-->

النذير - دعوة للتميز

الدعوة هي للبركة

من المسلم به الآن أن البشرية منذ سقوط آدم ليست في أحسن حالاتها، فمنذ أن دخلت الخطية إلى العالم والشر قد استشرى ورافقه الألم على أشكاله والقسوة والظلم والإساءات بأشكالها بل إن الفقر هو أيضاً واحد من نتائج الخطية (ليس بالضرورة أن يكون الخاطئ فقيراً، لكن اللعنة التي وقعت على آدم نتيجة الخطية هي أن "شوكاً وحسكاً تنبت لك")، فكل ما يصنع الإنسان بدون لمسة بركة من الرب ينتج شوكاً وحسكاً.

ونحن نعلم أن الرب منذ اللحظة الأولى – بل في تدبيره الأزلي – رتب لينتشل جنسنا البشري من هذه الوهدة التي سقطنا فيها، وما يقدمه الرب من نداءات هي في الحقيقة دعوة لاسترجاع ما ضاع إلى ملكوته، لذلك يصبح التمسك بالواقع الحاضر المهين والمتعب في مقابل هذه الدعوة الإلهية الكريمة لملكوت الله هو ضرب من الخبل والجنون. الرب يدعونا للخير وللبركة شريطة أن نتجاوب مع شروط دعوته بأن نعيش حياة التميز في اختلاف عن الشكل الذي يتطلبه منا العالم ويبرمجنا عليه.

كان النذير في الكتاب المقدس صورة من صور هذا التميز الذي نتكلم عنه، وفي دراستنا لتفسير عدد ٦ نرى طقوس وشريعة النذير، حيث نتعلم أن الانتذار كان في الغالب لفترة محددة خاضعة لقواعد وأصول، ويشمل إجراءات تتم في بداية الانتذار ونهاية فترة النذر، لكن في أحيان أخرى كان الانتذار لطول العمر، أن يظل الانسان منذ ميلاده وطوال عمره نذيراً للرب (مثلما في حالتي شمشون ويوحنا المعمدان)، لكن للمفارقة، جوهر ذلك التميز الذي كان يحياه النذير، هناك من عاشه طوال عمره وبدون تلك الإجراءات ومن دون النذر.

مجموعة من اللمبات الكهربائية الملقاة مطفية وفقط لمبة واحدة مضيئة قائمة في وسطهم
خبط الحنطة - النذير دعوة للتميز

ولاحظ أن:

أ‌) بالنسبة للنذير - بل حتى أم النذير كما نرى هنا - ما كان يجب أن يقترب إلى الخمر ولا إلى العنب أو ما يتصل به. (يجب أن نفهم من كل نصوص الكتاب المقدس أن الخمر ليس محرماً، ولم يكن يوماً ما محرماً لكن الإسراف فيه هو ما تم النهي عنه، وهذا ما نناقشه في دراسة مستقلة)

ب‌)  وما كان له ان يتنجس حتى لميت من أقاربه.

"٢«كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: إِذَا انْفَرَزَ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ لِيَنْذُرَ نَذْرَ النَّذِيرِ، لِيَنْتَذِرَ لِلرَّبِّ،٣فَعَنِ الْخَمْرِ وَالْمُسْكِرِ يَفْتَرِزُ، وَلاَ يَشْرَبْ خَلَّ الْخَمْرِ وَلاَ خَلَّ الْمُسْكِرِ، وَلاَ يَشْرَبْ مِنْ نَقِيعِ الْعِنَبِ، وَلاَ يَأْكُلْ عِنَبًا رَطْبًا وَلاَ يَابِسًا.٤كُلَّ أَيَّامِ نَذْرِهِ لاَ يَأْكُلْ مِنْ كُلِّ مَا يُعْمَلُ مِنْ جَفْنَةِ الْخَمْرِ مِنَ الْعَجَمِ حَتَّى الْقِشْرِ.٥كُلَّ أَيَّامِ نَذْرِ افْتِرَازِهِ لاَ يَمُرُّ مُوسَى عَلَى رَأْسِهِ. إِلَى كَمَالِ الأَيَّامِ الَّتِي انْتَذَرَ فِيهَا لِلرَّبِّ يَكُونُ مُقَدَّسًا، وَيُرَبِّي خُصَلَ شَعْرِ رَأْسِهِ.٦كُلَّ أَيَّامِ انْتِذَارِهِ لِلرَّبِّ لاَ يَأْتِي إِلَى جَسَدِ مَيْتٍ.٧أَبُوهُ وَأُمُّهُ وَأَخُوهُ وَأُخْتُهُ لاَ يَتَنَجَّسْ مِنْ أَجْلِهِمْ عِنْدَ مَوْتِهِمْ، لأَنَّ انْتِذَارَ إِلهِهِ عَلَى رَأْسِهِ.٨إِنَّهُ كُلَّ أَيَّامِ انْتِذَارِهِ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ." (عدد ٦: ٢ – ٨)

أمثلة كثيرة توضح فكرة التميز هذه في الكتاب المقدس، وهنا نقص حكايات وشخصيات لأمثلة نكررها مرات ومرات، لكن يبدو أن التعامل مع دروسها كحقيقة يمكن أن تتكرر في حياتنا ونحصد نتائجها بركة وخير ربما ليس معتقداً راسخاً في أذهاننا كما ينبغي أن يكون.

تعالوا نشوف الشخصيات!!

إبراهيم الساكن في خيام: الغير متمسك بملك العالم

"٨بِالإِيمَانِ إِبْرَاهِيمُ لَمَّا دُعِيَ أَطَاعَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ عَتِيدًا أَنْ يَأْخُذَهُ مِيرَاثًا، فَخَرَجَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي.٩بِالإِيمَانِ تَغَرَّبَ فِي أَرْضِ الْمَوْعِدِ كَأَنَّهَا غَرِيبَةٌ، سَاكِنًا فِي خِيَامٍ مَعَ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ الْوَارِثَيْنِ مَعَهُ لِهذَا الْمَوْعِدِ عَيْنِهِ.١٠لأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ. (عبرانيين ١١: ٨ – ١١)

ابراهيم واقف في باب الخيمة يرحب بالزوار الثلاثة في انحناءة خفيفة
خبط الحنطة - ابراهيم ساكن الخيام الذي تخلى عن ملك العالم.

١) أبرام لم يهاجر من بيت أبيه هروباً من الفقر، لكن طاعة لصوت الرب:

"١وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: «اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ.٢فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً.٣وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ».٤فَذَهَبَ أَبْرَامُ كَمَا قَالَ لَهُ الرَّبُّ وَذَهَبَ مَعَهُ لُوطٌ. وَكَانَ أَبْرَامُ ابْنَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً لَمَّا خَرَجَ مِنْ حَارَانَ.٥فَأَخَذَ أَبْرَامُ سَارَايَ امْرَأَتَهُ، وَلُوطًا ابْنَ أَخِيهِ، وَكُلَّ مُقْتَنَيَاتِهِمَا الَّتِي اقْتَنَيَا وَالنُّفُوسَ الَّتِي امْتَلَكَا فِي حَارَانَ. وَخَرَجُوا لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَوْا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ." (تكوين ١٢: ١ – ٥)

"اَلْحَقِيرُ وَلَهُ عَبْدٌ خَيْرٌ مِنَ الْمُتَمَجِّدِ وَيُعْوِزُهُ الْخُبْزُ." (أمثال ١٢: ٩)

٢) أبرام فضل ألا يرتبط بممتلكات أرضية، على عكس لوط الذي فضل السكنى داخل سدوم:

لاحظ أن الوعد كان له أن يرث "هذه الأرض"، لكن مع ذلك لم يتمسك بـ"هذه الأرض"

"وَظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ: «لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ». فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ." (تكوين ١٢: ٧)

ويتكرر الوعد مرات أخرى في (تكوين ١٥: ٧، ١٨، ٢٤: ٧)

لأن إبراهيم "كَانَ يَنْتَظِرُ الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ"، أي أنه كان ينظر للأمور من بُعد "أبدي" يتحلل من قواعد العالم المنظور الذي وضع في الشرير.

لأَنَّنَا لَمْ نَدْخُلِ الْعَالَمَ بِشَيْءٍ، وَوَاضِحٌ أَنَّنَا لاَ نَقْدِرُ أَنْ نَخْرُجَ مِنْهُ بِشَيْءٍ.٨فَإِنْ كَانَ لَنَا قُوتٌ وَكِسْوَةٌ، فَلْنَكْتَفِ بِهِمَا.٩وَأَمَّا الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ، فَيَسْقُطُونَ فِي تَجْرِبَةٍ وَفَخٍّ وَشَهَوَاتٍ كَثِيرَةٍ غَبِيَّةٍ وَمُضِرَّةٍ، تُغَرِّقُ النَّاسَ فِي الْعَطَبِ وَالْهَلاَكِ." (١ تيموثاوس ٦: ٧ – ٩)

 (انقر هنا لتتابعنا)

يوسف وقداسة المخَلِّص

"بَرَكَاتُ أَبِيكَ فَاقَتْ عَلَى بَرَكَاتِ أَبَوَيَّ. إِلَى مُنْيَةِ الآكَامِ الدَّهْرِيَّةِ تَكُونُ عَلَى رَأْسِ يُوسُفَ، وَعَلَى قِمَّةِ نَذِيرِ إِخْوَتِهِ." (تكوين ٤٩: ٢٦)

يوسف فهم جيداً المهمة التي ارسله الله فيها. ربما لم يفهمها وهو وسط التجربة والألم، لكن عندما اتضحت الرؤية أمام عينيه فهم لماذا كان كل ما حدث. فهم أنه أرسل أمام إخوته ليخلصهم - في الوقت المناسب – من تجربة صعبة، وهذا ما عبر عنه لهم عندما قابلهم وعرفهم بنفسه:

"٤فَقَالَ يُوسُفُ لإِخْوَتِهِ: «تَقَدَّمُوا إِلَيَّ». فَتَقَدَّمُوا. فَقَالَ: «أَنَا يُوسُفُ أَخُوكُمُ الَّذِي بِعْتُمُوهُ إِلَى مِصْرَ.٥وَالآنَ لاَ تَتَأَسَّفُوا وَلاَ تَغْتَاظُوا لأَنَّكُمْ بِعْتُمُونِي إِلَى هُنَا، لأَنَّهُ لاسْتِبْقَاءِ حَيَاةٍ أَرْسَلَنِيَ اللهُ قُدَّامَكُمْ.٦لأَنَّ لِلْجُوعِ فِي الأَرْضِ الآنَ سَنَتَيْنِ. وَخَمْسُ سِنِينَ أَيْضًا لاَ تَكُونُ فِيهَا فَلاَحَةٌ وَلاَ حَصَادٌ.٧فَقَدْ أَرْسَلَنِي اللهُ قُدَّامَكُمْ لِيَجْعَلَ لَكُمْ بَقِيَّةً فِي الأَرْضِ وَلِيَسْتَبْقِيَ لَكُمْ نَجَاةً عَظِيمَةً.٨فَالآنَ لَيْسَ أَنْتُمْ أَرْسَلْتُمُونِي إِلَى هُنَا بَلِ اللهُ. وَهُوَ قَدْ جَعَلَنِي أَبًا لِفِرْعَوْنَ وَسَيِّدًا لِكُلِّ بَيْتِهِ وَمُتَسَلِّطًا عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ." (تكوين ٤٥: ٤ – ٨)

لكن بالرغم من عدم فهمه لما كان يمر به من تجربة لكن يجب أن نلاحظ أن يوسف عاش الحياة التي تليق بالنذير أن يعيشها، ولم يعتبر الظروف الصعبة عذراً لنفسه لعدم القداسة المطلوبة، لأنه في وسط الأزمة لم يقدم تنازلات كما فعل آخرون ولم يستخف بالخطية المحيطة به بسهولة، بل فضل أن يحيا أمينا لله رغم كل شيء.

· حافظ على طهارته

· حافظ على شهادته عن إلهه.

زوجة فوطيفار تراقب يوسف في شهوة اثناء اشرافه على العمال
خبط الحنطة - يوسف حافظ على طهارته


شمشون النذير المتهاون الذي تصالح مع الخطية

"٥فَهَا إِنَّكِ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا، وَلاَ يَعْلُ مُوسَى رَأْسَهُ، لأَنَّ الصَّبِيَّ يَكُونُ نَذِيرًا ِللهِ مِنَ الْبَطْنِ، وَهُوَ يَبْدَأُ يُخَلِّصُ إِسْرَائِيلَ مِنْ يَدِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ».٦فَدَخَلَتِ الْمَرْأَةُ وَكَلَّمَتْ رَجُلَهَا قَائِلَةً: «جَاءَ إِلَيَّ رَجُلُ اللهِ، وَمَنْظَرُهُ كَمَنْظَرِ مَلاَكِ اللهِ، مُرْهِبٌ جِدًّا. وَلَمْ أَسْأَلْهُ: مِنْ أَيْنَ هُوَ، وَلاَ هُوَ أَخْبَرَنِي عَنِ اسْمِهِ.٧وَقَالَ لِي: هَا أَنْتِ تَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا. وَالآنَ فَلاَ تَشْرَبِي خَمْرًا وَلاَ مُسْكِرًا، وَلاَ تَأْكُلِي شَيْئًا نَجِسًا، لأَنَّ الصَّبِيَّ يَكُونُ نَذِيرًا ِللهِ مِنَ الْبَطْنِ إِلَى يَوْمِ مَوْتِهِ»." (قضاة ١٣: ٥ – ٧)

شمشون الوحيد في شخصياتنا اليوم الذي كان "نذير رسمي"، وشمشون مثله مثل يوسف كان له مهمة وهدف: أن يخلص إخوته (إسرائيل) من يد الفلسطينيين، لكن، لكي يقوم بهذه المهمة كان مطالباً أن يحيا كما يليق بالنذير. ترى هل فعل هذا فعلاً؟ طبعاً لا! (اقرأ أيضاً: شمشون - ومن الجافي حلاوة)

شمشون النائم ورأسه على الأريكة ودليلة تمسك برأسه لتحلقها.
خبط الحنطة - شمشون المتهاون

شمشون النذير كسر عهود انتذاره:

أ‌) طبعاً استخف بمبدأ الحفاظ على طهارته والابتعاد عن النجاسة ليس فقط في الأكل، لكن من خلال العلاقات النسائية المحرمة.

ب‌)  بالنسبة للخمر: لم يذكر الكتاب صراحةً أن شمشون شرب خمراً، لكننا لا نحتاج كثيرَ جهدِ لنفهم أن المنادمات التي كان يقضيها مع رفاقه "الفتيان" من أمثاله (قضاة ١٤: ١٠)، والعلاقات المحرمة التي سمح لنفسه ان يمر بها، كل هذا كان بالتأكيد يرافقه الخمر. الشيء لزوم الشيء.

إرميا: رجل الله يحمل "نور" الرجاء في وسط "ظلمة" اليأس

رغم أن إرميا حمل رسالة قاسية وصعبة جداً لأهل بلده كدينونة للخطية، لكنه حمل معها رسالة رجاء في وسط الضيق، نور في وسط الظلام، افتقاد بنعمة الله بعد نهاية العقاب القاسي. "سبعين سنة" (إرميا ٢٥: ١١، ١٢، إرميا ٢٩: ١٠، دانيال ٩: ٢)

"٦فَقَالَ إِرْمِيَا: «كَلِمَةُ الرَّبِّ صَارَتْ إِلَيَّ قَائِلَةً:٧هُوَذَا حَنَمْئِيلُ بْنُ شَلُّومَ عَمِّكَ يَأْتِي إِلَيْكَ قَائِلاً: اشْتَرِ لِنَفْسِكَ حَقْلِي الَّذِي فِي عَنَاثُوثَ، لأَنَّ لَكَ حَقَّ الْفِكَاكِ لِلشِّرَاءِ».٨فَجَاءَ إِلَيَّ حَنَمْئِيلُ ابْنُ عَمِّي حَسَبَ كَلِمَةِ الرَّبِّ إِلَى دَارِ السِّجْنِ، وَقَالَ لِي: «اشْتَرِ حَقْلِي الَّذِي فِي عَنَاثُوثَ الَّذِي فِي أَرْضِ بِنْيَامِينَ، لأَنَّ لَكَ حَقَّ الإِرْثِ، وَلَكَ الْفِكَاكُ. اشْتَرِهِ لِنَفْسِكَ». فَعَرَفْتُ أَنَّهَا كَلِمَةُ الرَّبِّ.٩فَاشْتَرَيْتُ مِنْ حَنَمْئِيلَ ابْنِ عَمِّي الْحَقْلَ الَّذِي فِي عَنَاثُوثَ، وَوَزَنْتُ لَهُ الْفِضَّةَ، سَبْعَةَ عَشَرَ شَاقِلاً مِنَ الْفِضَّةِ.١٠وَكَتَبْتُهُ فِي صَكّ وَخَتَمْتُ وَأَشْهَدْتُ شُهُودًا، وَوَزَنْتُ الْفِضَّةَ بِمَوَازِينَ.١١وَأَخَذْتُ صَكَّ الشِّرَاءِ الْمَخْتُومَ حَسَبَ الْوَصِيَّةِ وَالْفَرِيضَةِ وَالْمَفْتُوحَ.١٢وَسَلَّمْتُ صَكَّ الشِّرَاءِ لِبَارُوخَ بْنِ نِيرِيَّا بْنِ مَحْسِيَا أَمَامَ حَنَمْئِيلَ ابْنِ عَمِّي، وَأَمَامَ الشُّهُودِ الَّذِينَ أَمْضَوْا صَكَّ الشِّرَاءِ أَمَامَ كُلِّ الْيَهُودِ الْجَالِسِينَ فِي دَارِ السِّجْنِ.١٣وَأَوْصَيْتُ بَارُوخَ أَمَامَهُمْ قَائِلاً:١٤«هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: خُذْ هذَيْنِ الصَّكَّيْنِ، صَكَّ الشِّرَاءِ هذَا الْمَخْتُومَ، وَالصَّكَّ الْمَفْتُوحَ هذَا، وَاجْعَلْهُمَا فِي إِنَاءٍ مِنْ خَزَفٍ لِكَيْ يَبْقَيَا أَيَّامًا كَثِيرَةً.١٥لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: سَيَشْتَرُونَ بَعْدُ بُيُوتًا وَحُقُولاً وَكُرُومًا فِي هذِهِ الأَرْضِ»." (ارميا ٣٢: ٦ – ١٥)

 (انقر هنا لتتابعنا)

إرميا يزن الفضة ثمن الحقل ليفك الحقل من ابن عمه.
خبط الحنطة - إرميا يشتري حقل للمستقبل

كان ارميا يعلم جيداً أن المدن والقرى ستدمر والناس ستسبى والخراب سيعم كل الأرض فلا زرع ولا حصاد لمدة سبعين سنة، لكن الرب أعطاه أن يرى ما لا يرى، وفك الحقل (أي اشترى الحقل) من ابن عمه واحتفظ بالصك في مكان آمن، لأنه علم من الرب أن الافتقاد قادم.

فكان إرميا يقدم بنفسه للشعب دليلاً عملياً على صدق ايمانه أن الرجاء سيتحقق. (اقرأ أيضاً: جمال الناموس - نظرة أعمق من المألوف)

أنت يا من تعظ غيرك أن يثبتوا وسط الضيق لأن الرب قريب، مهمتك الأساسية - مع الوعظ - هو ان تُتيح للموعوظين الفرصة لكي يروا كيف تؤمن أنت بما تتكلم به، وبهذا تثبت صدق الله الذي تؤمن به، لكنك لو تصرفت عكس ما تقول، فأنت تسيء للرب ولكلمته. أمر صعب جداً أن تعيش بمبادئ روحية في وسط عالم مادي بحت، لكن هذه رسالتك. أمر صعب أن تحمل الرجاء في الرب المخلص الأمين في وسط الضيق، لكن هذه مهمتك. أمر قاسي جداً أن تقدم ايماناً في وسط المادية والعدمية والتمسك بالتكالب على المال، لكن هذا هو دورك.

مهمتك أن تعيش متميزاً متفرداً..

ليست مهمتك أن تعيش كما يعيشون، لأنك لو فعلت فما الفارق بينك وبينهم؟ إن لم يكن هناك ما يميزك عنهم حتى يقولوا هذا تلميذ المسيح فما الفائدة من الحياة تلميذاً للرب.

أول كلمات سفر أعمال الرسل كانت "عَنْ جَمِيعِ مَا ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَفْعَلُهُ وَيُعَلِّمُ بِهِ"، ويسوع نفسه هو الذي اعتبر أن "مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ." (متى ٥: ١٩)

وهو الذي صلى لأجلنا:

"١٥لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ الْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ الشِّرِّيرِ.١٦لَيْسُوا مِنَ الْعَالَمِ كَمَا أَنِّي أَنَا لَسْتُ مِنَ الْعَالَمِ.١٧قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ. كَلاَمُكَ هُوَ حَق.١٨كَمَا أَرْسَلْتَنِي إِلَى الْعَالَمِ أَرْسَلْتُهُمْ أَنَا إِلَى الْعَالَمِ،١٩وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا مُقَدَّسِينَ فِي الْحَقِّ." (يوحنا ١٧: ١٥ – ١٩)

وهو أيضاً الذي يقول:

١٣«أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ، وَلكِنْ إِنْ فَسَدَ الْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ، إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجًا وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ.١٤أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ. لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَل،١٥وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجًا وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ.١٦فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ (متى ٥: ١٣ – ١٦) [اقرأ أيضاً: ملكوت السماوات وملكوت الله في انجيل متى]

نحن نطوب رسل المسيح ونعتبرهم قديسين (وهم كذلك فعلاً)، لكن أنظر ما يقوله الرسول بولس عنهم:

"٩فَإِنِّي أَرَى أَنَّ اللهَ أَبْرَزَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ آخِرِينَ، كَأَنَّنَا مَحْكُومٌ عَلَيْنَا بِالْمَوْتِ. لأَنَّنَا صِرْنَا مَنْظَرًا لِلْعَالَمِ، لِلْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ.١٠نَحْنُ جُهَّالٌ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحُكَمَاءُ فِي الْمَسِيحِ! نَحْنُ ضُعَفَاءُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَأَقْوِيَاءُ! أَنْتُمْ مُكَرَّمُونَ، وَأَمَّا نَحْنُ فَبِلاَ كَرَامَةٍ!١١إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ نَجُوعُ وَنَعْطَشُ وَنَعْرَى وَنُلْكَمُ وَلَيْسَ لَنَا إِقَامَةٌ،١٢وَنَتْعَبُ عَامِلِينَ بِأَيْدِينَا. نُشْتَمُ فَنُبَارِكُ. نُضْطَهَدُ فَنَحْتَمِلُ.١٣يُفْتَرَى عَلَيْنَا فَنَعِظُ. صِرْنَا كَأَقْذَارِ الْعَالَمِ وَوَسَخِ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى الآنَ." (١ كورنثوس ٤: ٩ – ١٣)

إنها دعوة شريفة سامية لكل واحد فينا، وهي أيضاً تكليف ودعوة للقداسة، أمرٌ يتطلب الخضوع تحته وتنفيذه بدون جدال كثير. 

"وَتَكُونُونَ لِي قِدِّيسِينَ لأَنِّي قُدُّوسٌ أَنَا الرَّبُّ، وَقَدْ مَيَّزْتُكُمْ مِنَ الشُّعُوبِ لِتَكُونُوا لِي." (لاويين ٢٠: ٢٦)

[لاحظ ان كلمة "قديس" تعني "مُخَصَّص" أو مكرس للرب]

"١٣لِذلِكَ مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ صَاحِينَ، فَأَلْقُوا رَجَاءَكُمْ بِالتَّمَامِ عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.١٤كَأَوْلاَدِ الطَّاعَةِ، لاَ تُشَاكِلُوا شَهَوَاتِكُمُ السَّابِقَةَ فِي جَهَالَتِكُمْ،١٥بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ.١٦لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ».١٧وَإِنْ كُنْتُمْ تَدْعُونَ أَبًا الَّذِي يَحْكُمُ بِغَيْرِ مُحَابَاةٍ حَسَبَ عَمَلِ كُلِّ وَاحِدٍ، فَسِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ،....... ٢٢طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ، فَأَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ.٢٣مَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، لاَ مِنْ زَرْعٍ يَفْنَى، بَلْ مِمَّا لاَ يَفْنَى، بِكَلِمَةِ اللهِ الْحَيَّةِ الْبَاقِيَةِ إِلَى الأَبَدِ.٢٤لأَنَّ:«كُلَّ جَسَدٍ كَعُشْبٍ، وَكُلَّ مَجْدِ إِنْسَانٍ كَزَهْرِ عُشْبٍ. الْعُشْبُ يَبِسَ وَزَهْرُهُ سَقَطَ،٢٥وَأَمَّا كَلِمَةُ الرَّبِّ فَتَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ». وَهذِهِ هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي بُشِّرْتُمْ بِهَا." (١ بطرس ١: ١٣ – ٢٥)

  #خبط_الحنطة

تعليقات