سرجيوس بولس الوالي في قبرس كان رومانياً "فهيماً" كما يصفه الكتاب، يبدو انه في رحلته الفلسفية بحثاًعن الفهم وصل لقناعة – شأنه في ذلك شأن كثير من الرومان مثل كرنيليوس مثلاً - بأن عبادته الوثنية لن تجديه نفعاً، ولعل هذا واحدٌ من أسباب علاقته مع "باريشوع" ذلك الساحر اليهودي الذي إدَّعى الحكمة وإدَّعى أنه "يعرف" الكثير (مثل سيمون الساحر وغيره)، والذي بسبب ألاعيبه السحرية وحيله وخفة يده مع خلفيته اليهودية كان يقدم للوالي الروماني بديلاً عن الوثنية التي يعيش فيها، ورغم ذلك يبدو جلياً انه حتى هذه الألاعيب لم تقنع الوالي، لذلك ارسل يدعو برنابا وبولس ليسمع لهما.
![]() |
| خبط الحنطة - عليم الساحر |
مدَّعي العلم
يحرص القديس لوقا على أن يقدم لنا باريشوع بالإسم "عليم" Elymas مقروناً بصفته "الساحر"، وهذه الكلمة "الساحر" في اليونانية هي μάγος magos نفس الكلمة "مجوس" الموجودة في متى ٢ التي هي كلمة من أصل شرقي، و"عليم" أيضاً كلمة سريانية (يعني شرقية أيضاً) ومعناها كما في العربي من "العلم"، أي "الحكيم" او "العالم". لكننا هنا نجد "مدَّعي علم" وليس عالماً حقيقياً، يصفه الرسول بولس بالقول "الْمُمْتَلِئُ كُلَّ غِشٍّ وَكُلَّ خُبْثٍ"، فهو يقدم نفسه بشكل خادع معسول، ويصور نفسه "الباحث" اليهودي و"المفكر" و"الخبير" ببواطن الأمور الذي يُعمل "العقل" بدعوى انه هبة الله إلى البشر، لكنه بهذا "العقل" يطعن فيما يعلمه بولس وبرنابا مصوراً إياهما كهرطوقيين خارجين عن الدين اليهودي "القويم" حسب دعواه، والمفارقة الساخرة هي ان عليم نفسه كان يمارس السحر الذي يخالف تعاليم الناموس اليهودي، وهدفه هو "أَنْ يُفْسِدَ الْوَالِيَ عَنِ الإِيمَانِ"، أي أن يشوش على الوالي لكي لا يصل إلى ذلك الإيمان الذي يقود إلى الخلاص من الخطية وضمان نوال حياة أبدية من خلال المسيح.
الطعن في الإيمان
لو نظرنا للايمان في تعريفه من عبرانيين ١١: ١ وهُوَ:
الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى
وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى
نرى ان تلاميذ "عليم" الساحر مازالوا حتى اليوم يشككون في بساطة الإيمان بما "لا يرى" كما نتعلمه من الكتاب المقدس، بل هم يذهبون إلى الحد الذي فيه يطعنون في نصوص الكتاب نفسه لأنهم "يرون" أنها لا تتناسب مع "المسيح" الذي يصورونه طبقاً "لعلومهم وحكمتهم"، ويقومون بإثارة أسئلة فيما يدَّعون انه يستحق التفكير "وإعمال العقل"، كل هذا يعملونه بدعوى سيادة "العلم" و"الفكر" ومحاولة التوافق مع العلم في مناخ الحداثة الذي نعيشه.
يعوِّج المستقيم
أيضاً "عليم" كان "يُفْسِدُ سُبُلَ اللهِ الْمُسْتَقِيمَةَ" كما وصفه الرسول بولس، وها نحن نرى أبناءه وهم يلونون الحق باطلاً والباطل حقاً وهكذا "يُحَوِّلُونَ نِعْمَةَ إِلهِنَا إِلَى الدَّعَارَةِ" (يهوذا ١: ٤) لكي ينغمس كل سامعيهم في وحل الخطية فلا يكون لهم خلاص:
- نراهم مثلاً يستهجنون نهي المسيح عن الطلاق إلا لعلة الزنى ليسهلوا على أنفسهم العيشة السهلة الغير ملتزمة بناموس الرب الأخلاقي ووصاياه التي عملها لخيرنا ولسلام المجتمعات البشرية.
- ونرى منهم من يستغلون قصة المرأة التي أمسكت في ذات الفعل ليقولوا انه طالما أن الرب سامح المرأة فلنكن نحن أيضاً متسامحين مع الحرية الجنسية.
- ونرى منهم من يروجون لاستسهال تعاطي الخمور أو حتى إدمانها بكل حرية مستغلين نصيحة صحية من رسول المسيح إلى ابنه وتلميذه تيموثاوس في شرب القليل من الخمر.
الفضح والمواجهة
الملفت للنظر أن من يقرأ خطاب الرسول بولس إلى عليم الساحر لا يمكن ينسى أنه كلمه ك"ابْنَ إِبْلِيسَ!.. عَدُوَّ كُلِّ بِرّ!" وهذا هو موقع "عليم" وكل اخوة "عليم" وأبنائه، هم أبناء إبليس وهم يؤدون ما قام ويقوم به أبوهم منذ ذلك اليوم مع حواء في الجنة وحتى اليوم... لكن ما يعزينا هو أن روح الرب العامل في كنيسته يهزم ابليس في كل مواجهة كما فعل بولس وبرنابا مع عليم الساحر في قبرس، لذلك "اخْضَعُوا ِللهِ. قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ." (يع ٤: ٧).
"فَالآنَ هُوَذَا يَدُ الرَّبِّ عَلَيْكَ" (أع ١٣: ١١)
يا كل إخوة وأبناء "عليم" الساحر، يا أبناء إبليس الذي هو مهزوم وتحت الأقدام... كل ما تفعلون مهزوم وتحت الأقدام.
#خبط_الحنطة
١٤ أكتوبر ٢٠١٨ – تاريخ النشر في فيسبوك

احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..