في رحلتنا مع سفر أعمال الرسل نرى في البداية كيف صعد الرب يسوع بعد قيامته من الاموات، لكن قبل صعوده أمر تلاميذه هؤلاء اليهود الذين صحبوه وشاهدوا كل خطوة خطاها منذ بداية خدمته "أنْ لا يَبرَحوا مِنْ أورُشَليمَ، بل يَنتَظِروا «مَوْعِدَ الآبِ الّذي سمِعتُموهُ مِنّي، لأنَّ يوحَنا عَمَّدَ بالماءِ، وأمّا أنتُمْ فستَتَعَمَّدونَ بالرّوحِ القُدُسِ، ليس بَعدَ هذِهِ الأيّامِ بكَثيرٍ»." (أعمال ١: ٤ - ٥)
![]() |
| خبط الحنطة - انتخاب وانتخاب |
لكن واضح أن التلاميذ كانوا مشغولين بالاكثر بالرجاء "اليهودي" الذي نشأوا عليه ونشأ عليه آباؤهم وأجدادهم لذلك كان سؤالهم:
«يا رَبُّ، هل في هذا الوقتِ ترُدُّ المُلكَ إلَى إسرائيلَ؟». (أعمال ١: ٦)
لذلك اراد الرب أن يؤكد عليهم الخروج من هذه الرؤية العنصرية الضيقة التي مازالوا محصورين فيها رغم هذه السنين التي قضاها معهم:
- ليست هذه مهمتكم ولا يصح أن تكون شغلكم الشاغل، «ليس لكُمْ أنْ تعرِفوا الأزمِنَةَ والأوقاتَ الّتي جَعَلها الآبُ في سُلطانِهِ،" (أعمال ١: ٧)
- لكن انشغلوا بالمأمورية العظمى الأوسع والاكثر رحابة وانفتاحاً التي كلفتكم بها وها أنا أجدد تكليفكم بها:
"ستَنالونَ قوَّةً مَتَى حَلَّ الرّوحُ القُدُسُ علَيكُمْ"، عندها سوف "تَكونونَ لي شُهودًا في أورُشَليمَ وفي كُلِّ اليَهوديَّةِ والسّامِرَةِ وإلَى أقصَى الأرضِ»." (أعمال ١: ٨)
- فقط انتظروا انتظروا انتظروا "مَوْعِدَ الآبِ الّذي سمِعتُموهُ مِنّي" (اقرأ: تعلم الانتظار)
هل انتظروا؟
طبعاً انتظروا و"كانوا يواظِبونَ بنَفسٍ واحِدَةٍ علَى الصَّلاةِ والطِّلبَةِ" (أعمال ١: ١٤)، لكن مثلنا جميعاً (إذا انتظرنا) لازم "نسلي" انتظارنا، لازم "نعمل حاجة"، ماهو مش معقول نظل منتظرين "بطّالين" كده بدون شغل، ده حتى "الناس تاكل وشنا"!
+ طيب، ماذا نعمل؟ (أظن هذا كان لسان حالهم).
التلاميذ العبرانيون والانتخاب الأول
هناك "مهمة" لابد أن ننتهي منها، وضع خطأ لابد من تصحيحه، وأهو ادينا بنشغل وقتنا أثناء الانتظار، هل تذكرون ماذا فعل الرب بنفسه حين "دَعا تلاميذَهُ، واختارَ مِنهُمُ اثنَيْ عشَرَ، الّذينَ سمّاهُمْ أيضًا «رُسُلًا»:" (لوقا ٦: ١٣)، العدد الان ليس "إثني عشر" كما كان لأن يهوذا "راح لحاله"، فلابد من تصحيح الوضع، لابد من "تعيين" بديل.
كيف سنقوم بعمل قام به الرب نفسه؟ كيف "نجرؤ" نحن على اختيار شخص ويكون مناسباً؟
لا لا لا.. لا سمح الله! نحن لن نختار، بل سنعطي للرب فرصته كاملة ان يختار، كل ما هنالك اننا فقط سنحدد "معايير" criteria نصفي بناءً عليها الشخصيات المرشحة لأقل عدد ممكن، اثنين مثلاً، هذا لكي نحصر فرص الاختيار أمام الرب، وبعدين سنصلي له مُقِرِّين بعجزنا مقارنة بمعرفته “أيُّها الرَّبُّ العارِفُ قُلوبَ الجميعِ، عَيِّنْ أنتَ مِنْ هَذَينِ الِاثنَينِ أيًّا اختَرتَهُ،" (أعمال ١: ٢٤).
معايير الاختيار حسب حكمتهم
معايير الاختيار التي رأوها مناسبة حسب حكمتهم انحصرت في:
"الرِّجالَ الّذينَ اجتَمَعوا معنا كُلَّ الزَّمانِ الّذي فيهِ دَخَلَ إلَينا الرَّبُّ يَسوعُ وخرجَ، منذُ مَعموديَّةِ يوحَنا إلَى اليومِ الّذي ارتَفَعَ فيهِ عَنّا" (أعمال ١: ٢١ - ٢٢)
بالبلدي كده، نبحث في كل الرجال الذين عاصروا الرب في الجسد وصاحبوه وصاحبونا في كل تحركاتنا منذ البداية إلى النهاية، أظن كده عداهم العيب!...
- افتراض أن القرعة هي تعيين من الله
طيب مش ننتظر الروح القدس كما أمر الرب؟!
الروح القدس أهلاً وسهلاً به في أي وقت وسيجدنا في انتظاره، لكن ما نفعله مهم أيضاً، وها نحن نؤدي الانتخاب بمعايير منضبطة ومع الصلاة أيضاً، ولا تنسوا أيضاً أن "القُرعَةُ تُلقَى في الحِضنِ، ومِنَ الرَّبِّ كُلُّ حُكمِها." (أمثال ١٦: ٣٣)، أي أنهم افترضوا أن القرعة تعادل التعيين من الله.
من ثم "ألقَوْا قُرعَتَهُمْ، فوَقَعَتِ القُرعَةُ علَى مَتّياسَ، فحُسِبَ مع الأحَدَ عشَرَ رَسولًا." (أعمال ١: ٢٦)
وكان هذا "أول انتخاب" يقومون به، وكانت هذه هي المرة الأولى والأخيرة التي يستخدم فيها هذا الأسلوب في تقرير أي شيء في كنيسة العهد الجديد (طبقاً لسفر الأعمال)، والمرة الأولى والأخيرة أيضاً التي يرد فيها ذكر متياس في سفر اعمال الرسل، ليس هو فقط الذي أغفل الوحي بالروح القدس ذكره فيما بعد، بل أيضاً ٦ آخرين من التلاميذ الاحد عشر أُغفلوا تماماً والسابع "يعقوب بن زبدي" ورد ذكره فقط في مجرى الحديث عن قطع راسه واستشهاده.
ولابد - والأمر هكذا - أن الروح القدس الذي كانوا في انتظاره ووجب إنتظاره كانت له رؤية أخرى..
![]() |
| خبط الحنطة - تولى الرب قيادة الكنيسة بالروح القدس منذ يوم الخميس |
التلاميذ اليونانيون والانتخاب الثاني
ننتقل إلى أعمال ٦ وقد مرت شهور بعد حلول الروح القدس في يوم الخمسين، وحيث نجد الرسل وكل المؤمنين مازالوا محصورين في اليهودية والجليل.
وهناك في أول الاصحاح نتعرف عن قرب لأول مرة على فئة أخرى من البشر، هم يهود مثلهم مثل الرسل الأحد عشر وباقي السبعين رسولاً، لكنهم لم يعيشوا معهم في نفس القرى ونفس المدن ولا حتى نفس المنطقة إذ هم مولودين في الشتات بعيداً عن اليهودية والجليل، في فينيقية وباقي سورية القديمة وشمال أفريقيا وآسيا (آسيا الوسطى المعاصرة)، كانت تجمعهم مع يهود الداخل العقيدة الواحدة والعبادة الواحدة والرجاء اليهودي الواحد في المسيا الذي سيردّ الملك لإسرائيل، وأيضاً اللغة العبرية لأنها لغة العبادة والنصوص الدينية واللغة الآرامية لغة رجل الشارع في اليهودية والجليل (لأنهم يعودون في رحلات حج متكررة تستغرقهم أسابيع من الإقامة في اورشليم).
لكن هؤلاء - فوق ذلك - يتكلمون لغاتهم المحلية في البلاد التي ولدوا واستوطنوا فيها بالإضافة الى اليونانية التي كانت اللغة العالمية، لغة العلم والثقافة وفي الغالب هي الوحيدة المتاح لهم التفاهم بها في السفر والتنقلات. لذلك كان هؤلاء يُسمَّون "اليونانيون" للتفريق بينهم وبين يهود الداخل "العبرانيين"، وكان منهم مئات أو ربما آلاف يعيشون في اورشليم سواء للعمل أو للدراسة، وقيل إن اورشليم وحدها كان فيها ٤٨٠ مجمعاً فئوياً يضم مثل هذه الطوائف المختلفة.
في البشائر، قابلنا وفدا من هؤلاء اليونانيين - مرة واحدة - في يوحنا ١٢ عندما جاء وفد من بعضهم يطلبون من فيلبس «يا سيِّدُ، نُريدُ أنْ نَرَى يَسوعَ». (يوحنا ١٢: ٢١)
ثم رأينا منهم يوم الخمسين من يسمعون الرسل يتكلمون بلغاتهم المحلية ويتعجبون (أعمال ٢: ٨ – ١١)، وقبل منهم الكثيرون الإيمان المسيحي فانضموا للكنيسة وعادوا به إلى بلادهم.
وها نحن - في أعمال ٦ - نرى المؤمنين منهم الذين يقيمون في اورشليم يشكون للرسل أن هناك نوع من التحيز يتم ضدهم من المؤمنين العبرانيين في المسائل المادية من أكل وكسوة وما شابه ذلك، ما أسماه بطرس "خدمة الموائد"، لذلك طلب منهم الرسل أن "ينتخبوا" من بينهم من يتولى مسؤولية الموائد فينقطع السبيل أمام شكوى المحاباة، ولكي يتفرغ الرسل للصلاة ولخدمة الكلمة.
"فانتَخِبوا أيُّها الإخوَةُ سبعَةَ رِجالٍ مِنكُمْ، مَشهودًا لهُمْ ومَملوّينَ مِنَ الرّوحِ القُدُسِ وحِكمَةٍ، فنُقيمَهُمْ علَى هذِهِ الحاجَةِ." (أعمال ٦: ٣)
(للخلفية التاريخية يفضل أن تقرأ عن فترة ما بين العهدين)
أول ممارسة للديموقراطية في الكنيسة
ها هو "انتخاب" جديد يحدث مرة أخرى، ربما هذه واحد من أوائل الممارسات الديموقراطية التي قام بها المؤمنون الأوائل، في انتخاب ليس بضخامة أو خطورة انتخاب "رسول للمسيح"، كما في أعمال ١، لكن لمجرد شمامسة يقومون على خدمة متواضعة كالموائد (توزيع أكل وفلوس وملابس)، وأكاد أجرؤ وأدعي أنه بالمقارنة مع ما حصل في أعمال ١، فإن جمهور الناخبين "لم يعطوا الله فرصته للاختيار" كما في المرة السابقة، فلا توجد قرعة يتركون للرب الخيار فيها، لكن هذه المرة أصحاب المصلحة فقط هم من اختار من رأوهم الأصلح لخدمة الموائد ثم صلى الرسل ووضعوا عليهم الايادي وانتهى الأمر.
لكن انظر معايير الاختيار هذه المرة والتي وضعها نفس الرسل الذين وضعوا المعايير في الانتخاب السابق:
"مَشهودًا لهُمْ" – "مَملوّينَ مِنَ الرّوحِ القُدُسِ" – "حِكمَةٍ"
ولكن فوق كل هذا لاحظ كيف ظهر الروح القدس هنا بينما كان غائباً عن المشهد في أعمال ١.
لذلك لا تستعجل، هذه كانت مجرد بداية لما هو أسمى وأفضل من مجرد خدمة موائد.
استفانوس اليوناني
في الوقت الذي مازال فيه الرسل وبقية المؤمنين - ورغم انتشار خبر المسيح بين اليهود - يتعبدون للرب "بنَفسٍ واحِدَةٍ في رِواقِ سُلَيمانَ." (أعمال ٥: ١٢) وهو أحد اروقة الهيكل "اليهودي" الذي اعتادوا عليه طوال عمرهم في اليهودية، في نفس هذا الوقت نرى "يونانياً" من السبعة، استفانوس، الذي تم انتخابه كمجرد شماس لخدمة الموائد يشهد للرب شهادة قوية جداً مع "عَجائبَ وآياتٍ عظيمَةً في الشَّعبِ." (أعمال ٦: ٨) في وسط أحد التجمعات الكبيرة لطائفته من "اليونانيين" الغير مؤمنين، وكان هذا مجمع - أو تجمع كبير لعدة مجامع - من "اللّيبَرتينيّينَ والقَيرَوانيّينَ والإسكَندَريّينَ، ومِنَ الّذينَ مِنْ كيليكيّا وأسيّا" (أعمال ٦: ٩)، وعندما وجد هؤلاء أنفسهم في موضع ضعف أمام شهادة استفانوس القوية “ولَمْ يَقدِروا أنْ يُقاوِموا الحِكمَةَ والرّوحَ الّذي كانَ يتَكلَّمُ بهِ." (أعمال ٦: ١٠)، عندها "صاحوا بصوتٍ عظيمٍ وسَدّوا آذانَهُمْ، وهَجَموا علَيهِ بنَفسٍ واحِدَةٍ، وأخرَجوهُ خارِجَ المدينةِ ورَجَموهُ." (أعمال ٧: ٥٧، ٥٨)
وأسلم استفانوس اليوناني خادم الموائد الروح تاركاً أزكى رائحة ونائلاً لقب الشهيد الاول للمسيح، ولم تكن مصادفة أن يكون حاضراً في المجمع ومعاصراً للحدث شاب "يوناني" آخر من نفس الطائفة (لأنه من طرسوس كيليكية في أسيا الوسطى) كان متغرباً عن بيته ومدينته للدراسة في اورشليم وكان سامعاً لعظة استفانوس وشاهداً لما تلاها كله، والموقف كله والعظة تركا انطباعاً عميقاً في نفس ذلك الشاب شاول مع أنه "كانَ... راضيًا بقَتلِهِ. وحَدَثَ في ذلكَ اليومِ اضطِهادٌ عظيمٌ علَى الكَنيسَةِ الّتي في أورُشَليمَ، فتشَتَّتَ الجميعُ في كوَرِ اليَهوديَّةِ والسّامِرَةِ، ما عَدا الرُّسُلَ." (أعمال ٧: ٥٨، أعمال ٨: ١)
هذا الشاب "شاول" بما فيه من حماسة وغيرة على ايمان الآباء والأجداد إنطلق ونيران الغيرة تأكله يقود حملات اضطهاد ضد كل من هو يهودي تبع هذا الإيمان الجديد ضالاً عن الإيمان القويم (حسب وجهة نظره)، وسنعود إليه لاحقاً، لكن "يونانياً" آخر يعترض رحلتنا ونحتاج نلقي نظرة عليه أولاً.
فيلبس اليوناني
فيلبس واحد آخر من السبعة "اليونانيين" خدام الموائد انطلق من اورشليم هارباً لحياته بسبب الاضطهاد الذي حدث بعد استشهاد صديقه استفانوس، هذا الرجل لم يسع إلى مكان يختبئ فيه و"يأكل عيش" ويؤثر السلامة، لكنه على النقيض من ذلك "انحَدَرَ إلَى مدينةٍ مِنَ السّامِرَةِ وكانَ يَكرِزُ لهُمْ بالمَسيحِ. وكانَ الجُموعُ يُصغونَ بنَفسٍ واحِدَةٍ إلَى ما يقولُهُ فيلُبُّسُ عِندَ استِماعِهِمْ ونَظَرِهِمُ الآياتِ الّتي صَنَعَها، … فكانَ فرَحٌ عظيمٌ في تِلكَ المدينةِ." (أعمال ٨: ٥ - ٦ , ٨). [لاحظ ان اليهود حتى تلك اللحظة لم يكونوا يعاملون السامريين (يوحنا ٤: ٩)]
أما الرسل - الذين لم يتحركوا من اورشليم ابتداءً - لما سمعوا "أنَّ السّامِرَةَ قد قَبِلَتْ كلِمَةَ اللهِ، أرسَلوا إليهِمْ بُطرُسَ ويوحَنا، اللَّذَينِ لَمّا نَزَلا صَلَّيا لأجلِهِمْ لكَيْ يَقبَلوا الرّوحَ القُدُسَ،" (أعمال ٨: ١٤ - ١٥)
ها نحن نرى من جديد كيف استخدم الرب بالروح القدس فيلبس "اليوناني" ليكون طليعة الكرازة لشعب السامرة، فيلبس الذي ربما لم ير الرب قط خلافاً لمعايير الانتخاب التي وضعها التلاميذ في (أعمال ١: ٢١، ٢٢)، والتي قرأنا عنها في البداية.
![]() |
| خبط الحنطة - من المؤمنين من قرر كسر الحواجز التقليدية والكلام للأمم عن الرب يسوع. |
📌 فيلبس فعلياً هو أول إسم تم تسجيل خروجه ببشارة الإنجيل خارج نطاق المستمعين من "جنس اليهود" حسب سجلات سفر أعمال الرسل.
ومرة أخرى ينطلق فيلبس لملاقاة الحبشي وزير ملكة الحبشة (اعمال ٨: ٢٧) الذي آمن وقبل الرب واعتمد، وللمرة الثانية يكون فيلبس سبباً في دخول الإيمان المسيحي إلى تلك المملكة البعيدة.
وبذلك كان فيلبس من خلال طاعته أحد ادوات تنفيذ وصية الرب للأحد عشر قبل صعوده:
"تَكونونَ لي شُهودًا في.... السّامِرَةِ وإلَى أقصَى الأرضِ»." (أعمال ١: ٨)
يونانيون أخرون
في نفس التوقيت الذي كان فيه فيلبس يدخل المدن السامرية ليبشر بالرب يسوع، أي بعد استشهاد استفانوس (أورد لوقا الحكاية في أعمال ١١ لكنها متزامنة تاريخياً مع أعمال ٨) كان هناك جماعات أخرى من المؤمنين الهاربين من الاضطهاد في اورشليم يذهبون في الاتجاه شمالاً على ساحل المتوسط وصولاً إلى انطاكية وغرباً نحو جزيرة قبرص، هؤلاء كانوا يكلمون اليهود فقط في مجامعهم، لكن منهم من قرروا - بكل جرأة - أن يتخطوا الحواجز التقليدية والاحساس اليهودي بالتفرد والرِفعة وأن يطيعوا وصية الرب في أعمال ١: ٨ بأن يكلموا "الأمم" الذين في انطاكية، وليست مصادفة أن من قام بهذه المبادرة كانوا أيضاً من "اليونانيين": "وهُم رِجالٌ قُبرُسيّونَ وقَيرَوانيّونَ، الّذينَ لَمّا دَخَلوا أنطاكيَةَ كانوا يُخاطِبونَ اليونانيّينَ (معناها هنا "الأمم غير اليهود") مُبَشِّرينَ بالرَّبِّ يَسوعَ. وكانتْ يَدُ الرَّبِّ معهُمْ، فآمَنَ عَدَدٌ كثيرٌ ورَجَعوا إلَى الرَّبِّ." (أعمال ١١: ٢٠ - ٢١)، وهؤلاء "اليونانيون" فضل الوحي المقدس أن يحجب أسماءهم فلم يصل إلينا أغلبها.
برنابا اليوناني
مع الأسف، جرأة هؤلاء اليونانيين المتغربين ومرونة تخطي الحواجز عندهم لم يكن منها عند "العبرانيين" في اورشليم واليهودية (بما فيهم الرسل) ما يكفي أن يستوعبوه أو يجرؤوا عليه حتى حدثت المقابلة الشهيرة لبطرس وكرنيليوس مع الرؤية الشهيرة المصاحبة، الأمر الذي حدث بعد سنين (٥ إلى ٧ سنوات وربما أكثر). عندها فقط أمكن لكنيسة اورشليم أن تتجاوب مع تلك النهضة الحاصلة في انطاكية وذلك بإرسال برنابا للتقييم والتشجيع، وليست مصادفة ان برنابا هذا "هو لاويٌّ قُبرُسيُّ الجِنسِ،" (أعمال ٤: ٣٦) أي أنه "يوناني" آخر، وهو رغم إسهاماته الكبيرة في عمل الله لكنه - مثل غيره من "اليونانيين" - كان اغلبها في الظل، حيث ظهرت إشارة إلى بعضها فقط في خضم الحديث عن قمة هرم تلك المجموعة المتميزة من الآنية المنتخبة إلهياً بكل عناية، والذي نأتي الآن إلى حديث مفصل عنه.
شاول الطرسوسي وانتخاب جديد
تركنا في مرحلة سابقة ذلك الشاب شاول "اليوناني" البنياميني الفريسي المنغلق المتزمت الذي يعيش في اورشليم لدراسة الدكتوراة في اللاهوت والذي رغم ثقافته اليونانية العالية لكنه - وبشهادته - أبعد ما يكون عن الليبرالية والانفتاح الفكري تجاه قبول أي جديد من الأفكار العقائدية، الأمر الذي ألزمه ان يعيث اضطهاداً وإتلافاً لكنيسة المسيح (غلاطية ١: ١٣).
وسط هذه الحالة نرى الرب يسوع الممجد يفعل معه ما درج عليه عند اختيار تلاميذه، اذ يأتي شخصياً إلى شاول ليلتقيه في الطريق إلى دمشق، تماماً كما ذهب بنفسه في الجسد إلى الرباعي الأشهر (بطرس واندراوس ويعقوب ويوحنا) على شاطئ بحر الجليل "ليختارهم" رسلاً (لوقا ٦: ١٣)، هنا نسمع شهادة شاول عن هذه الحادثة والتي يحكي فيها ماذا قال له الرب بنفسه:
"قُمْ وقِفْ علَى رِجلَيكَ لأنّي لهذا ظَهَرتُ لكَ، لأنتَخِبَكَ خادِمًا وشاهِدًا بما رأيتَ وبما سأظهَرُ لكَ بهِ،" (أعمال ٢٦: ١٦) [تعبير "انتخاب" هنا بمعنى "تعيين Appoint" أو "التكليف بمهمة"]
كما يبلغ الرب رسالة "الانتخاب" لحنانيا بنفس المضمون:
"هذا لي إناءٌ مُختارٌ ليَحمِلَ اسمي أمامَ أُمَمٍ ومُلوكٍ وبَني إسرائيلَ." (أعمال ٩: ١٥)
ها هو "انتخاب" جديد يقوم به الله الإبن بنفسه من السماء بعد أن قام بالانتخاب الاول وهو على الارض في الجسد (لوقا ٦: ١٣)
[لا تنس الانتخاب السابق للشمامسة والذي تم في أعمال ٦: ٣ والذي بالتأكيد كان للروح القدس فيه اليد العليا]
![]() |
| خبط الحنطة - شاول اليوناني القادم من طرسوس |
يذهب شاول بعد مقابلة الرب له إلى العربية (تسمية تطلق كتابياً وفي كثير من أدبيات تلك الفترة على الصحراء التي يحتضنها الهلال الخصيب في شمال الجزيرة العربية المعاصرة)، ويستمر هناك لمدة ٣ سنوات حيث يقول بعض الدارسين أنه - بالإضافة إلى الاعتكاف هناك في سنوات إيمانه الأولى تلك - ربما كرز هناك لكثيرين من "الأمم" بالإضافة لعديد اليهود المقيمين في تلك المناطق، وربما يكون تبشيره في تلك الفترة واحداً من الأسباب التي دفعت الحارث الملك النبطي الذي تقع العربية ضمن مملكته أن يأمر بمراقبة ابواب المدينة للقبض على شاول لو حاول النفاذ منها هرباً لحياته:
"في دِمَشقَ، والي الحارِثِ المَلِكِ كانَ يَحرُسُ مدينةَ الدِّمَشقيّينَ، يُريدُ أنْ يُمسِكَني، فتدَلَّيتُ مِنْ طاقَةٍ في زَنبيلٍ مِنَ السّورِ، ونَجَوْتُ مِنْ يَدَيهِ." (٢كورنثوس ١١: ٣٢ - ٣٣)
شاول هرب إلى أورشليم حيث يظهر برنابا القبرصي ليُعرِّف صديقه الطرسوسي على الإخوة الجليليين، وهناك لا يضيع شاول فرصة الشهادة لليهود فيتآمرون ضده مما يضطره للهرب إلى مدينة مولده طرسوس التي ظل لسنوات يكرز للأمم فيها وفي كيليكية كلها في ظل تجاهل تام من الوحي عن أي تغطية إخبارية لتلك المرحلة من حياته، ويظل على حاله تلك حتى يظهر برنابا ثانيةً ليستدعيه إلى انطاكية (أعمال ١١: ٢٥، ٢٦) التي ظلا يبشران ويعلمان فيها لأكثر من ٥ سنوات، وقد نتج عن ذلك أن صارت أنطاكية لسنين طويلة مركز إشعاع للكرازة في كل آسيا الوسطى ومناطق كثيرة من أوروبا، رحلات بولس التبشيرية المسجلة وحدها في سفر الأعمال استمرت لأكثر من ١٠ سنوات وكانت انطاكية نقطة الانطلاق دائماً. (اقرأ عن أحد حوادث رحلته الأولى في قبرس)
«لأَنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ أَفْكَارَكُمْ، وَلاَ طُرُقُكُمْ طُرُقِي، يَقُولُ الرَّبُّ.»
وبينما كلام الرب هنا عنوان لنا نعود الآن إلى المعايير التي وضعها الرسل في أعمال ١: ٢١، ٢٢ فنجد أن شاول هذا لا تنطبق عليه تلك المعايير، لكن للمفارقة ومن خلال انتخاب وعمل الروح القدس احتلت قصة بولس ٦٠٪ من قصة الكنيسة كلها في سفر الأعمال.
ملخص في نقاط
١. ما قبل الروح القدس - الهاجس القومي:
تبدأ أحداث سفر الأعمال والتلاميذ مشغولون بالحلم اليهودي الازلي "هل في هذا الوقتِ ترُدُّ المُلكَ إلَى إسرائيلَ؟" (أعمال ١: ٦) وأتصور أن هذا الحلم لابد أن اورشليم تشكل فيه العمود الفقري، لكن لا نكاد نصل إلى منتصف السفر إلا ونرى كنيسة تولد وتكبر في أنطاكية وتصبح هي مركز إشعاع الكرازة بالانجيل لكنائس أخرى كثيرة في كافة أنحاء آسيا الوسطى وشرق ووسط اوروبا، وفي نهاية السفر نرى الكنيسة قد وصلت إلى رومية، وبالتوازي يعلمنا التاريخ العلماني أن اورشليم انتهت تماماً في خلال ١٠ سنوات من نهاية السفر. (اقرأ أيضاً: نيقوديموس والأحلام القومية)
٢. الروح القدس وتوسيع الأفق والرؤية
بالتأكيد حلول الروح القدس قوَّم تلك الطموحات القومية العرقية الدينية لدى رسل المسيح، لكن الملفت للانتباه هو أن غالبية الاحداث السالفة الذكر حصلت والرسل مازالوا قابعين في اورشليم وربما أقصى ما وصلوا إليه هو مدن أخرى في اليهودية والجليل، بل والملفت للنظر أن اللقاء الشهير بين بطرس وكرنيليوس ربما لم يحدث - تاريخياً - إلا في وقت متأخر عن كثير من احداث السفر المهمة (إحتمال قبل ارسال الكنيسة برنابا لأنطاكية بزمن بسيط).
٣. الدور البارز ليهود الشتات (اليونانيين) في الكرازة للعالم
في بداية السفر نرى التلاميذ قبل الروح القدس يعولون كثيراً على "الرِّجالَ الّذينَ اجتَمَعوا معنا كُلَّ الزَّمانِ الّذي فيهِ دَخَلَ إلَينا الرَّبُّ يَسوعُ وخرجَ، منذُ مَعموديَّةِ يوحَنا إلَى اليومِ الّذي ارتَفَعَ فيهِ عَنّا" (أعمال ١: ٢١ - ٢٢)، حتى كبار رسل المسيح (إن جاز لنا ان نقول كبار) "يَعْقُوبُ وَصَفَا وَيُوحَنَّا، الْمُعْتَبَرُونَ أَنَّهُمْ أَعْمِدَةٌ... وَأَمَّا هُمْ فَلِلْخِتَانِ" (غلاطية ٢: ٩)، لم يخرجوا من القوقعة المحدودة للمجتمع اليهودي، ولا أظنه خوفاً او عنصرية كما كانت الأفكار قبل الإيمان وقبل حادثة كرنيليوس، لكنهم ببساطة استكانوا للعمل في الوسط الذي ألفوه بين بني جلدتهم ذوي الأصل اليهودي، بينما في المقابل نرى كنيسة أنطاكية - وغيرها الكثير - الذي زرعها هم تلاميذ من أولئك "اليونانيين" مجهولي الاسماء، والذي رواها وخدمها - مع زراعة الكثير غيرها في آسيا الوسطى وأوروبا - كان برنابا وشاول اليونانيَّان أيضاً، والمؤكد أن أغلب أولئك - إن لم يكن كلهم - لا ينطبق عليهم توصيف بطرس قبل حلول الروح القدس. (لاحظ أن مرقس الذي تعتبره كنيستنا القبطية الارثوذكسية كاروز الديار المصرية كان من مواليد شمال إفريقيا حسب التقليد، يعني يوناني أيضاً).
٤. المؤمنين من العبرانيين والقيود التقليدية
من المتفق عليه أن اليهود الذين لم يؤمنوا بأن يسوع الناصري هو المسيا ظلوا يقاومون المؤمنين والكارزين سواء داخل الاراضي المقدسة أو خارجها، لكن الملفت للنظر أن أولئك الذين آمنوا من "العبرانيين" ورغم انسكاب الروح القدس استغرقوا وقتاً طويلاً جداً ليستوعبوا التعليم المسيحي ويتحرروا من الانغلاق العنصري، خصوصاً في الجزئيتين:
أ. الانفتاح على المؤمنين من الأمم:
الأمر الذي وقع فيه رسول من المتقدمين كبطرس وهو الذي أثر - في نفس الشأن - حتى على برنابا الذي هو واحد من أولئك الذين تصدروا مشهد الانفتاح على الأمم (غلاطية ٢: ١٢، ١٣)، هذا على الرغم من مقابلة بطرس الشهيرة مع كرنيليوس والرؤيا التي أعطاها له الرب قبلها، وعلى الرغم من موقفه المعلن في مجمع اورشليم (اعمال ١٥: ٩ - ١١). في الوقت الذي فيه نرى الرسول بولس في كتاباته يلفت النظر إلى هذا الانفتاح وينبر عليه “الّذي جَعَلَ الِاثنَينِ واحِدًا، ونَقَضَ حائطَ السّياجِ المُتَوَسِّطَ،" (أفسس ٢: ١٤)،
ب. التحرر من ممارسات الناموس الطقسية:
إن كان طموح تلاميذ المسيح قبل صعوده مباشرة هو "رَدُّ المُلكَ إلَى إسرائيلَ" فليس مستغرباً أن نرى بعد أكثر من ربع قرن من الصعود وحلول الروح القدس أنه "كمْ يوجَدُ رَبوَةً (عشرات الآلاف) مِنَ اليَهودِ الّذينَ آمَنوا، وهُم جميعًا غَيورونَ للنّاموسِ" وقَدْ أغضبهم أن أُخبِروا عن بولس أنَّه يعَلِّمُ "جميعَ اليَهودِ الّذينَ بَينَ الأُمَمِ الِارتِدادَ عن موسَى، قائلًا: أنْ لا يَختِنوا أولادَهُمْ ولا يَسلُكوا حَسَبَ العَوائدِ." (أعمال ٢١: ٢٠ - ٢١)، ورغم أن انطباع هؤلاء عن بولس لم يكن صحيحاً بل نتيجة سوء فهم، لكنه اضطر لأن يقوم بحركة لاسترضائهم حيث "أخَذَ بولُسُ الرِّجالَ في الغَدِ، وتَطَهَّرَ معهُمْ ودَخَلَ الهَيكلَ، مُخبِرًا بكَمالِ أيّامِ التَّطهيرِ، إلَى أنْ يُقَرَّبَ عن كُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ القُربانُ." (أعمال ٢١: ٢٦).
٥. شتان الفرق بين رؤيتنا المحدودة وحكمته الفائقة
على وجه العموم، إننا عندما "ننتخب Elect" نكون محكومين بمعرفتنا المحدودة ومدفوعين فقط باستحساناتنا القاصرة حتى لو توافر حسن النية، لكن الله الكلي القدرة والكلي العلم والحكمة عندما ينتخب Select or Appoint" فهو يفعل بكل حكمته عالماً يقيناً ما يحقق إرادته الصالحة والتي بالتأكيد لا نقدر على إدراكها ببساطة.
٦. خراب اورشليم من وجهة نظر اولويات الله للكنيسة
بناءً على كل ما تقدم، يجوز لنا أن نقول إن خراب اورشليم وتدمير الهيكل لم يكن فقط عقاباً من الله لإسرائيل، بل كان أيضاً إنقاذاً لكنيسته الوليدة من براثن "عوائد" الناموس وإنهاءً لعهد "عَتَقَ وَشَاخَ"... و"قَرِيبٌ مِنْ الاضْمِحْلاَلِ" (عبرانيين ٨: ١٣)، وطيَّاً نهائياً لصفحة من صفحات الماضي كان من الواجب واللازم لها أن تنطوي.
عودٌ على بدء
بوب دفينبو (Bob Deffinbaugh) في مقدمة تفسيره لسفر أعمال الرسل، يقول هذه الكلمات:
انا أؤمن ان لوقا يورد قصة اختيار متياس في بداية سفر الأعمال لأنها الطريقة النموذجية التي سنرى الله يعمل بها خلال السفر كله، وبالطبع خلال تاريخ الكنيسة كله. فقد يحسن أو يسيء الناس في اتخاذ قرارات أو عمل أعمال والله في سيادته الكاملة حر في استخدام أعمالهم أو تنحيتها جانباً. الله غالباً ما ينحي جانباً خطط وأغراض الناس لأنها نادراً (أو ابداً) ما يمكن أن تصل إلى حكمة الله، وهذا تحديداً ما قصده بولس في (رومية ١١: ٣٠ - ٣٦)، وهذا أيضاً ما يبينه لنا سفر الأعمال بشكل مذهل. سفر الأعمال ليس قصة رجال تغيروا للدرجة التي أصبح فيها نمو الكنيسة أمر حتمي، لكن سفر الأعمال يحكي عن عمل الله صاحب السيادة بروحه باستخدام البشر - وبالرغم منهم - لينجز ما لم يحلم به هؤلاء الرجال وبطرق ما كانوا ليحلموا بها ابداً. سفر الأعمال هو قصة اعمال الله صاحب السيادة يعملها من خلال رجال ونساء معرضين للخطأ، واختيار متياس ليس إلا اول خطة بشرية بين خطط كثيرة (صائبة أو خاطئة) ينحيها الله جانباً ليفسح الطريق لخطة أفضل - خطته هو. (اقرأ الفقرة في مصدرها).
#خبط_الحنطة
٢٥ نوفمبر ٢٠٢١ – تاريخ النشر في فيسبوك.




احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..