نعود إلى (١مل ١٩: ١ - ١٨) وإلى ما بدأنا بالحديث عنه في بداية المقال السابق الله والمعجزة واستجابة الصلاة، أن الإدارة السمائية ينبغي أن ’’تعتمد‘‘ الثلاثة العناصر الخاصة بالمعجزة لكي تحدث:
الهدف – الطريقة والتوقيت – النتيجة.
ملحوظة: ليس هذا يخص المعجزة فقط بل يمتد لكل طلباتنا بالأحرى..
![]() |
| خبط الحنطة - مفاتيح استجابة الصلاة |
١) الهدف من الطلبة/المعجزة
واضح من اختباراتنا ومشاهداتنا أن البعض يفشل في اقناع الادارة (أو بالأحرى ’’ الارادة‘‘) الالهية بالهدف المقنع الذي يطلب من أجله طلبته، والرسول يعقوب ينبهنا:
’’تَطْلُبُونَ وَلَسْتُمْ تَأْخُذُونَ، لأَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ رَدِيًّا لِكَيْ تُنْفِقُوا فِي لَذَّاتِكُمْ.‘‘ (يع ٤: ٣)
كما أن الرب يسوع نفسه يعلمنا:
’’٣١فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ؟ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ؟ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟ ٣٢فَإِنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ. لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هذِهِ كُلِّهَا. ٣٣لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ.‘‘ (مت ٦: ٣١ – ٣٣).
ولعله من أكثر أسباب فشل صلواتنا في تحقيق الهدف منها هو ذلك التعليم الذي يتبناه البعض والمعروف بانجيل الرفاهية. صحيح أن الرب لا يستكثر علينا الرفاهية، لكن لا ينبغي أن يكون هذا على حساب ’’أولويات ملكوت الله‘‘، فمثلاً، قد تطلب أن تعيش حياة أفضل في بلد من بلاد المهجر، لكن الرب يرى أن حياة كهذه قد تخسرك حياتك وحياة أولادك الأبدية، فيكون ذلك سبباً ألا تستجاب صلاتك، وكم رأينا من خدام انطفأت شعلة خدمتهم عندما انتقلوا إلى مكان جديد (أو هاجروا)، وكم نرى من خدام يبحثون عن مبررات يقنعون أنفسهم من خلالها أن الخدمة ستتبعهم حيثما ذهبوا بخلاف الرأي الحقيقي لله في هذا الشأن. (اقرأ أيضاً: الصلاة العلنية - ملاحظات مهمة)
٢) الطريقة والتوقيت
البعض منا يكون قصير البصر ومحدود الرؤية في تحديد طريقة أداء الطلبة/المعجزة أو توقيت حدوثها:
فها نحن هنا نقرأ كيف أن إيليا يشكو شعب اسرائيل وحكامهم مع توقعه أن الرب ينتقم منهم في التو واللحظة.
كما سمعنا كيف أن بوانرجس (ابني الرعد) رأيا أن النار النازلة من السماء هي أفضل طريقة للتعامل مع قرية السامريين التي رفضت قبول يسوع (لو ٩: ٥٢ – ٥٦).
ومرثا ومريم لامتا الرب لأنه لم يأتِ ’’في الوقت المناسب‘‘ فضيَّع فرصة شفاء حبيبه لعازر:
’’فَقَالَتْ مَرْثَا لِيَسُوعَ: «يَا سَيِّدُ، لَوْ كُنْتَ ههُنَا لَمْ يَمُتْ أَخِي!‘‘ (يو ١١: ٢١، ٣٢)
ونحن نجد كثيرين لسان حالهم - بل ولسانهم أيضاً - ينطق بالقول: ’’الرب يعلم قدراتي ويدرك أنني لن أستطيع تحمل مثل هذا الأمر‘‘ , أو ’’هو يعرفني جيدا ويعلم أنه لو طال الأمر أكثر من ذلك فأنا لن أتحمل‘‘. دعني أخي أقول لك:
صحيح أن الرب يعرفك جيدا، لكن لماذا لا يكون انت من لا يعرف نفسه جيدا؟!
البشر وانتظار توقيت الله وطرقه:
· ربع قرن انتظار:
في هذا المجال، لا يمكن أن ننسى أن الفارق الزمني بين وعد الرب لإبراهيم بالنسل وتحقيق هذا الوعد كان ربع قرن من الزمان، في هذه الأثناء ظهر عدم صبر سارة وعدم قدرتها على ’’الانتظار‘‘، وهذا يصلح تشخيصاً لحالة كثيرين منا.
· التحايل على الوقت:
سارة حاولت أن تتحايل على الوقت تعَجُلاً منها، ولم تستطع انتظار الوقت المناسب لتنفيذ الوعد.
· المناورة بابتكار طرق بديلة:
سارة أساءت المشورة جدا عندما تصورت أنها ’’تُعِيْن‘‘ الله في أداء خطته باقتراح من عندها "بالطريقة" التي يمنح بها الرب النسل وذلك بتزويج ابراهيم من أمتها لينجب منها، وهي في ذلك تبنت عرفاً متبعاً في تلك الأزمنة للحصول على نسل. صحيح أنها لم تغير خطة الله، لكنها جلبت لنفسها ولعائلتها ولمستقبل الأمة كلها مشكله كان يمكن أن تتلاشاها.
ما عملته سارة هو طبق الأصل لما يعمله الكثيرون باتباع المنطق والعقل والعرف المتبع لأنهم يظنون أن هذا هو السبيل لنحصل على ما وهبه لنا الله (أحياناً يسمونه "الأخذ بالأسباب")، عدا أن الفارق هو في توقيت الله وطريقته في التنفيذ.
· طلب التأجيل:
في هذا يحضرني أيضا حزقيا الذي طلب مد حياته فترة إضافية، وعلينا ألا ننسى في هذا السياق أن إبنه ’’منسى‘‘ وُلِد خلال هذه الفترة الاضافية، والله وحده يعلم ماذا كان يمكن أن يحدث لو لم يولد منسى هذا الذي تسبب بخطيته في تطويح مملكة يهوذا كلها الى السبي.
· طرق وتوقيتات الله التي تفوق تصوراتنا:
وهنا نعود إلى قصتنا مع إيليا لعلنا نرى أن واحداً من أسباب لقاء الرب بايليا في جبل حوريب، هو أن يعلمه أن لديه ’’طرقاً‘‘ مختلفة عن الطرق التي فكر فيها ايليا و’’توقيتات‘‘ مختلفة عن توقيتاته. ايليا (النبي الناري) - ذلك الذي طلب أن تنزل نار من السماء لتأكل الذبيحة، والذي قتل ٤٥٠ نبي من أنبياء البعل – ربما توقع أن يجد الله في العاصفة أو في الزلزلة أو في النار، لكن أتصوره قد فوجئ بالرب يجيء اليه في ’’الصوت المنخفض الخفيف‘‘ (١مل ١٩: ١١، ١٢)، وكأنه يقول لإيليا ولنا جميعاً أنه لا فرق عنده ولا يقل قوة أن يُسمِع صوته "عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ" (تك ٣: ٨) وفي "صوت منخفض خفيف" تماماً كما هو "فِي الزَّوْبَعَةِ وَفِي الْعَاصِفِ طَرِيقُهُ" (نح ١: ٣).
من هذه الأمثلة يليق بنا أن نتعلم أن:
نثق أن الرب في قدرته الفائقة وفي حكمته السامية يستطيع إخراج الأُكل من الآكل والحلاوة من الجافي، كما أنه لا يعدم الخطط البديلة (Plan B, C, D,….etc)، لكن طوبى لك يا من تدربت أن تتلمس خطته الأولى (Plan A) وتنصاع لها منتظراً بصبر.
٣) النتائج
لعل المفاجأة الأكبر وأعظم ما نتعلمه من الدروس فيما جرى مع ايليا هو أن الرب وحده هو من يعرف ’’النتائج‘‘ كلها ويضمنها، فإيليا هذا الذي كان لديه تفويض شبه مفتوح لأن يأمر وينهى ويحدد الطريقة لم يتحكم في النتائج كاملةً كما تصور:
١. صحيح أنه وثق في سلطان الرب على الإبقاء على ثلاثة أفراد أحياءً بأقل القليل المتاح، لكن المفاجأة هي أن تلك الأرملة التي عاينت وعاشت شهوراً - وربما سنين – على كوار دقيق وكوز زيت شبه فارغين، لم تعترف به ’’رجلاً لله‘‘ إلا بعد أن شُفيَ ابنُها شبه الميت. ("فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لإِيلِيَّا: «هذَا الْوَقْتَ عَلِمْتُ أَنَّكَ رَجُلُ اللهِ، وَأَنَّ كَلاَمَ الرَّبِّ فِي فَمِكَ حَقٌّ». ١مل ١٧: ٢٤)
٢. وصحيح أن الانطباع السائد من حادثة الكرمل المشهودة أن الشعب تعلم الدرس بعد 3 سنين ونصف من الجفاف، لكن الواقع الذي لمسه إيليا بنفسه هو أن عودة الشعب للرب لم تكن صادقة من القلب للرب كما كان إيليا يرجو وقد شهد إيليا بنفسه عن هذا الأمر. ("فَقَالَ: «غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ إِلهِ الْجُنُودِ، لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ تَرَكُوا عَهْدَكَ، وَنَقَضُوا مَذَابِحَكَ، وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ بِالسَّيْفِ، فَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي، وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِي لِيَأْخُذُوهَا». ١مل ١٩: ١٤)
3. والملكة الشريرة رغم كل ما حصل لم ترعوي بل تمادت في غيها وهي الآن تطلب أن تهلك نفسه.
4. وأتصور أن أول ما كان يطلبه إيليا والحال هذه هو أن ينتقم الرب من هذا الشعب الشرير في التو واللحظة، لكن الصدمة كانت أنه وجد نفسه أمام إله رؤوف رحيم متأني طويل الروح ’’أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟‘‘ (رو ٢: ٤)... ’’حِينَ كَانَتْ أَنَاةُ اللهِ تَنْتَظِرُ مَرَّةً فِي أَيَّامِ نُوحٍ، إِذْ كَانَ الْفُلْكُ يُبْنَى‘‘ (١بط ٣: ٢٠). واذ توقع ايليا أن يرسل الرب غضبه ’’حالا‘‘ على الشعب، وجد أن الرب يعطيه خطة ’’متوسطة المدى‘‘ تمتد ربما لعشرين سنة أو أكثر، ونكتشف أن النقمة التي كان إيليا يطلب معاينتها في التو واللحظة، خطَّط الله لها أن تتم على ٣ مراحل، لكي يعطي الفرصة تلو الفرصة لكي يتوب الناس عن شرهم:
"الَّذِي يَنْجُو مِنْ سَيْفِ حَزَائِيلَ يَقْتُلُهُ يَاهُو،
وَالَّذِي يَنْجُو مِنْ سَيْفِ يَاهُو يَقْتُلُهُ أَلِيشَعُ." (١مل ١٩: ١٧).
العوامل التي تحكم النتائج:
يمكن أن نخلص من موقف إيليا هذا إلى عاملين – على الأقل - يتحكمان في النتائج أو الاستجابة للصلوات/الطلبات/المعجزات:
١. أن الأمر في النهاية في يد الرب شخصيا، وترتبط بإرادته وحكمته وتوقيتاته هو وليس غيره، وهو الوحيد الكفيل بتحقيقها وقتما يشاء وبالكيفية التي يراها مناسبة. تتعب نفسك كتيراً يا أخي يا من تتصور أن الإنجاز هو بيدك وأن النتائج أنت تحكمها طالما أخذت بالأسباب، لكن اعلم هذا، أنه مهما كانت الأسباب لو لا يختم الرب بالموافقة وفي وقته المناسب لن تثمر أسبابك أي نتائج تذكر.
٢. أن الأمر بشكل أو آخر مرتبط بحرية إرادة البشر التي يحترمها الرب جداً ولا يجبرهم على ما لا يريدونه، واذا حدث أن تصادمت إرادة البشر مع ارادته فلن يعدم وسيلة لتحقيق أغراضه، حيث عنده ما لا يخطر على بالنا من البدائل ليحقق ارادته في الوقت الذي يراه مناسباً وبكافة السبل، وبذلك لا يعسر عليه أمر ولا يقف شيء في طريقه.
ملحوظة: ينبغي ألا يفوتنا التنبير هنا على أهمية الإيمان الذي هو أصل وإطار علاقتنا مع الله، وهو هنا يساعدنا على فهم ارادته فتتواءم طلباتنا معها وأيضاً قبول قراراته سواء في الكيفية أو التوقيت.
#خبط_الحنطة
الإرادة الإلهية وعوامل استجابة الصلاة
«- الله والمعجزة واستجابة الصلاة |||| الجزء الأخير -»

احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..