من المريح جداً ان تتعامل مع من تفهمهم، فتعرف ما يسرهم ويجعلهم منفتحين من جهتك، وما يحزنهم ويضع أسواراً بينك وبينهم، أن تعرف كيف يفكرون وكيف يتخذون قراراتهم ولماذا؟ فإن كان هذا يسري على علاقاتنا مع نظرائنا من البشر، ألا يكون هذا مطلوباً عندما نتعامل مع الله الذي ننتمي اليه ونعبده ونلجأ له في كل كبيرة وصغيرة؟
![]() |
| خبط الحنطة - اعرف إلهك |
والبعض يظن أن الله نفسه قد جعل الحياة رحلة بحث عن الله لكي نصل إليه، كما أن البعض يعولون على النشاط العقلي والبحث المعرفي للوصول لعلاقة مع الله وإلى الحياة الأبدية، لكن كتابياً، الكلام عن "معرفة" الله في الأغلب الأعم يكون بمعنى أن يكون بينك وبين الله علاقة حقيقية، أن تعترف بوجوده وأن تؤمن به وأن تنتمي إليه، وأن يكون محور حياتك وفكرك، وأبلغ تعبير يصف هذا النوع من المعرفة أراه فيما كتبه بولس إلى أهل غلاطية معبراً عن نشأة علاقتنا مع الله: "وَأَمَّا الآنَ إِذْ عَرَفْتُمُ اللهَ، بَلْ بِالْحَرِيِّ عُرِفْتُمْ مِنَ اللهِ" (غلاطية ٤: ٩) ففي الحقيقة الله هو من اقترب منا لكي نراه وننتمي إليه، ولعل هذا يستلزم بالضرورة أن نذهب في رحلة أعمق لنبحث أكثر فيما كشف به الرب عن نفسه لكي نعرف أكثر ولكن "عنه" في هذه المرة.
وقد نرى أنه من المنطقي أن يكون الرب - كإله - أبعد ما يكون عن أن نُلِم به ونستوعب كل ما يخصه، لذلك يذهلنا أن نجد بولس رسول المسيح يقول بكل ثقة: "لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ." (٢تيموثاوس ١: ١٢)، لكن قد يخفف من دهشتنا ما نقرأه من كلام بولس نفسه: "«لأَنَّهُ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ فَيُعَلِّمَهُ؟» وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ." (٢كورنثوس ٢: ١٦).
في القرن السادس قبل الميلاد كتب الجنرال والحكيم الصيني القديم "سن تسو" Sun Tsu "اعرف عدوك واعرف نفسك" التي أصبحت شعاراً وحكمة متداولة، وأظن أنه يليق بنا أن نرفع اليوم الشعار "اعرف إلهك" ليكون أحد أهداف حياتنا ويعيننا في هذا الحوار الممتد والحياة المستمرة في كل تفاصيلها ودقائقها، لذلك وتحت سلسلة من العناوين سنبحث في بعض ما أعلنته كلمة الله عن شخص إلهنا.
(١) الرب ساهر على كلمته ليجريها
- إرميا وقضيب اللوز
"١١ ثُمَّ صَارَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ إِلَيَّ قَائِلاً: «مَاذَا أَنْتَ رَاءٍ يَا إِرْمِيَا؟» فَقُلْتُ: «أَنَا رَاءٍ قَضِيبَ لَوْزٍ» ١٢ فَقَالَ الرَّبُّ لِي: «أَحْسَنْتَ الرُّؤْيَةَ، لأَنِّي أَنَا سَاهِرٌ عَلَى كَلِمَتِي لأُجْرِيَهَا»."(ارميا ١: ١١، ١٢)
ما هي العلاقة بين "شجرة اللوز" وسهر الرب على كلمته؟
نجد هنا لعبة جناس بين الكلمتين:
"شجرة اللوز" بالعبرية يقال لها שָׁקֵד "شَاكِد Shaqed"
بينما هناك كلمة عبرية أخرى שָׁקַד تنطق "شَاكَد Shaqad"، وهي تعني أن شخصاً "يراقب أحداً أو شيئا ما ليتصرف بسرعة".
لماذا اللوز؟
اللوز شجرة سريعة الإثمار، فهي أول شجرة تزهر بعد الشتاء (في يناير) في الوقت الذي تكون بقية الأشجار فيه ما تزال في خمول الشتاء، وسريعا تكون قد أثمرت مبكرا جدا في مارس (بداية الربيع) في الوقت الذي تكون بقية الأشجار فيه لا تزال تبدأ في الإزهار.
![]() |
| خبط الحنطة - اعرف إلهك. ساهر على كلمته ليجريها |
وكأن الرب يسأل إرميا: ماذا ترى؟ فيقول إرميا: شاكِد Shaqed، عندها يقول له الرب برافو عليك، لأني أنا شاكَد Shaqad على كلمتي لأجريها، فالرب يريد أن إرميا يتأكد من حقيقة سهره على كلمته، وبدون أدنى شك، يتم تنفيذ وعود الله في وقتها، والدرس لنا جميعاً هنا من خلال إرميا:
الرب ساهر على كلمته ليجريها وهو يجريها في وقتها ولا يبطئ
أغلبنا يعلم أن ظروف رسالة إرميا في مجملها - وتحديداً هنا في إرميا ١ – كانت ظروف كئيبة ضاغطة، فيها من الدينونة والخراب أكثر مما هو للبناء (اقرأ أيضاً موقف إرميا في التوبيخ والتشجيع)، ولكيلا يتصور البعض أن الرب فقط "يسرع" في التدمير أو التقسيم (كما سنرى الحال فيما يلي في حالة تقسيم مملكة سليمان)، لذلك فإننا أيضا لدينا الكثير من رسائل بناء وتعزية فيها نفس السرعة ونفس الحسم واليقين:
مرنمو المزامير عبروا عن هذه الثقة في كلمة الله والحسم الإلهي في تحقيق كلمته:
"١٣سَبِّحِي يَا أُورُشَلِيمُ الرَّبَّ، سَبِّحِي إِلهَكِ يَا صِهْيَوْنُ. ١٣ لأَنَّهُ قَدْ شَدَّدَ عَوَارِضَ أَبْوَابِكِ. بَارَكَ أَبْنَاءَكِ دَاخِلَكِ. ١٤ الَّذِي يَجْعَلُ تُخُومَكِ سَلاَمًا، وَيُشْبِعُكِ مِنْ شَحْمِ الْحِنْطَةِ. ١٥ يُرْسِلُ كَلِمَتَهُ فِي الأَرْضِ. سَرِيعًا جِدًا يُجْرِي قَوْلَهُ." (مزمور ١٤٧: ١٢ – ١٥)
وإشعياء بشر به:
"١٨ لاَ يُسْمَعُ بَعْدُ ظُلْمٌ فِي أَرْضِكِ، وَلاَ خَرَابٌ أَوْ سَحْقٌ فِي تُخُومِكِ، بَلْ تُسَمِّينَ أَسْوَارَكِ: خَلاَصًا وَأَبْوَابَكِ: تَسْبِيحًا. ١٩لاَ تَكُونُ لَكِ بَعْدُ الشَّمْسُ نُورًا فِي النَّهَارِ، وَلاَ الْقَمَرُ يُنِيرُ لَكِ مُضِيئًا، بَلِ الرَّبُّ يَكُونُ لَكِ نُورًا أَبَدِيًّا وَإِلهُكِ زِينَتَكِ. ٢٠لاَ تَغِيبُ بَعْدُ شَمْسُكِ، وَقَمَرُكِ لاَ يَنْقُصُ، لأَنَّ الرَّبَّ يَكُونُ لَكِ نُورًا أَبَدِيًّا، وَتُكْمَلُ أَيَّامُ نَوْحِكِ. ٢١وَشَعْبُكِ كُلُّهُمْ أَبْرَارٌ. إِلَى الأَبَدِ يَرِثُونَ الأَرْضَ، غُصْنُ غَرْسِي عَمَلُ يَدَيَّ لأَتَمَجَّدَ. ٢٢اَلصَّغِيرُ يَصِيرُ أَلْفًا وَالْحَقِيرُ أُمَّةً قَوِيَّةً. أَنَا الرَّبُّ فِي وَقْتِهِ أُسْرِعُ بِهِ" (إشعياء ٦٠: ١٨ – ٢٢)
كما أعلن حزقيال أيضاً عن نفس الثقة في كلمة الله:
"٢٧«يَا ابْنَ آدَمَ، هُوَذَا بَيْتُ إِسْرَائِيلَ قَائِلُونَ: الرُّؤْيَا الَّتِي هُوَ رَائِيهَا هِيَ إِلَى أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ، وَهُوَ مُتَنَبِّئٌ لأَزْمِنَةٍ بَعِيدَةٍ. ٢٨لِذلِكَ قُلْ لَهُمْ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: لاَ يَطُولُ بَعْدُ شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِي. اَلْكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمْتُ بِهَا تَكُونُ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ»." (حزقيال ١٢: ٢٧، ٢٨)
نبوخذ نصر يعبر عن الدرس الذي تعلمه:
المفاجأة الأكبر تأتي من نبوخذ نصر - وهو الملك الوثني – تعلم هذه الحقيقة في درس قاسي جداً، لذلك نجده يقول خلاصة الدرس في تصريح خاص:
"٣٤وَعِنْدَ انْتِهَاءِ الأَيَّامِ، أَنَا نَبُوخَذْ نَصَّرُ، رَفَعْتُ عَيْنَيَّ إِلَى السَّمَاءِ، فَرَجَعَ إِلَيَّ عَقْلِي، وَبَارَكْتُ الْعَلِيَّ وَسَبَّحْتُ وَحَمَدْتُ الْحَيَّ إِلَى الأَبَدِ، الَّذِي سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ، وَمَلَكُوتُهُ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ. ٣٥وَحُسِبَتْ جَمِيعُ سُكَّانِ الأَرْضِ كَلاَ شَيْءَ، وهُوَ يَفْعَلُ كَمَا يَشَاءُ فِي جُنْدِ السَّمَاءِ وَسُكَّانِ الأَرْضِ، وَلاَ يُوجَدُ مَنْ يَمْنَعُ يَدَهُ أَوْ يَقُولُ لَهُ: «مَاذَا تَفْعَلُ؟»." (دانيال ٤: ٣٤، ٣٥)
ثق في هذا، أن ما قرره (أو يقرره) الرب، وما وعد أن يفعله أو خرج من فيه هو قادر أن يتممه وسوف يتممه.
والآن مع الخاصية التالية، عطاياه لا يتراجع عنها.
#خبط_الحنطة


احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..