-->

في الطريق للصليب - من مرقس ١٤ (٣): بطرس وتسليم الذهن للرب

٢٧وَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «إِنَّ كُلَّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ الْخِرَافُ.٢٨وَلكِنْ بَعْدَ قِيَامِي أَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ».٢٩فَقَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «وَإِنْ شَكَّ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ!»٣٠فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ مَرَّتَيْنِ، تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ».٣١فَقَالَ بِأَكْثَرِ تَشْدِيدٍ: «وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ!». وَهكَذَا قَالَ أَيْضًا الْجَمِيعُ." (مرقس ١٤: ٢٧ – ٣١)

بطرس واقف خارج الدار مع الخدام يستدفئ ويبدو عليه القلق
خبط الحنطة - بطرس ينكر يسوع

شخصية بطرس

بطرس شخص شجاع ومقدام وعنيد وقائد وصاحب شخصية مستقلة وصاحب قرار، وكما ان لمثل هذه الشخصية مميزاتها فلها عيوبها ايضاً، والعيب البادي جداً هنا – للغرابة - هو هذه الاستقلالية الكاملة، والرغبة في ان تسير كل الأمور حسب تصوره وبمفهومه، وتسرعه في اتخاذ قرارات والاندفاع وراء قناعاته لكل ما يراه صحيحاً، والتصرف التلقائي والسريع حسب هذه القناعات، والاعتداد بالنفس الكبير جداً الذي بدا واضحا في كثير من الأحداث، لقد كانت شخصية بطرس مُشْكِلَة، واستمرت هذه الشخصية (المشكلة) تظهر بين الحين والآخر، وهذه السمات الشخصية ظهرت بجلاء في بعض المناسبات:

- بطرس في مرقس ١٤.

- بطرس في بستان جثسيماني.

- بطرس على بحر طبرية..

 ألقِ معي نظرة في السريع كده:

 ١. البشير مرقس هنا يذكر ذلك التأكيد الشديد الصادر من بطرس «وَإِنْ شَكَّ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ!»، «وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ!» [عقله يملي عليه هذا].

 ٢. ونذكر ايضاً ردة فعله على كلام الرب يسوع [لأن عقله يملي عليه هذا] عندما أخبرهم الرب عن آلامه العتيدة من شيوخ اليهود وعن قتله بأيدي الأمم، حيث نراه "ينتهر" الرب يسوع بكل ثقة بنفسه: «حَاشَاكَ يَارَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هذَا!» (متى ١٦: ٢٢).

 ٣. ثم مبادرته إلى استلال السيف في جثسيماني محاولةً منه للدفاع عن معلمه (يوحنا ١٨: ١٠، ١١). [لأن عقله أملى عليه هذا].

 ٤. وحتى بعد أن ظهر لهم الرب في اورشليم وعرفوا بقيامته، اختار بطرس أن يعود الى مهنة الصيد لِما بدا له من عدم جدوى انتظار الرب وتعليماته الجديدة وموعد حلول الروح القدس [لأن عقله يملي عليه هذا]. (يوحنا ٢١: ٣)

 ٥. في نفس المقابلة وبعد الحوار السابق مباشرة، يرى بطرس يوحنا سائراً خلف الرب "فيحشر" نفسه مرة تانية "في اللي مالوش فيه" ويسأل بخصوص يوحنا: «يَارَبُّ، وَهذَا مَا لَهُ؟» (يوحنا ٢١: ٢١)، ويرد عليه الرب (اعيد صياغة الكلام بالعامية المصرية): "انا حر أعمل فيه اللي انا عاوزه! ايه دخلك انت؟ اتبعني وخليك في نفسك!" (يوحنا ٢١: ٢٢).

 انسانياً، قد تبدو مثل هذه الشخصيات جميلة، بل إن شخصيات مثل هذه تجدها متقدمة في المجتمع كقاطرة تدفع الناس، لكن لا يصلح هذا مع الرب أبدأ، لأن الشخصيات التي بهذا الشكل – شئنا أم أبينا - تأخذ المجد لنفسها، والرب لا يظهر نفسه ومجده أبداً من خلال شخص معتد بالنفس يسلب مجده (مجد الرب) لنفسه. وقد قالها بصريح العبارة "مَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لآخَرَ" (إشعياء ٤٢: ٨).

 + القوة والإرادة البشرية والخضوع لله:

هي قاعدة إلهية أساسية، مخالفة لمنطق البشر لكن لم نأتِ بها من عندنا بل اعلنها الرب بنفسه، وهي عن طريقة عمله: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ»، فالرب لا يعمل من خلال نقاط القوة البشرية ولا تلزمه، لكنه يعمل من خلال - وبالرغم من - نقاط الضعف، لذلك أعلن بولس انه:

 "َبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ." (٢كورنثوس ١٢: ٩)، ولذلك:

 "اخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ" (١كورنثوس ١: ٢٨).

 هذا المبدأ يصيب في مقتل كل أصحاب القدرات المتميزة والشهادات العالية والأفكار العظيمة، لأنها تضرب كل اعتدادهم بأنفسهم وتعتبره كلا شيء. ولقد احتاج بطرس أن يجتاز اختبار الإنكار القاسي الذي اثبت له فشل هذه القدرات البشرية وضعفها مهما قَوِيَتْ، لكي يخرج منه (اختبار الإنكار) غير معتمدٍ نهائياً على نفسه ولا على ثقته بنفسه أو افكاره. خرج بطرس من هذا الاختبار واضعاً معرفته وكل ما يتصوره حكمة لديه عند قدمي الرب، فهم بطرس كيف أن "جَهَالَةَ اللهِ أَحْكَمُ مِنَ النَّاسِ! وَضَعْفَ اللهِ أَقْوَى مِنَ النَّاسِ!" (١كورنثوس ١: ٢٥) والرب بعد القيامة استخدم حادثة بحر طبرية التي ذكرناها سابقاً للتعامل الخاص مع بطرس بصفة خاصة وشخصية لمعالجة هذه المشكلة.

 (انقر هنا لتتابعنا)

يسوع والتلاميذ بعد القيامة على شاطئ بحيرة طبرية يلتفون حول النار ليأكلوا
خبط الحنطة - يسوع وبطرس وتلاميذ آخرين على شاطئ بحر الجليل.

درس بحر طبرية:

في يوحنا ٢١ ذهب التلاميذ إلى الجليل تبعاً لأمر الرب انه سيلتقي بهم هناك (متى ٢٨ : ١٠)، وفي الجليل نرى بطرس كعادته يتململ من الانتظار، ربما يكون اليأس قد تسرب إلى قلبه ، ولو اعتبرنا حسن النية يجوز أن نقول إنه قرر أن "يستثمر وقت الانتظار فيما يراه مفيداً" فيسحب قسماً كبيراً من التلاميذ إلى البحر عائدين إلى صيد السمك، وهناك يكابد بطرس الفشل الذريع فيما يظنه حرفته وخبرة سني عمره كلها مع ما فيها من مهارات، وهناك لم يمسك شيئاً من السمك رغم سهر الليلِ كلِه، ثم ظهر الرب أخيراً على شاطئ البحر، وهناك تعامل الرب مع هذه السمات الشخصية لبطرس:

 - أولاً فشل بطرس في صيد السمك ثم حدوث المعجزة بعد كلمة الرب، وكأنت رسالة الرب له: ريح نفسك.. ليست الكفاءة وحدها تصلح لكل شيء، وبدون موافقة الرب ومباركته ستذهب جهودك في الهواء وكأنك تحرث في البحر.

 - نرى الرب يسأل بطرس ٣ مرات: "أتحبني؟".

- وعندما يجيبه بطرس بنعم، يقول له في الثلاث مرات أيضاً "ارع غنمي" فمازال تكليفك القديم يا بطرس سارياً «لاَ تَخَفْ! مِنَ الآنَ تَكُونُ تَصْطَادُ النَّاسَ!» (لوقا ٥: ١٠)، فلم يعد لك علاقة بالسمك يا بطرس فيما بعد بل بالناس، فلماذا عَوْدَتُك إلى السمك ثانية؟

 - بعدها يوجه الرب نظر بطرس إلى "حقيقة حياتية" لا مهرب منها لكنها صادمة بالأكثر لمن هم في مثل شخصية بطرس: يبدو يا بطرس أنك لا ترى كيف أنه حتى الطبيعة نفسها توضح لك انك لست دائما المسيطر وهناك أمور خارجة عن إرادتك، وإن رأيت نفسك مسيطراً اليوم فغداً لن تكون مسيطراً، والأمور ستجري عكس ما تريد، لأنك "لَمَّا كُنْتَ أَكْثَرَ حَدَاثَةً كُنْتَ تُمَنْطِقُ ذَاتَكَ وَتَمْشِي حَيْثُ تَشَاءُ. وَلكِنْ مَتَى شِخْتَ فَإِنَّكَ تَمُدُّ يَدَيْكَ وَآخَرُ يُمَنْطِقُكَ، وَيَحْمِلُكَ حَيْثُ لاَ تَشَاءُ" (يوحنا ٢١: ١٨)، أليس من الأفضل إذاً ان "أَلْقِ عَلَى الرَّبِّ أَعْمَالَكَ فَتُثَبَّتَ أَفْكَارُكَ."؟!! (مزمور ١٦: ٣)، اليس من الأفضل إذاً أن تعطي للرب الفرصة ليجدد ذهنك ويقود عقلك وافكارك بدلاً من قيادتك لنفسك والتي ستفقدها في مستقبل أيامك شئت أم أبيت؟!

 - ثم قال له في النهاية كلمة واحدة فقط: «اتبعني». انت لا تحتاج سوى أن "تتبعني" والباقي كله ميسر ومُدَبَّر لا تشغل بالك به. "اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ." (متى ٦: ٣٣).

 بطرس تعلم هذا الدرس بعد معاناة شديدة، تعلم أن هناك اموراً تفوق قدرته الذاتية البشرية على الاستيعاب والفهم (مهما عظمت هذه القدرة)، وأن أمور الله أعطيت للكنيسة ليس باجتهادات المجتهدين لكن بإعلانات إلهية خاصة كهبة مجانية (بالنعمة)، حتى أن "الملائكة تشتهي أن تطلع عليها"، ونتيجة لهذا، نقل إلينا بطرس ما تعلمه في هذا الدرس حيث قال:

 صحيح "مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ صَاحِينَ" لكن ليس لكي تُخضِعوا أذهانكم هذه لمنطقكم البشري كما اعتدتم ان تفعلوا، ليس كبطرس القديم بالذهن القديم الذي كان واثقاً طول عمره انه يعرف يحسبها صح، لكن "َأَلْقُوا رَجَاءَكُمْ بِالتَّمَامِ عَلَى (النِّعْمَةِ) الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.” (١بطرس ١: ١٢، ١٣)، وهذه "النعمة" التي وهبت لكم كل شيء بغنى وبدون استحقاق أو شطارة منكم هي "الْقَادِرَةِ أَنْ تَبْنِيَكُمْ وَتُعْطِيَكُمْ مِيرَاثًا مَعَ جَمِيعِ الْمُقَدَّسِينَ." (اعمال ٢٠: ٣٢).

 أخي.. أختي.. ابني.. ابنتي: الرسول بولس يعلمنا نفس هذا الدرس الذي تعلمه كل تلاميذ المسيح، أن تَصَرُّفَه في العالم لم يكن "فِي حِكْمَةٍ جَسَدِيَّةٍ بَلْ فِي نِعْمَةِ اللهِ" (٢كورنثوس ١: ١٢). لذلك

قدم ذهنك واخضعه لله

 لا تدع ذهنك (مهما كانت قدراتك العقلية) يسيطر عليك وإلا لن تختلف كثيراً عن بطرس القديم في أحسن حالاته والتي فيها أنكر سيده. لكن اسمح لروح الرب ان يعمل فيك ليقودك ويضبط اختياراتك ويقوِّم قراراتك ويكون هو الأول والآخر.

 موسى سبقنا في هذا حينما قال للرب "إِنْ لَمْ يَسِرْ وَجْهُكَ فَلاَ تُصْعِدْنَا مِنْ ههُنَا،" (خروج ٣٣: ١٥).

 وليكن فينا هذه الروح كسليمان الذي قال عن نفسه: "٧أَنَا فَتىً صَغِيرٌ لاَ أَعْلَمُ الْخُرُوجَ وَالدُّخُولَ............. ٩فَأَعْطِ عَبْدَكَ قَلْبًا فَهِيمًا لأَحْكُمَ عَلَى شَعْبِكَ وَأُمَيِّزَ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ" (١ملوك ٣: ٧ – ٩).

 "وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ." (رومية ١٢: ٢)

اقرأ عن يهوذا الخائن وأسوأ الخيارات، وإن رغبت تستطيع قراءة السلسلة كلها مجمعة في مكان واحد أفراد في الطريق إلى الصليب - تأملات في مرقس ١٤.

#خبط_الحنطة

٢ يونيو ٢٠١٨ - تاريخ النشر في فيسبوك

سلسلة: في الطريق للصليب - من مرقس ١٤ بطرس وتسليم الذهن للرب
تعليقات