أنواع التجارب في الكتاب المقدس:
الرسول يعقوب في رسالته التي يثور جدل كبير حولها يتكلم في موضوعين متقاربين وفي نفس الأصحاح (يعقوب ١) عن تجارب، فنجده في أول الاصحاح يتكلم عن:
١. نوع "محمود" من التجارب
هو صحيح صعب ومؤلم، وقد لا نعرف أسبابه على وجه التحديد، لكن يخرج منه نتائج جيدة حسب حكمة الله الفائقة، وواضح بجلاء أن للرب يدٌ فيه (لن نناقش الآليات الآن):
"اِحسِبوهُ كُلَّ فرَحٍ يا إخوَتي حينَما تقَعونَ في تجارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، عالِمينَ أنَّ امتِحانَ إيمانِكُمْ يُنشِئُ صَبرًا. وأمّا الصَّبرُ فليَكُنْ لهُ عَمَلٌ تامٌّ، لكَيْ تكونوا تامّينَ وكامِلينَ غَيرَ ناقِصينَ في شَيءٍ." (يع ١: ٢ - ٤)
هذا النوع الأول تكلم فيه الرسول بطرس أيضاً:
"أيُّها الأحِبّاءُ، لا تستَغرِبوا البَلوَى المُحرِقَةَ الّتي بَينَكُمْ حادِثَةٌ، لأجلِ امتِحانِكُمْ، كأنَّهُ أصابَكُمْ أمرٌ غَريبٌ،" (١بط ٤: ١٢)
![]() |
| خبط الحنطة - تجربة وتجربة |
لكن عندما نأتي إلى النصف الثاني من يعقوب ١ نجد نوعاً آخر من التجربة، ورغم أن نفس اللفظ المستخدم في النوعين واحد "تجربة" (حتى في الأصل اليوناني هو نفس اللفظ)، لكن واضح من سياق الكلام أن هذه تجربة من نوع ثاني ومختلفة تماماً عن التجربة من النوع الأول، فالرسول هنا يتكلم عن:
٢. الانجذاب والانخداع من الشهوة، ثم ما ينتج عن ذلك من خطية تثمر في النهاية موتاً.
"لا يَقُلْ أحَدٌ إذا جُرِّبَ: «إنّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللهِ»، لأنَّ اللهَ غَيرُ مُجَرَّبٍ بالشُّرورِ، وهو لا يُجَرِّبُ أحَدًا. ولكن كُلَّ واحِدٍ يُجَرَّبُ إذا انجَذَبَ وانخَدَعَ مِنْ شَهوَتِهِ. ثُمَّ الشَّهوَةُ إذا حَبِلَتْ تلِدُ خَطيَّةً، والخَطيَّةُ إذا كمَلَتْ تُنتِجُ موتًا." (يع ١: ١٣ - ١٥)
يعني ببساطة الرسول هنا يتكلم عن الشهوة والخطية، الشرور الواقعة من البشر نتيجة الانغواء بالشهوة وما ينتج عنها من خطايا بالفكر و/أو بالفعل، وما يستتبع هذا الشر من حصاد نتائج قاسية مريرة.
أمثلة لهذا النوع من التجارب:
- واحد بسبب اغراء الطمع ومحبة المال ينحدر إلى السرقة أو الاختلاس أو حتى الرغبة في التكويش وتكون النتيجة النهائية الحبس والفضيحة.
- واحد بسبب الشهوة الجنسية يقع في الزنى الفعلي وتكون النتيجة خراب بيته وربما إصابته بأمراض متنوعة... الخ.
ويبدو أن الرسول بالروح القدس يدري بما يمكن أن يحدث من خلط بين هذين النوعين من التجارب في أذهاننا كمتلقين، فيوصل الينا هذه الرسالة بجلاء انه بينما التجربة من النوع الاول للرب يد فيها حسب حكمته وسلطانه المطلق (برضه مش هاندخل في التفاصيل)، فإن التجربة من النوع الثاني هي ناتج طبيعي عن شر الطبيعة البشرية وعجزها عن تحقيق مطالب الله وناموسه الأخلاقي.
ويحرص الروح القدس على التأكيد على أن ليس للرب أي علاقة بهذا النوع الأخير من التجربة، وهو هنا يسوق سببا منطقياً:
"أنَّ اللهَ غَيرُ مُجَرَّبٍ بالشُّرورِ" أي أن هذا النوع من الشر خارج عن طبيعة الله، ليس في طبيعته ما يقبل التجربة فلا يمكنها أن تمسه ولم يُختبر بها. فليس فيه من ميل إلى الإثم كالإنسان وليس فيه نقص في القوة أو المال أو السعادة حتى يكون عرضة للتجربة بغية تعويض ما ينقصه.
لذلك فالله "لا يُجَرِّبُ أحَدًا" بهذا النوع الثاني من التجربة، أي لا يضع أمام الإنسان شيئاً يحمله على ارتكاب الإثم لأن هذا خارج عن طبيعته كلية القداسة.
نرجع لما يدور حولنا هذه الأسابيع الأخيرة ألا وهو وباء كورونا (تمت كتابة المقال في ابريل ٢٠٢٠):
وبناءً على ما سبق اظن اغلبكم يمكن أن يتفق معي ببساطة أننا يمكن ان نضع كورونا وما نتج وينتج عنها تحت بند تجربة من النوع الاول، لكن لاحظت هذا الارتباك الذي وقع ويقع فيه الكثيرون (حتى من خدام الكلمة مع الأسف) فيستدلون في حديثهم عن كورونا بكلام الوحي المقدس أن "اللهَ غَيرُ مُجَرَّبٍ بالشُّرورِ، وهو لا يُجَرِّبُ أحَدًا." (يع ١: ١٣) وهم هنا يختطفون هذا الحق الكتابي من مكانه في سياق النوع الثاني ويذهبون ليستدلوا به في حالة كورونا التي من المنطقي أن نوردها تحت النوع الأول، وهذا خطأ كبير.
ولهذا لزم التنبيه للرد على كل من يظن أو يسأل: هل الله يجرب بالشر؟
"اللهَ غَيرُ مُجَرَّبٍ بالشُّرورِ، وهو لا يُجَرِّبُ أحَدًا." ليس لها محل من الاعراب في حالة كورونا وما يشبهها.
#خبط_الحنطة
٥ ابريل ٢٠٢٠ – تاريخ النشر في فيسبوك.
اقرأ أيضاً:
ما يريده الشيطان شراً يستخدمه الله للخير - القياس الفاسد - ألعل الله تهمه الثيران؟

احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..