنحن لا نعلم كل الخلفيات لكل الاحداث، إن لم يمكننا تقديم يد العون يكفي أن نسكت ولا نسيء لأحد.
٥. في الأزمة تتضح معادن الناس:
فيها يظهر:
أ. الانتهازي صاحب المصلحة مثل صيبا.
ب. الحاقد الحاسد الشامت مثل شمعي بن جيرا.
ج. الصديق الأصيل مثل حوشاي الأركي وإتاي الجتي وبرزلاي الجلعادي وصادوق وابياثار الكاهنان.
د. الخائن المستعد لبيع العشرة وتغيير ولائه في لمح البصر مثل اخيتوفل الجيلوني.
هـ. الحكيم الذي يزن الكلام والافعال بدقة مثل اخيمعص بن صادوق، بالمقارنة مع "المَدَبّ" الذي ينطق الأقوال دون حساب العواقب مثل "كوشي".
٦. مهما كانت قسوة الازمة لا تستخدم المقدسات لمصلحة شخصية:
"٢٤وَإِذَا بِصَادُوقَ أَيْضًا وَجَمِيعُ اللاَّوِيِّينَ مَعَهُ يَحْمِلُونَ تَابُوتَ عَهْدِ اللهِ. فَوَضَعُوا تَابُوتَ اللهِ،.......٢٥فَقَالَ الْمَلِكُ لِصَادُوقَ: «أَرْجعْ تَابُوتَ اللهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَإِنْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ فَإِنَّهُ يُرْجِعُنِي وَيُرِينِي إِيَّاهُ وَمَسْكَنَهُ."(٢صم ١٥: ٢٤، ٢٥).
لقد رفض داود أن يتجول بتابوت عهد الرب في وسط أزمته بل فضل أن يظل التابوت في مكانه الطبيعي بكل هيبته واحترامه حيث يكون في متناول الجميع حتى من يعادونه، لأننا لا نحتكر الرب لصالحنا، كثيرون تحت ضغط الحاجة الروحية أو المادية يبحثون عما هو قدسٌ للرب ليستغلوه لمصلحتهم:
- لم يجد عملاً مناسباً ومحتاج "ياكل عيش" ماذا يعمل؟ "اتفرغ يا واد للخدمة"!
- في صراع مع جار على حدود الارض أو مع أخ على الميراث ومحتاج لما يقوي موقفه، هنا الاتجار بالدين قد يظهر في المع صوره في مثل هذه المواقف.
ما للرب يجب أن يظل للرب لكيلا يفقد مكانته ونفقد نحن شهادتنا. كثيرون يضيّعون بريق مجد المسيح من كنيسته لأنهم يحولون المسيح إلى أداة منفعة يتجولون بها لمصلحتهم الخاصة أو مصلحة كنائسهم أو طوائفهم.
٧. اعلم ان الأمور بيد الرب وانتظر المكافأة منه.
مهما كانت مجهوداتك، اعلم أن الرب هو المسيطر على كافة الأمور، وأزمة كهذه وبرغم ما ناقشناه من أسبابها لكنها في الاول وفي الاخر تتطلب كلمة من الرب أن تهب العاصفة وهو الوحيد الذي يأمر أن تهدأ، وهذا هو في رأيي اهم درس يشاء الرب أن يعلمنا إياه من اي تجربة، أن يغربل منا الكبرياء الإنساني القاتل ويضعنا أمام حقيقة واحدة وحيدة نقر بها، هي "أنَّ العَليَّ مُتَسَلِّطٌ في مَملكَةِ النّاس" (دا ٤: ١٧، ٢٥، ٣٢)
"فقالَ المَلِكُ لصادوقَ: «أرجِعْ تابوتَ اللهِ إلَى المدينةِ، فإنْ وجَدتُ نِعمَةً في عَينَيِ الرَّبِّ فإنَّهُ يُرجِعُني ويُريني إيّاهُ ومَسكَنَهُ." (٢صم ١٥: ٢٥)
"فقالَ المَلِكُ: «ما لي ولكُمْ يا بَني صَرويَةَ! دَعوهُ يَسُبَّ لأنَّ الرَّبَّ قالَ لهُ: سُبَّ داوُدَ. ومَنْ يقولُ: لماذا تفعَلُ هكذا؟» وقالَ داوُدُ لأبيشايَ ولِجميعِ عَبيدِهِ: «هوذا ابني الّذي خرجَ مِنْ أحشائي يَطلُبُ نَفسي، فكمْ بالحَريِّ الآنَ بَنيامينيٌّ؟ دَعوهُ يَسُبَّ لأنَّ الرَّبَّ قالَ لهُ. لَعَلَّ الرَّبَّ يَنظُرُ إلَى مَذَلَّتي ويُكافِئُني الرَّبُّ خَيرًا عِوَضَ مَسَبَّتِهِ بهذا اليومِ»."(٢صم ١٦: ١٠ - ١٢)
#خبط_الحنطة
اقرأ أيضاً:
كيف نحتفظ بسلام الله في حياتنا (مترجم) - العناية الإلهية وسلطان الله. - من البدء كانت العلاقات. - عندما نسأل لماذا يا رب لماذا؟ (مترجم). - امثلة علاقاتية - يوناثان الأمير المتنازل

احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..