-->

بين الألم والانتحار يوجد رجاء

انتشر خلال اليومين الماضيين (يونيو ٢٠٢٠) موجة من البكاء والتعاطف قابلها موجة أخرى من الهجوم وربما التشفي، وذلك أمام حالة بنت مصرية انتحرت في كندا، وأحد الأسباب المعلنة للجدل هو أن البنت مع تبنيها لأفكار ليبرالية متحررة كان لها أيضاً ميول جنسية غير طبيعية.

والحقيقة، أجده موضوعاً صعباً ومعقداً جداً أن أدلي بدلوي في هذا الجدال، لأن الحالة من الناحية الإنسانية البحتة هي حالة محزنة وتستحق التعاطف من كل من يتمتع بأقل قدر من المشاعر الإنسانية السوية، لكن هذا يقابله من الجهة الأخرى عدم قبول للميول الغير طبيعية للفقيدة وذلك على خلفية "إيمانية" ترى أن الله أعلن صراحة عدم موافقته - بل بالأحرى غضبه - على مثل هذه الميول، لكنه (الله) في نفس الوقت أعلن محبته لضحايا هذه الميول واستعداده لعلاج من يرغب منهم في العلاج، هذا لو اعترفوا لأنفسهم أولاً بأنهم مرضى يحتاجون إلى علاج.

صورة سيريالية لبنت حزينة تضع رأسها في حزن على ركبتيها في وسط دخان تكاد تتلاشى فيه.
خبط الحنطة - بين الألم والانتحار يوجد رجاء

الملفت للنظر أننا عندما نرى ونسمع عن منتحرين يرافق أخبار هذا الانتحار "بكائيات" عن الألم بغض النظر عن أسباب الألم وتنوعها، لكن الملفت أكثر هو البكائيات عن التنمر والتي يستثمرها أصدقاؤنا (الليبرال تحديداً) بالعزف على وتر المظلومية التي ادمنوها والذي اصبح استراتيجية يلعبونها ببراعة شديدة ويستخدمونها أكثر فأكثر لإخراس كل من يجرؤ على قول كلمة حق في وجوههم، هذه الاستراتيجية تقول بأن هذه البنت اضطهدها أصحاب "الفكر المحافظ الشرير" لأنها كانت يا حرام "مختلفة"، وأن هؤلاء المحافظين الأشرار تسببوا لها في تفاقم الألم والمعاناة أكثر فأكثر فأكثر مما دفعها إلى هذه النهاية المفجعة، وطبعاً ما يدعم بكائياتهم هذه نمو التيار الراديكالي الإسلامي الذي يروج لعدوانية مفرطة في التعامل مع هذه الحالات مما يساعد أصدقاءنا الليبرال على  استخدامه كفزاعة تؤكد عند المستمع/القارئ مخاوفهم (هذا طبعاً بعد ضم كل أنواع المحافظين من كل الأديان في سلة واحدة في تعميم مخل لكي يصيبوا عصافير كثيرة بحجر واحد).

ولا يغيب عن فطنة القارئ العزيز أن النتيجة المطلوب تحقيقها من هذه الاستراتيجية هي بكل بساطة:

أن يعترف الجميع بأن كل واحد حرٌ في أن يضع لنفسه المعايير الأخلاقية التي يراها صحيحة "من وجهة نظره"، وأن يتم تحييد كل من يحاول القول بأن لله ناموساً أخلاقياً مطلقاً حريٌ بكل البشر على اختلاف مشاربهم أن يتبعوه، ناموس لا يخضع لأهواء البشر ولا لاختلاف مشاربهم أو "وجهات نظرهم".

والحقيقة أن هذا الخطاب الليبرالي اللئيم اللزج نجح في خداعالكثيرين من سليمي الطوية حتى من المخلصين للحق الإلهي، فرأينا مؤمنين مخلصين كثيرين ينساقون في هذه البكائيات وراء نغمة مغلوطة عنوانها "خليك في حالك" استخدم فيها اولئك المدلِّسون – مثلاً - آيات من عينة "لا تدينوا لكي لا تدانوا" بشكل يخالف مفهومها طبقاً للتعليم المسيحي الصحيح.

نرجع للأساسيات

لماذا لا يتركنا الله في ألمنا؟

لأن الألم والمعاناة هما صنوان للحياة البشرية، حيث يجب أن نقر بأننا كلنا بشر معرضون للألم ولا يوجد فينا من يجرؤ على الادعاء بأنه محصن ضد الالم أو أنه نجح في استصدار قرار إلهي بأن يُستثنَى من الألم وأن يعيش حياة طبيعية مليئة بالسعد والحبور يحقق فيها كل ما يصبو إليه، وبحيث لا يتم حرمانه خلالها ممن يحب أو ما يحب. حتى الأنبياء عندما اصطفاهم الله لكي يمثلوه وسط البشر لم يستثنِهم من الالم، بل إن إبنه "كلمة الله" المتجسد لم يستكثر عليه أن يتقدم "بالآلام" كأوراق اعتماده ممثلاً عن البشر {"لأنَّهُ لاقَ بذاكَ الّذي مِنْ أجلِهِ الكُلُّ وبهِ الكُلُّ، وهو آتٍ بأبناءٍ كثيرينَ إلَى المَجدِ، أنْ يُكَمِّلَ رَئيسَ خَلاصِهِمْ بالآلامِ." (عب ٢: ١٠)}.

وبالتبعية لم يُستثنَ اتباع المسيح من الألم حتى أن تلاميذه المقربين كانوا من الطبقة الكادحة وعاشوا حياةً كلها صعوبات مثلنا جميعاً، بل والغالبيةالعظمى منهم ماتوا شهداء مقتولين بالسيف وبالصلب وبغيره من أدوات التعذيب والقتل، ومن لم يُقتَل فيهم تم نفيه وسجنه وهو شيخ طاعن في السن، وها نحن نرى القديس بطرس عندما كتب رسالته الأولى كان الموضوع الرئيسي فيها هو الألم وكأنه أمر طبيعي أن نتألم حتى ونحن مؤمنون:

"أيُّها الأحِبّاءُ، لا تستَغرِبوا البَلوَى المُحرِقَةَ الّتي بَينَكُمْ حادِثَةٌ، لأجلِ امتِحانِكُمْ، كأنَّهُ أصابَكُمْ أمرٌ غَريبٌ،" (١بط ٤: ١٢)

جلي إذن أنه لا حصانة لأحد من الألم، ويجب أن نقرر هنا أن المعاناة مع الالم ضاغطة وخانقة ومرهقة جداً على النفس البشرية التي هي ضعيفة ومحدودة بطبعها حتى وإن كانت هذه النفس مؤمنة. لذلك، وبسبب فرط محبته لنا، ولمعرفته بأننا يمكن أن نسقط تحت ثقل الألم، لا يتركنا نمر بالألم بدون دعمه وسندته. وقد عبر الرب في غير مرة عن هذه الصحبة بكل جلاء حيث يجب أن نذكر أنفسنا بمثل هذه الوعود، التي منها هذه المرة:

"١لاَ تَخَفْ لأَنِّي فَدَيْتُكَ. دَعَوْتُكَ بِاسْمِكَ. أَنْتَ لِي.٢إِذَا اجْتَزْتَ فِي الْمِيَاهِ فَأَنَا مَعَكَ، وَفِي الأَنْهَارِ فَلاَ تَغْمُرُكَ. إِذَا مَشَيْتَ فِي النَّارِ فَلاَ تُلْذَعُ، وَاللَّهِيبُ لاَ يُحْرِقُكَ." (إشعياء ٤٣١، ٢).

هل تريد أن يصلك إشعار من خبط الحنطة عند نشر موضوع جديد؟ اشترك الآن

امتياز المؤمن في المعاناة:

إن كان شكوى الألم والمعاناة للمؤمن نراها كما نراها تصيب غيره، فما هو إذن ما يميزه عن غير المؤمن؟!

كثير جداً لو عدَّدنا الامتيازات، وبالمناسبة قد يبدو الكلام هنا كأنه "نظريات" غير واقعية، لكن كل من "اختبر" بشكل عملي يمكن أن يؤمّن على ما ساقول لأن ليس من سمع كمن رأى.

عموماً، سأكتفي الآن بامتيازين فقط:

١. اختبار المعية الإلهية في أشد الظروف:

في الواقع، من يتجاهل أننا أرواح تتلامس مع الروح الأكبر في هذا الكون يحكم على نفسه بالقطيعة التامة عن مصدر قوة لا نهائي، هذه القوة تأتي في شكل لمسات روحية تسند الروحالبشري الضعيف بصورة محسوسة لكن قد لا يمكن التعبير عنها، قال عنها المرنم "في يومَ دَعَوْتُكَ أجَبتَني. شَجَّعتَني قوَّةً في نَفسي." (مزمور ١٣٨: ٣).

عبر عنها المرنم المعاصر إذ قال:

يا ترى اي صديق مثل فادينا الحبيب

يحـمل الآثام عنا وكـذا الـهم المـذيب

يالإنعام تسـامى من لـدن رب النجاة

إننا نلـقي عليه كل حمل في الصلاة

(بالمناسبة، علشان نبقى واضحين، هذا الكلام لا علاقة له بالفلسفة ولا بالأديان الوضعية الشرقية التي تنادي بوحدة الوجود أو وحدة الموجود وما يشمله هذا من كلام عن ارواح وتواصل ارواح وما إلى ذلك). (اقرأ أيضاً: يعوزك شيء واحد)

٢. الضوء في نهاية النفق.. هل هو وهم أم حقيقة؟

لا يترك الرب أولاده أبداً بدون رجاء، بل في أحلك الظروف يظل هناك بصيص ضوء يظهر في نهاية النفق المظلم، الرجاء في الألم لا يفارقهم، الايمان الداخلي العميق بأن الخير قادم وان الشمس مختبئة خلف الغيمة لا يفارق أرواح المؤمنين حتى إن خارت قواهم وما عادت أذهانهم الواعية تلمس أي أمل في انفراجة فعلية، الايمان الذي بحسب تعريفه هو "الثِّقَةُ بما يُرجَى والإيقانُ بأُمورٍ لا تُرَى." (عب ١١: ١)، هذا الإيمان هو الذي يخترق الحُجُب ويصل إلى مقادسِ الله فيستمد منها "الفرج" المنتظر حتى وإن كان غير منظور، لذلك اختر الرجاء.

مشهد مظلم من داخل نفق وتبدو نهاية النفق من بعيد يأتي منها النور.
 خبط الحنطة - بين الألم والانتحار يوجد رجاء إلهي

غير المؤمن لا يعرف هذه الامتيازات، وهو (أو هي) قد تنازل عن هذه الوسائل المعاونة يوم أن قرر أن يخاصم مصدر السلام الأوحد وأن يحيا تبعاً لإرشاد عقله المحدود، عقله الذي قد يسعفه في ظروف الحياة العادية لكننا نعرف أن ظروفها الأقسى تأتي لا محالة، حيث يفقد العقل والإرادة البشرية كل فاعلية، عندها يكون قرار العقل بالانتحار هو الحل الوحيد المنظور مع الأسف، وهو ما حدث مع تلك المسكينة.

"فإذًا، الّذينَ يتألَّمونَ بحَسَبِ مَشيئَةِ اللهِ، فليَستَوْدِعوا أنفُسَهُمْ، كما لخالِقٍ أمينٍ، في عَمَلِ الخَيرِ." (١بط ٤: ١٩)

#خبط_الحنطة

١٧ يونيو ٢٠٢٠ – تاريخ النشر في فيسبوك

اقرأ أيضاً: 

الله والشر.. الجدلية اللانهائية     لماذا الإيمان؟     مشكلتك لها حل..الوصفة الإلهية للأزمة الاقتصادية     طريق الألم قرار


أسئلة شائعة حول الألم والانتحار

(اضغط على السؤال لقراءة الإجابة)

هل الألم والمعاناة مقتصرة على غير المؤمنين؟

لا. الألم عنوان للحياة البشرية كلها. حتى المؤمنون والأنبياء والتلاميذ عاشوا آلاماً شديدة، وبعضهم ماتوا شهداء.

ما هو امتياز المؤمن في وسط الألم؟

اختبار المعية الإلهية (شعور الله معه) والرجاء الحقيقي بأن هناك ضوءاً في نهاية النفق، حتى في أحلك الظروف.

كيف يستغل الليبراليون حالات الانتحار؟

يحولونها إلى حملة ضد "المحافظين" و"الدين"، ويستخدمونها لترويج فكرة "خليك في حالك" وأن كل شخص حر في معاييره الأخلاقية.

هل يوجد رجاء لمن يعاني ألماً شديداً؟

نعم. بين الألم والانتحار يوجد رجاء إلهي حقيقي. الله حاضر مع أولاده في الألم، ويعطي قوة داخلية وأملاً يتجاوز الظروف الحالية.

ما أهم درس نستفيده من هذا الموضوع؟

الألم جزء من الحياة، لكن المؤمن لديه معية الله ورجاء أبدي. يجب أن نرفض ثقافة "القطيعة السريعة" و"خليك في حالك"، ونقدم رجاء المسيح للذين يتألمون.

تعليقات