-->

اعرف إلهك (٢): عطاياه لا يتراجع عنها

+ خطية يربعام ابن نباط:

بعد أن رأينا كل التأكيدات الإيجابية التي قرأناها في الخاصية الإلهية السابقة (ساهر على كلمته ليجريها) نرى يربعام يتلقى وعد الله له بالمملكة على لسان أخيا النبي:

"٣٠فَقَبَضَ أَخِيَّا عَلَى الرِّدَاءِ الْجَدِيدِ الَّذِي عَلَيْهِ وَمَزَّقَهُ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ قِطْعَةً ٣١وَقَالَ لِيَرُبْعَامَ: «خُذْ لِنَفْسِكَ عَشَرَ قِطَعٍ، لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: هأَنَذَا أُمَزِّقُ الْمَمْلَكَةَ مِنْ يَدِ سُلَيْمَانَ وَأُعْطِيكَ عَشَرَةَ أَسْبَاطٍ»."  (١مل ١١: ٣٠، ٣١)

امرأة تجلس أمام كومبيوتر وتنظر إلى أوراق في يدها والهم بادٍ على وجهها كأن هناك في الأوراق ما يقلقها.
خبط الحنطة - لا تقلق فعطاياه لا يتراجع عنها

وفعلاً حقق الرب الأمر ليربعام كما وعد وحصل على المملكة فعلاً، حيث "َلَمْ يَسْمَعِ الْمَلِكُ (رحبعام) لِلشَّعْبِ، لأَنَّ السَّبَبَ كَانَ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ لِيُقِيمَ كَلاَمَهُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ عَنْ يَدِ أَخِيَّا الشِّيلُونِيِّ إِلَى يَرُبْعَامَ بْنِ نَبَاطَ. " (١مل ١٢: ١٥)

لكن للغرابة نجد يربعام يتصرف بشكل لا يتسق وهذه المنحة المؤكدة التي أنبأه بها الله مسبقاً وتحولت حقيقة واقعة يعيشها، لذلك نرى يربعام يكلم نفسه:

"٢٦.... «الآنَ تَرْجعُ الْمَمْلَكَةُ إِلَى بَيْتِ دَاوُدَ. ٢٧إِنْ صَعِدَ هذَا الشَّعْبُ لِيُقَرِّبُوا ذَبَائِحَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ فِي أُورُشَلِيمَ، يَرْجعْ قَلْبُ هذَا الشَّعْبِ إِلَى سَيِّدِهِمْ، إِلَى رَحُبْعَامَ مَلِكِ يَهُوذَا وَيَقْتُلُونِي، وَيَرْجِعُوا إِلَى رَحُبْعَامَ مَلِكِ يَهُوذَا»."

وليس غريباً أن يستميت ملك بكل وسيلة ممكنة دفاعاً عن حقه في المُلك وفي العرش الذي يجلس عليه، وعندنا هيرودس الذي هو مثال صارخ لهذه الآفة التي تصيب الملوك، لذلك كانت النتيجة الطبيعية لحالة عدم التصديق التي انتابت يربعام هي أنه أساء التصرف:

 "٢٨فَاسْتَشَارَ الْمَلِكُ وَعَمِلَ عِجْلَيْ ذَهَبٍ، وَقَالَ لَهُمْ (أي للشعب): «كَثِيرٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تَصْعَدُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّذِينَ أَصْعَدُوكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ». ٢٩وَوَضَعَ وَاحِدًا فِي بَيْتِ إِيلَ، وَجَعَلَ الآخَرَ فِي دَانَ." (١مل ١٢: ٢٦ – ٢٩)

نسي يربعام سريعا أن انتقال جزء ضخم من المملكة اليه لم يكن لجهد بشري بذله أو لحنكه سياسية تمتع بها، لكن فقط لأن الرب أراد هذا عقابا لسليمان "لأَنَّهُمْ تَرَكُونِي وَسَجَدُوا لِعَشْتُورَثَ إِلهَةِ الصِّيدُونِيِّينَ، وَلِكَمُوشَ إِلهِ الْمُوآبِيِّينَ، وَلِمَلْكُومَ إِلهِ بَنِي عَمُّونَ، وَلَمْ يَسْلُكُوا فِي طُرُقِي لِيَعْمَلُوا الْمُسْتَقِيمَ فِي عَيْنَيَّ وَفَرَائِضِي وَأَحْكَامِي كَدَاوُدَ أَبِيهِ." (١مل ١١: ٣٣)، حيث كان قضاء الرب هو:

"٣٥آخُذُ الْمَمْلَكَةَ مِنْ يَدِ ابْنِهِ وَأُعْطِيكَ (أي يربعام) إِيَّاهَا، أَيِ الأَسْبَاطَ الْعَشَرَةَ. ٣٦وَأُعْطِي ابْنَهُ سِبْطًا وَاحِدًا، لِيَكُونَ سِرَاجٌ لِدَاوُدَ عَبْدِي كُلَّ الأَيَّامِ أَمَامِي فِي أُورُشَلِيمَ الْمَدِينَةِ الَّتِي اخْتَرْتُهَا لِنَفْسِي لأَضَعَ اسْمِي فِيهَا. ٣٧وَآخُذُكَ فَتَمْلِكُ حَسَبَ كُلِّ مَا تَشْتَهِي نَفْسُكَ، وَتَكُونُ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ." (١مل ١١: ٣٥ – ٣٧)

أي أن المملكة الممنوحة ليربعام لم تكن "علشان خاطر عيونه"، بل كانت "بنعمة الله فقط" وحسب حكمته وإرادته فقط، وكان على يربعام أن يثق ألا إمكانية لأحد أن ينزعها عنه، تماما مثلما لم يكن لأحد أي إمكانية ليهبها له في المقام الأول لولا أن الرب منحه اياها.

 (انقر هنا لتتابعنا)

مشابهة يربعام مع حالة داود

لم تكن حالة يربعام غريبة إذ قبله كان داود لأن الرب اتبع نفس المبدأ مع داود في شأن المملكة، فرغم أنه يقول "وَجَدْتُ دَاوُدَ بْنَ يَسَّى رَجُلاً حَسَبَ قَلْبِي، الَّذِي سَيَصْنَعُ كُلَّ مَشِيئَتِي" (أع ١٣: ٢٢)، لكنه يُذَكِّر داود نفسه فيقول: (خليك فاكر) "٨أَنَا أَخَذْتُكَ مِنَ الْمَرْبَضِ مِنْ وَرَاءِ الْغَنَمِ لِتَكُونَ رَئِيسًا عَلَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ." لذلك فأنا أيضا الذي حفظتك (وأحفظك) على عرش إسرائيل "٩وَكُنْتُ مَعَكَ حَيْثُمَا تَوَجَّهْتَ، وَقَرَضْتُ جَمِيعَ أَعْدَائِكَ مِنْ أَمَامِكَ، وَعَمِلْتُ لَكَ اسْمًا عَظِيمًا كَاسْمِ الْعُظَمَاءِ الَّذِينَ فِي الأَرْضِ." (٢صم ٧: ٨، ٩).

وهو أيضا الذي قال عن نسل داود "١٣هُوَ يَبْنِي بَيْتًا لاسْمِي، وَأَنَا أُثَبِّتُ كُرْسِيَّ مَمْلَكَتِهِ إِلَى الأَبَدِ ١٤أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا. إِنْ تَعَوَّجَ أُؤَدِّبْهُ بِقَضِيبِ النَّاسِ وَبِضَرَبَاتِ بَنِي آدَمَ ١٥وَلكِنَّ رَحْمَتِي لاَ تُنْزَعُ مِنْهُ كَمَا نَزَعْتُهَا مِنْ شَاوُلَ الَّذِي أَزَلْتُهُ مِنْ أَمَامِكَ. ١٦وَيَأْمَنُ بَيْتُكَ وَمَمْلَكَتُكَ إِلَى الأَبَدِ أَمَامَكَ. كُرْسِيُّكَ يَكُونُ ثَابِتًا إِلَى الأَبَدِ" (٢صم ٧: ١٣ – ١٦)

وظل داود نفسه يتذكر بكل العرفان والتواضع هذه النعمة التي انتشلته من رعاية الغنم إلى رعاية شعب الله كله كهبة لا يستحقها:

"١٨فَدَخَلَ الْمَلِكُ دَاوُدُ وَجَلَسَ أَمَامَ الرَّبِّ وَقَالَ: «مَنْ أَنَا يَا سَيِّدِي الرَّبَّ؟ وَمَا هُوَ بَيْتِي حَتَّى أَوْصَلْتَنِي إِلَى ههُنَا؟ ١٩وَقَلَّ هذَا أَيْضًا فِي عَيْنَيْكَ يَا سَيِّدِي الرَّبَّ، فَتَكَلَّمْتَ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ بَيْتِ عَبْدِكَ إِلَى زَمَانٍ طَوِيل، وَهذِهِ عَادَةُ الإِنْسَانِ يَا سَيِّدِي الرَّبَّ." (٢صم ٧: ١٨، ١٩)

حتى كُتَّاب المزامير (غير داود) اعترفوا بهذا الفضل:

"٧٠وَاخْتَارَ دَاوُدَ عَبْدَهُ، وَأَخَذَهُ مِنْ حَظَائِرِ الْغَنَمِ. ٧١ مِنْ خَلْفِ الْمُرْضِعَاتِ أَتَى بِهِ، لِيَرْعَى يَعْقُوبَ شَعْبَهُ، وَإِسْرَائِيلَ مِيرَاثَهُ." (مز ٧٨: ٧٠)

الشرط الوحيد لاستمرار التمتع بهبة المملكة:

وكان الشرط الوحيد لاستمرار تمتع يربعام بهبة المملكة هو وأولاده من بعده هو نفسه شرط تمتع داود ونسله من بعده، أنظر للشرط:

- الشرط ليربعام:

"٣٨فَإِذَا سَمِعْتَ لِكُلِّ مَا أُوصِيكَ بِهِ، وَسَلَكْتَ فِي طُرُقِي، وَفَعَلْتَ مَا هُوَ مُسْتَقِيمٌ فِي عَيْنَيَّ، وَحَفِظْتَ فَرَائِضِي وَوَصَايَايَ كَمَا فَعَلَ دَاوُدُ عَبْدِي، أَكُونُ مَعَكَ وَأَبْنِي لَكَ بَيْتًا آمِنًا كَمَا بَنَيْتُ لِدَاوُدَ، وَأُعْطِيكَ إِسْرَائِيلَ. ٣٩وَأُذِلُّ نَسْلَ دَاوُدَ مِنْ أَجْلِ هذَا"(١مل ١١: ٣٨، ٣٩).

- والشرط لداود:

"لِكَيْ يُقِيمَ الرَّبُّ كَلاَمَهُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ عَنِّي قَائِلاً: إِذَا حَفِظَ بَنُوكَ طَرِيقَهُمْ وَسَلَكُوا أَمَامِي بِالأَمَانَةِ مِنْ كُلِّ قُلُوبِهِمْ وَكُلِّ أَنْفُسِهِمْ، قَالَ لاَ يُعْدَمُ لَكَ رَجُلٌ عَنْ كُرْسِيِّ إِسْرَائِيلَ." (١مل ٢: ٤).

لكن بكل أسف، ابن آدم ينسى سريعاً، فتصور يربعام أن الله نفسه ربما ينسى أنه هو من وهبه المملكة، وبالتالي قد تتسبب أي ظروف (داخلية أو خارجية، سياسية أو دينية أو طائفية) في ضياع المملكة منه، "هكذا!" وكأن الله يندم أو أنه غير قادر على حماية عطاياه وجدواها وفعاليتها أبد الدهر، ولأن يربعام نسي، لذلك ارتكب خطيته الكبرى، وكسر الشرط الوحيد الذي كان الله قد اشترطه عليه وعمل العجلين ودعا اسرائيل لعبادتهما بكل بساطة وهي الخطية الأعظم والتي حذر ويحذر وسيظل يحذرنا الله منها: "الزنا عنه وعبادة الأوثان".

لو أن يربعام ظل واثقاً (مؤمنا) أن الله "يَبْقَى أَمِينًا، لَنْ يَقْدِرَ أَنْ يُنْكِرَ نَفْسَهُ." (٢تي ٢: ١٣)، وأن الرب ثابت لا يتغير وأنه يراقبه وسيظل يهتم لأمره مهما مر الوقت ومهما قست الظروف، لو أن يربعام فكر هكذا لما وصل إلى هذا الحضيض من الشر وإغاظة الرب بأفعاله لدرجة أنه جر وراءه كل المملكة، وبهذا تكون خطيته أفدح وأعظم.

هذا هو المبدأ الأهم في عطايا الله

عندما يعطيك الرب وعداً، أو يهبك عطية، فهو بذلك قد قال كلمته وهو لا يتراجع عن وعوده ولا يسحب عطايا قدمها بلا ندامة، لأنها لا تعتمد على امكانياتنا البشرية أو على أي مميزات نتمتع بها بل فقط على النعمة التي نجدها في عيني الله.

+ درس ابراهيم

لعلنا نتذكر ابراهيم الذي نال اسحق بالوعد، فلو أن الله يتراجع ويسحب عطيته لكان أولى بإبراهيم أن يرتعب ويخاف عندما طلب منه الرب "بنفسه" أن يقدم ابنه محرقة (تك ٢٢)، ولكن لأن ابراهيم "حَسِبَ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى الإِقَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ أَيْضًا" فهو قادر أن يقيم اسحق حتى لو مات لكي يحقق فيه وعده وعطيته، لذلك "١٧قَدَّمَ الَّذِي قَبِلَ الْمَوَاعِيدَ، وَحِيدَهُ ١٨ الَّذِي قِيلَ لَهُ: «إِنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ»."  (عب ١١: ١٧ – ١٩)

ابراهيم عرف "بكل تأكيد" أن الله لا يتراجع عما خرج من فمه

فإن كان هذا ابراهيم، ألا نتعلم منه هذا الدرس؟

مثلاً:

o إن كان الرب وهبك عملك الذي تشغله، لماذا ترتبك إن لاقتك مقاومة في العمل من رئيس أو من زملاء يكيدون لك، وتتصور أنك ستفقد عملك بسببهم؟!

o إن كان الرب قد وهبك أولاداً وبيتاً، فلماذا تصبح مرعوبا وتمسي مغموما منتظرا كارثة تفقدهم بها؟!

o ان كانت كنيسته التي افتداها بدمه وأوجدها في وسط العالم لتكون ممثلة له (ملكوته) وأنت عضو فيها، لماذا تخاف أن يصيبها ما يضيعها أو يقلل منها؟

لأن عطاياه لا يتراجع عنها

اقرأ فيما يلي: اعرف الهك - (3) أوامره تتفق مع طبيعته فلا يغير رأيه

#خبط_الحنطة

سلسلة: إعرف إلهك
عطاياه لا يتراجع عنها
«- ساهر على كلمته ليجريها |||| اوامره تتفق مع طبيعته فلا يغير رأيه -»
تعليقات