-->

اعرف الهك (٤أ): الله والمعجزة واستجابة الصلاة

١ مل ١٩: ١ – ١٨

لا شك أن هناك خلافات كبيرة على موضوع المعجزات، وتفاوت كبير في الآراء بخصوصها:

· فهناك من يقبل المعجزات ويصدق بوجودها وبإمكانية حدوثها.

·  وهناك أصحاب التفكير المادي الصِرف الذين ينكرون المعجزات تماماً ويستنكرون حتى التفكير في احتمالية حدوثها.

·  وهناك فريق ثالث يحاول إيجاد أي تفسيرات عقلانية منطقية أو علمية للمعجزة.


صورة لعبة القطع المخرمة puzzle واحدى القطع فيها مفتاح ذهبي اللون
خبط الحنطة - الله والمعجزة واستجابة الصلاة

ولست في حاجة إلى تفصيل رأيي عن الموضوع حيث كنت قد قمت بذلك في مقال سابق بعنوان الميتافيزيقا والمعجزة يمكن للقارئ العزيز العودة اليه.

عناصر المعجزة الثلاثة

المعجزات – مثلها مثل اشياء أخرى كثيرة – تتكون من ثلاثة عناصر هامة، والشرط الجوهري لحدوث أي معجزة هو موافقة الرب نفسه على هذه العناصر الثلاثة:

١.  الهدف المرجو من المعجزة (Goal).

٢. الطريقة المتبعة لتنفيذ المعجزة (Process)

وهي تشمل أيضا من ضمن ما تشمل التوقيت الذي تجري فيه المعجزة.

٣.  النتيجة العملية للمعجزة (Result).

وقد تكون "الموافقة" الإلهية بأن تتم المعجزة بالأمر المباشر، تماما كما حدث مع موسى عند اجراء الضربات العشر، فقد كان الرب بنفسه يصدر لموسى التعليمات بكافة التفاصيل: فهو عارف الهدف من المعجزة، وهو يحدد طريقة وتوقيت أدائها وهو يضمن نتيجتها أيضا.

إيليا وتميز المعجزة:

لا أحد ينكر ان ايليا كان واحداً من أعظم الأنبياء في تاريخ علاقة الله مع الشعب القديم. والرب عمل من خلاله عظائم يذكرها لنا الوحي المقدس. لكن الملفت للنظر ولا يمكن انكاره أيضاً في هذا الشأن هو ان المتأمل في المعجزات التي جرت على يد ايليا - وأيضا أليشع - يستطيع الجزم بأن لكليهما طابعاً خاصاً في أداء المعجزات، فيبدو جلياً أنهما كانا يدركان بوضوح ما هو المرجو (المستهدف) من المعجزة، وكانا أيضا يحددان طريقة أدائها، ولا شك أنهما كانا على دراية – باستنارة خاصة - بأن الرب قد أمر بأن تُجرَى المعجزة بالفعل فتحصُل نتيجتها.

(أول مقال في سلسلة اعرف الهك: ساهر على كلمته ليجريها)

        + تعالوا مثلا نأخذ معجزة كوار الدقيق الذي لم يفرغ وكوز الزيت الذي لم ينقص:

كان إيليا يعلم جيدا أن الرب أرسله الى تلك الأرملة ليتمكن من العيش في ظل ظروف المجاعة الشديدة، ولم يكن مُتصَوَّرا أن يرسله الرب الى تلك السيدة في الوقت الذي ليس لديها سوى هذا الكم البسيط من مصادر الطعام ("مِلْءُ كَفّ مِنَ الدَّقِيقِ فِي الْكُوَّارِ، وَقَلِيلٌ مِنَ الزَّيْتِ فِي الْكُوزِ" ١مل ١٧: ١٢) إلا إن كان الرب قد أمر بالبركة على هذا الكم البسيط ليكفيهما ليعيشا عليه ليس لوجبة واحدة أو اثنتين بل لشهور وسنين (خلينا نفترض أنه قد مر عام من المجاعة ومازال هناك على الأقل ثلاثة أعوام أخرى).

فالهدف كان واضحاً: ’’سنعيش بهذا الكم الضئيل إلى أن يرسل الرب ما يكفي من الطعام بطريقة طبيعية‘‘، وبالتالي كان القرار (الطريقة process) سهلاً ومفهوماً وسريعاً: ’’أن كوار الدقيق (بالتأكيد) لن يفرغ وكوز الزيت (قطعاً) لن ينقص‘‘. (اقرأ: مشكلتك لها حل - الوصفة الإلهية للأزمة الاقتصادية).

 (انقر هنا لتتابعنا)

+ نفس الحالة حدثت في معجزة ايقاف المطر:

إيليا كان يعلم بصلاة سليمان عند تدشين البيت:

’’٣٥إِذَا أُغْلِقَتِ السَّمَاءُ وَلَمْ يَكُنْ مَطَرٌ، لأَنَّهُمْ أَخْطَأُوا إِلَيْكَ، ثُمَّ صَلَّوْا فِي هذَا الْمَوْضِعِ وَاعْتَرَفُوا بِاسْمِكَ، وَرَجَعُوا عَنْ خَطِيَّتِهِمْ لأَنَّكَ ضَايَقْتَهُمْ، ٣٦فَاسْمَعْ أَنْتَ مِنَ السَّمَاءِ وَاغْفِرْ خَطِيَّةَ عَبِيدِكَ وَشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ، فَتُعَلِّمَهُمُ الطَّرِيقَ الصَّالِحَ الَّذِي يَسْلُكُونَ فِيهِ، وَأَعْطِ مَطَرًا عَلَى أَرْضِكَ الَّتِي أَعْطَيْتَهَا لِشَعْبِكَ مِيرَاثًا. ٣٧إِذَا صَارَ فِي الأَرْضِ جُوعٌ، ... ٣٨فَكُلُّ صَلاَةٍ وَكُلُّ تَضَرُّعٍ تَكُونُ مِنْ أَيِّ إِنْسَانٍ كَانَ مِنْ كُلِّ شَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ، الَّذِينَ يَعْرِفُونَ كُلُّ وَاحِدٍ ضَرْبَةَ قَلْبِهِ، فَيَبْسُطُ يَدَيْهِ نَحْوَ هذَا الْبَيْتِ، ٣٩فَاسْمَعْ أَنْتَ مِنَ السَّمَاءِ مَكَانِ سُكْنَاكَ وَاغْفِرْ، وَاعْمَلْ وَأَعْطِ كُلَّ إِنْسَانٍ حَسَبَ كُلِّ طُرُقِهِ كَمَا تَعْرِفُ قَلْبَهُ...٤٠لِكَيْ يَخَافُوكَ كُلَّ الأَيَّامِ الَّتِي يَحْيَوْنَ فِيهَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ الَّتِي أَعْطَيْتَ لآبَائِنَا‘‘. (١مل ٨: ٣٥ – ٤٠)

ورأى إيليا الهدف واضحا: إعادة هذا الشعب إلى رشده

وأن أفضل طريقة هي: أن يضربهم الجوع فيعلموا ألا ملجأ لهم إلا إلههم ’’يهوه‘‘ الذي يقوتهم والذي رعى آباءهم ٤٠ سنة في البرية فيعودوا اليه.

لذلك كان ’’القرار‘‘ هو: ’’لاَ يَكُونُ طَلٌّ وَلاَ مَطَرٌ فِي هذِهِ السِّنِينَ إِلاَّ عِنْدَ قَوْلِي‘‘ (١مل ١٧: ١).

        + حتى عندما مات ابن الأرملة:

كان الهدف واضحا:

هذه المرأة ’’أنا نازل عندها‘‘ وليس من منطق طبيعي أن يُرَدّ ’’جميل‘‘ المرأة بـ’’إساءة‘‘ وأن يموت ابنها، بل إن هذه المرأة تحتاج إلى مكافأة لا إساءة.

وكانت الطريقة – إلى حد ما – منطقية أيضاً:

أن يتمدد على جسم الولد ثلاث مرات ربما ليكسبه دفئا من دفئ جسمه (لاحظ أن هذا تقريبا هو نفس ما عمله أليشع مع ابن الشونمية).

ماذا عن النتائج؟

في بعض هذه المرات كانت ’’النتيجة‘‘ قريبة من المتوقع:

فالولد عاد للحياة (أو لم يمت).

واستمر الطعام موجودا للأفراد الثلاثة حتى أرسل الرب مطراً.

لكن مرة أخرى كان الأمر مختلفاً تماما عما تصوره ايليا:

فالشعب الذي رأى الجوع والموت بعينيه وجد نفسه فوق جبل الكرمل مدفوعاً للاعتراف بالرب ’’يهوة‘‘ كإله له، حتى انه أعان ايليا على أنبياء البعل فقتلهم، لكن لم تكن عودة هذا الشعب توبة قلبية حقيقية بل كانت عودة مؤقتة إذ استمر الشر متغلغلاً في قلوبهم وبيوتهم وشوارعهم، والعائلة المالكة الفاسدة الشريرة لم تتراجع عن غيها بل تمادت فيه للدرجة التي معها أصبحت حياة ايليا مهددة بصورة علنية وبتحدٍ صارخ: ’’فَأَرْسَلَتْ إِيزَابَلُ رَسُولاً إِلَى إِيلِيَّا تَقُولُ: “هكَذَا تَفْعَلُ الآلِهَةُ وَهكَذَا تَزِيدُ، إِنْ لَمْ أَجْعَلْ نَفْسَكَ كَنَفْسِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي نَحْوِ هذَا الْوَقْتِ غَدًا‘‘ (١مل ١٩: ٢). لذلك نجد ايليا يهرب لحياته ويشكو الأمة كلها، حكامها ومحكوميها، للرب قائلاً  ’’غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ إِلهِ الْجُنُودِ، لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ تَرَكُوا عَهْدَكَ، وَنَقَضُوا مَذَابِحَكَ، وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ بِالسَّيْفِ، فَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي، وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِي لِيَأْخُذُوهَا.‘‘ (١مل ١٩: ١٠، ويتكرر بالنص في ع ١٤).

وإيليا يعبر هنا عن خيبة الأمل التي اعترته لأن ما كان يطلبه ويرجوه هذه المرة لم يتحقق. وقوله هذا يعبر عما يجول بخاطر كل واحد فينا لم يتحقق رجاؤه لسبب أو لآخر، فإن كان إيليا هنا وهو الشخص المتميز عنا ’’بالخبرة‘‘ الكبيرة بالرب وبإرادته، وعمل الرب معه وبه أعمالاً عظيمة، للدرجة التي فيها كان إيليا يثق ’’بالنتائج‘‘ من قبل أن تحدث، فلا يلومن أحدنا نفسه إن خارت قواه وانحنى تحت وطأة التجربة أو عدم الفهم، ولا شك سيجد الرب يربت عليه بلمسة خفيفة وقد أعد له وجبة تقويه وكلاماً يشجعه (١مل ١٩: ٥ – ٧).

مازال لحديثنا بقية من قصة إيليا وغيره في المقال التالي مع الإرادة الإلهية وعوامل استجابة الصلاة. و انقر هنا لتتابعنا.

#خبط_الحنطة 

تعليقات