-->

اعرف إلهك (٣): أوامره تتفق مع طبيعته فلا يغير رأيه

عرفنا فيما سبق أن الرب (١) ساهر على كلمته ليجريها، وأن (٢) عطاياه لا يتراجع عنها، والحين نقرأ في سفر الملوك الأول ١٣ عن أحد رجال الله الذي جاء من يهوذا (المملكة الجنوبية) إلى بيت إيل على الأطراف الجنوبية لمملكة إسرائيل (المملكة الشمالية) ليخبر بقضاء الله على إسرائيل وعلى يربعام الملك الذي جعل إسرائيل يخطئ، وبعد أن أتم الرجل مهمته حاول الملك أن يبقيه ليصنع له ضيافة فرفض لأن أمر الرب إليه كان "لاَ تَأْكُلْ خُبْزًا وَلاَ تَشْرَبْ مَاءً وَلاَ تَرْجعْ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي ذَهَبْتَ فِيهِ"ع٩، لكن عند ذهابه اعترضه نبي شيخ من بيت إيل، ولسبب ما كذب الشيخ عليه واقنعه أن الرب أمره أن يحضر إلى بيته ليأكل ويستريح. أثناء الطعام النبي الشيخ الذي من بيت إيل نطق بالتوبيخ الشديد على رجل الله الذي من يهوذا لأنه عصى أمر الله، وقال له إنه "مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ خَالَفْتَ قَوْلَ الرَّبِّ وَلَمْ تَحْفَظِ الْوَصِيَّةَ الَّتِي أَوْصَاكَ بِهَا الرَّبُّ إِلهُكَ،... لاَ تَدْخُلُ جُثَّتُكَ قَبْرَ آبَائِكَ" (ع٢١، ٢٢)، وهذا ما حدث له فعلاً إذ اعترض طريقه أسد افترسه فمات. (اقرأ بالتفصيل في ١مل ١٣ كل الأصحاح)

صورة سيدة سمراء تعقد ذراعيها إلى صدرها وأصابعها بين أسنانها وتلتفت جانباً وكأنها في قلق أو خوف من شيء ما.
خبط الحنطة - الهك حسب طبيعته ثابت لا يغير رأيه

رجل الله هذا تلقى "كلاما" فيه تعليمات واضحة وصريحة "ألا يأكل خبزا ولا يشرب ماء ولا يرجع في الطريق التي جاء فيها"، وهو – في بادئ الأمر – نفذ الأمر كما هو، لكنه خضع لإغراء "المجرب" (كذبة كذب بها عليه نبي آخر) الذي أقنعه أن الرب قد غير كلامه وقرر أن يسمح له بالأكل والشرب في هذا الموضع.

ردود أفعال الناس أمام ما يأمر به الله

في التاريخ الروحي (الكتابي) يوجد حالات متنوعة لردود أفعال الناس تجاه ما يأمر به الله:

١. منهم من أطاع بدون مناقشة:

ابراهيم "لما دعي أطاع" (عب ١١: ٨)

٢. ومنهم من تمرد ورفض أن يطيع:

"٣٥ وَإِنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي الأَنْبِيَاءِ قَالَ لِصَاحِبِهِ: «عَنْ أَمْرِ الرَّبِّ اضْرِبْنِي». فَأَبَى الرَّجُلُ أَنْ يَضْرِبَهُ. ٣٦فَقَالَ لَهُ: «مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ لِقَوْلِ الرَّبِّ فَحِينَمَا تَذْهَبُ مِنْ عِنْدِي يَقْتُلُكَ أَسَدٌ». . وَلَمَّا ذَهَبَ مِنْ عِنْدِهِ لَقِيَهُ أَسَدٌ وَقَتَلَهُ. ٣٧ثُمَّ صَادَفَ رَجُلاً آخَرَ فَقَالَ: «اضْرِبْنِي». فَضَرَبَهُ الرَّجُلُ ضَرْبَةً فَجَرَحَهُ." (١مل ٢٠: ٣٥ – ٣٧)

٣. ومنهم من دخل في مجادلة مُصدِر القرار:

آخرون لم يكتفوا بمجرد الخضوع لأمر وتنفيذه "عمياني"، بل جادل الرب مصدر القرار

أ. هناك من توسل وطلب من أجل نفسه

كحزقيا والذي بطلبة بسيطة وسريعة جدا حصل على تمديد لعمره لمدة 15 عاماً إضافية:

"ارْجعْ وَقُلْ لِحَزَقِيَّا رَئِيسِ شَعْبِي: «هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ دَاوُدَ أَبِيكَ: قَدْ سَمِعْتُ صَلاَتَكَ. قَدْ رَأَيْتُ دُمُوعَكَ. هأَنَذَا أَشْفِيكَ. فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ تَصْعَدُ إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ»." (٢مل ٢٠: ٥)

ب. ومن جادل وتوسل من أجل آخرين:

١) موسى وقف في الثغر عن الشعب (أكثر من مرة)، وتشفع، واستطاع أن يحصل من الرب على استجابة:

"١١فَتَضَرَّعَ مُوسَى أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِهِ، وَقَالَ: «لِمَاذَا يَا رَبُّ يَحْمَى غَضَبُكَ عَلَى شَعْبِكَ الَّذِي أَخْرَجْتَهُ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ بِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ وَيَدٍ شَدِيدَةٍ؟ ١٢لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ الْمِصْرِيُّونَ قَائِلِينَ: أَخْرَجَهُمْ بِخُبْثٍ لِيَقْتُلَهُمْ فِي الْجِبَالِ، وَيُفْنِيَهُمْ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ؟ اِرْجِعْ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِكَ، وَانْدَمْ عَلَى الشَّرِّ بِشَعْبِكَ. ١٣اُذْكُرْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَإِسْرَائِيلَ عَبِيدَكَ الَّذِينَ حَلَفْتَ لَهُمْ بِنَفْسِكَ وَقُلْتَ لَهُمْ: أُكَثِّرُ نَسْلَكُمْ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، وَأُعْطِي نَسْلَكُمْ كُلَّ هذِهِ الأَرْضِ الَّتِي تَكَلَّمْتُ عَنْهَا فَيَمْلِكُونَهَا إِلَى الأَبَدِ». ١٤فَنَدِمَ الرَّبُّ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي قَالَ إِنَّهُ يَفْعَلُهُ بِشَعْبِهِ." (خر ٣٢: ١١ – ١٤)

٢) وابراهيم تضرع في حالة مماثلة لكن لم تستجب طلبته:

في شأن سدوم تضرع إبراهيم "حَاشَا لَكَ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ هذَا الأَمْرِ، أَنْ تُمِيتَ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ، فَيَكُونُ الْبَارُّ كَالأَثِيمِ. حَاشَا لَكَ! أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ عَدْلاً؟»" (تك ١٨: ٢٥)، أما الرب فلم يجد ما يكفي ليستجيب لطلبة إبراهيم فنفذ قضاءه على كل دائرة سدوم وعمورة.

٤. أيضاً نرى "المساوم" مثل بلعام ابن بعور:

بلعام الذي يعلم أن ما أمره به الله غير قابل للمناقشة وأن ما كان يريده لا يتفق مع إرادة الله ساوم الرب لكي يحصل على ما يبتغيه، الغريب في الأمر أننا نجد الرب – لحكمة عنده - يعطيه "بعضاً" مما طلبه لكنه (أي الرب) ظل متحكما في الحدود التي يتحرك فيها بلعام لكيلا يجرؤ على عمل شيء إلا بما يسمح به الله فقط.

رجل الله فريسة الأسد

خلينا نعود إلى قصتنا تلك في ملوك الأول ١٣ لنرى ما حدث من رجل الله هذا الذي جاء من يهوذا ثم نحاول البحث فيما فعل ولماذا فعل ما فعله؟

لعل السبب واحد من الثلاثة أسباب التالية أو كلها مجتمعة:

‌أ. ربما ضعف تحت "ضغط الحاجة" و"ضعف الجسد":

لعله الجوع والعطش، فالرجل بالتأكيد مسافر سيراً على الأقدام مسافة طويلة ووقتا طويلا مجيئاً من يهوذا وها هو يعود نفس المشوار لكن من طريق أخرى كما أُمِر، ولابد أنه أحس بالإرهاق والجوع والعطش بعد كل هذا وأصبح في أضعف نقطة بحيث يمكن لإغراء أي طعام أو شراب أن يوقعه. وما كان من النبي الشيخ الذي من بيت إيل إلا أن خاطب نقطة الضعف هذه التي فيه: "سِرْ مَعِي إِلَى الْبَيْتِ وَكُلْ خُبْزًا." (١مل ١٣: ١٥).

ونحن - بالمثل – قد نكون أكثر عرضة للسقوط في فخ ابليس الذي – في مثل هذه الظروف - يشتكي الله عندنا في أوقات ضعفنا (وهي كثيرة وأسبابها كثيرة)، وقد نصرخ لماذا يا رب لماذا؟ وهو بهذا يوقعنا في العصيان ضد إلهنا المحب، ولكن عندما أفكر في هذا الأمر أجد هذه الفقرة تحضرني من (مزمور٤٤: ١٧، ١٨):

"١٧هذَا كُلُّهُ جَاءَ عَلَيْنَا، وَمَا نَسِينَاكَ وَلاَ خُنَّا فِي عَهْدِكَ. ١٨لَمْ يَرْتَدَّ قَلْبُنَا إِلَى وَرَاءٍ، وَلاَ مَالَتْ خَطْوَتُنَا عَنْ طَرِيقِكَ".

هنا يخاطب المرنم الرب أنه حتى لو كان الضعف والألم صادراً منك يا رب (فرضاً.. فرضاً) فنحن ما نسيناك ولا خنا في عهدك ولم يرتد قلبنا (عنك) إلى وراء، ولا مالت خطواتنا عن طريقك.

هل يليق - في هذا السياق - أن أذكرك بما قاله أيوب لزوجته: «تَتَكَلَّمِينَ كَلاَمًا كَإِحْدَى الْجَاهِلاَتِ! أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟»؟ (أي ٢: ١٠).

 (انقر هنا لتتابعنا)

‌ب. المجرب جاء اليه في صورة "ملاك نور":

وهذا حذرنا منه الكتاب المقدس، شخصية النبي الذي من بيت إيل هذا (١مل ١٣: ١١) اختلف عليه دارسو كلمة الرب، هل كان شريراً أم صالحاً؟ هل تكلم الله من خلاله أم لا؟ ماذا كان هدفه مما فعل؟ لا شيء مؤكد بهذا الخصوص، لكننا عموماً لا يمكن أن نختلف على الأثر السيئ الذي تركه في رجل الله الذي من يهوذا، لأنه ببساطة "ضلله"، والتضليل هنا كان باستخدام كلمات براقة مطمئنة ولكنها خادعة جدا إذ قال له "أَنَا أَيْضًا نَبِيٌّ مِثْلُكَ، وَقَدْ كَلَّمَنِي مَلاَكٌ بِكَلاَمِ الرَّبِّ" (١مل ١٣: ١٨)، لأجل ذلك قبل المسكين منه الرسالة المكذوبة ببساطة وبدون تمحيص ودون أن يسأل نفسه: هل يمكن أن تكون هذه رسالة صحيحة أم لا؟ وهكذا وقع هذا "النبي" في المحظور.

هذا ما يحدث معنا كلنا عندما نعطي لعدو الخير الفرصة أن "يضللنا" بسبب التفاتنا للمظاهر أكثر من اهتمامنا بجوهر الأشياء، المظاهر التي هي "لعبة" العالم الأساسية حيث تجد الثلاثة العناصر القاتلة:

شهوة الجسد، شهوة العيون، تعظم المعيشة

كل هذه الثلاثة فيها للـ"مظهر" دور رئيسي، فـ"الشهوة" ترتبط بالمظهر وإغرائه، و"العيون" ترى المظاهر، وواضح جداً أن "تعظم المعيشة" مرتبط أيضا بالمظهر وبمقارنة الأشكال والصور والمستويات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة بعضها ببعض. وتحت ستار "المظهر" البراق يأتي إلينا إبليس ليخدعنا ويلهينا عن وصايا الرب وأمره الأساسي الذي لا حياد عنه.

يحذرنا الرسول بولس من مثل هذه الشخصيات ومن تلك المظاهر الخداعة:

"١٣لأَنَّ مِثْلَ هؤُلاَءِ هُمْ رُسُلٌ كَذَبَةٌ، فَعَلَةٌ مَاكِرُونَ، مُغَيِّرُونَ شَكْلَهُمْ إِلَى شِبْهِ رُسُلِ الْمَسِيحِ. ١٤وَلاَ عَجَبَ. لأَنَّ الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ! ١٥فَلَيْسَ عَظِيمًا إِنْ كَانَ خُدَّامُهُ أَيْضًا يُغَيِّرُونَ شَكْلَهُمْ كَخُدَّامٍ لِلْبِرِّ. الَّذِينَ نِهَايَتُهُمْ تَكُونُ حَسَبَ أَعْمَالِهِم." (٢كو ١١: ١٣ – ١٥)

وفي (غل ١: ٨) يحذرنا الرسول من هذه المظاهر المخادعة "وَلكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ (الرسل) أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا!»"

‌ج. يبدو أنه لم يعرف إلهه كما ينبغي:

رغم (أ) ضغط الحاجة وضعف الجسد، ورغم (ب) الرسالة الخادعة التي تلقاها رجل الله هذا، لكن لا يمكننا إيجاد العذر لمن صفته "رجل الله"، كيف لرجل الله هذا ألا يعرف إلهه حق المعرفة؟! لأنه كيف وهو "رجل الله" لم يعرف إن كانت الرسالة التي وصلته تتفق وطبيعة الله أم لا؟! وكيف لنبي مرسل من الله ألا يكون متيقظا واعيا لاتفاق أوامر الله مع طبيعة الله وسياق الأحداث وطبيعة المكان الذي ذهب اليه والذي ارتبطت به (أي بالمكان) تعليمات الله التفصيلية؟

لو كان قد عرف الرب جيدا، لكان تأكد له – بغير كثير من الجهد - أن الله لا يمكن أن يغير أمره في موقف كهذا أبداً، خصوصا وأنه (النبي) كان فعلاً قد رفض دعوة الملك في بداية الأمر (يعني نفذ الأمر الإلهي)، وبرفضه لتلك الدعوة كان يعلن بطريقة عملية ألا تصالح مع الوثن يمكن أن يحدث، ولا وجود لأي هامش للتنازلات مع ابليس وجنوده، وكان من الواجب عليه أن يستمر في هذه الرسالة كما هي إلى النهاية.

فكر الله الذي لم يتغير

+ فريقان

لاحظ أن النهي الذي أصدره الله لا يعادي "الطعام والشراب" ولا "الطريق" في ذواتهم، لأننا نعلم من كلمة الله أن ال"٣... أَطْعِمَةٍ قَدْ خَلَقَهَا اللهُ لِتُتَنَاوَلَ بِالشُّكْرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَعَارِفِي الْحَقِّ. ٤لأَنَّ كُلَّ خَلِيقَةِ اللهِ جَيِّدَةٌ، وَلاَ يُرْفَضُ شَيْءٌ إِذَا أُخِذَ مَعَ الشُّكْرِ" (١تي ٤: ٣، ٤)، وقد علمنا الرسول بولس في هذا السياق: “٢٥كُلُّ مَا يُبَاعُ فِي الْمَلْحَمَةِ كُلُوهُ غَيْرَ فَاحِصِينَ عَنْ شَيْءٍ، مِنْ أَجْلِ الضَّمِيرِ، ٢٦لأَنَّ «لِلرَّبِّ الأَرْضَ وَمِلأَهَا»" (١كو ١٠: ٢٥ – ٢٦)، لكن نهي النبي عن الأكل في ١مل ١٣ كان يرتبط بطبيعة شريرة لمكان أصبح رمزا لمعاداة الله، والرب يبغض الشر والوثنية التي هي عداوة صريحة له واختيار لآلهة أخرى بدلا عنه.

لأجل هذا أصر الرسول بولس نفسه في نفس الموقع السابق على عدم الأكل مما ذبح للأوثان! لماذا؟ لأنكم "لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْرَبُوا كَأْسَ الرَّبِّ وَكَأْسَ شَيَاطِينَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْتَرِكُوا فِي مَائِدَةِ الرَّبِّ وَفِي مَائِدَةِ شَيَاطِينَ." (١كو ١٠: ٢١)، يعني ببساطة ينبغي أن تكون حاسما وتتخذ موقفاً واضحاً إما مع الله أو مع الشيطان، إما مع الله أو مع العالم، إما مع الله أو مع الوثن (أيا كان القناع الذي يتخفى وراءه هذا الوثن).

في (٢كو ٦: ١٤ – ١٨) يتبين لنا هذا الفكر بشكل أوضح:

"١٤…. لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ ١٥وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟ وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟ ١٦وَأَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَانِ؟ فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ، كَمَا قَالَ اللهُ: «إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا... ١٧لِذلِكَ اخْرُجُوا مِنْ وَسْطِهِمْ وَاعْتَزِلُوا، يَقُولُ الرَّبُّ. وَلاَ تَمَسُّوا نَجِسًا فَأَقْبَلَكُمْ، ١٨وَأَكُونَ لَكُمْ أَبًا، وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي بَنِينَ وَبَنَاتٍ، يَقُولُ الرَّبُّ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ»" [الاقتباس من عد ١٦: ٢٦]

في هذه الآيات نرى:

أولاً: "الفريقين"

بر وإثم - نور وظلمة – المسيح وبليعال – مؤمن وغير مؤمن – هيكل الله والأوثان

ثانياً: "الحدود الواضحة":

لا خلطة - ولا شركة ---- ولا اتفاق ---------- ولا نصيب ---------- ولا موافقة

ثالثاً: النتيجة المطلوبة:

لأجل ما تقدم كان الأمر واضحاً:

(أخرجوا، واعتزلوا، ولا تمسوا) ذلك الفريق ------ فأقبلكم في هذا الفريق

انظر عينة مما سبق أن أعلنه في هذا الشأن:

"فَكَلَّمَ الْجَمَاعَةَ قَائِلاً: «اعْتَزِلُوا عَنْ خِيَامِ هؤُلاَءِ الْقَوْمِ الْبُغَاةِ، وَلاَ تَمَسُّوا شَيْئًا مِمَّا لَهُمْ لِئَلاَّ تَهْلِكُوا بِجَمِيعِ خَطَايَاهُمْ»." (عد ١٦: ٢٦)

"وَقَالَ يَشُوعُ لِلشَّعْبِ: «تَقَدَّسُوا لأَنَّ الرَّبَّ يَعْمَلُ غَدًا فِي وَسَطِكُمْ عَجَائِبَ»." (يش ٣: ٥)

+ لماذا إبراهيم وموسى وماذا تعلم بلعام...

إبراهيم:

ما الذي جعل ابراهيم صاحب حظوة ويشفع لكل سدوم وعمورة بينما لوط كان "كمازح في أعين أصهاره" (تك ١٩: ١٤)؟

إبراهيم ظل يسكن في خيمته التي نصبها في الخلاء عند بلوطات ممرا، وفي موقعه هذا فهم طبيعة الله العادل الصالح المحب – فطالب الرب مذكرا اياه بصفاته "أديان الأرض كلها لا يصنع عدلا!" بينما الآخر – لوط - جعل مجلسه في مدخل باب المدينة مع كل هؤلاء الأشرار حيث كان "بِالنَّظَرِ وَالسَّمْعِ وَهُوَ سَاكِنٌ بَيْنَهُمْ، يُعَذِّبُ يَوْمًا فَيَوْمًا نَفْسَهُ الْبَارَّةَ بِالأَفْعَالِ الأَثِيمَةِ." (٢بط ٢: ٨)، فلما جاء الوقت للشهادة، أو على الأقل لإنقاذ أصهاره، لم يصدقه أحد منهم. وانتهى الأمر بإنقاذه "بمفرده"، حتى عائلته خسرها. (اقرأ: أمثلة علاقاتية – إبراهيم الأمير الزاهد)

موسى:

أما موسى فيتشفع لأجل شعبه مناديا الرب بما عرف من وعوده لإبراهيم واسحق واسرائيل وهو يعلم أمانة الرب الذي لا يقدر أن ينكر نفسه، والرب يعطي كلا من موسى وابراهيم الفرصة ويسمع لصلواتهما، صحيح أنه لم يستجب للواحد بينما استجاب للآخر وغير رأيه (إن جاز لنا أن نقول "غير")، لكن لم يكن لأي منهما – في شخصه - علاقة بالأمر بقدر ما كان الأمر مرتبطاً بطبيعة الله وبملكوت الله الذي يدوران في فلكه.

بلعام:

حتى بلعام الماكر الشرير، لما وجد أن مساومته لا تجديه نفعاً و"أَنَّهُ يَحْسُنُ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ أَنْ يُبَارِكَ إِسْرَائِيلَ، لَمْ يَنْطَلِقْ كَالْمَرَّةِ الأُولَى وَالثَّانِيَةِ لِيُوافِيَ فَأْلاً، بَلْ جَعَلَ نَحْوَ الْبَرِّيَّةِ وَجْهَهُ." (عد ٢٤: ١) وأخذ يبارك إسرائيل تماما … تماما .. تماما كما أمر الرب.

+ تأديب المؤمنين:

سؤال أخير يفرض نفسه: ألم يكن هذا "رجل الله" الذي في ١مل ١٣؟ فلماذا كان يجب أن يعاقب؟

"لأَنَّهُ الْوَقْتُ لابْتِدَاءِ الْقَضَاءِ مِنْ بَيْتِ اللهِ. فَإِنْ كَانَ أَوَّلاً مِنَّا، فَمَا هِيَ نِهَايَةُ الَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ اللهِ؟" (١بط ٤: ١٧)

أنظر ماذا يقول رجل الله بولس في شأن قريب:

"٣٠مِنْ أَجْلِ هذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى، وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُونَ.٣١لأَنَّنَا لَوْ كُنَّا حَكَمْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا لَمَا حُكِمَ عَلَيْنَا،٣٢وَلكِنْ إِذْ قَدْ حُكِمَ عَلَيْنَا، نُؤَدَّبُ مِنَ الرَّبِّ لِكَيْ لاَ نُدَانَ مَعَ الْعَالَمِ." (١كو ١١: ٣٠ – ٣٢)

نؤدب من الرب لكي لا ندان مع العالم. فقد يستحسن الله في حكمته أن يؤدبنا في الجسد ومهما كانت تبدو قاسية هذه التأديبات لكنها لا تقاس أبداً بما سيعانيه العالم من دينونة، كما لا يجب أن ننسى أن الرب يرافقنا خلال ما يسمح لنا به من تأديب لكيلا نفشل ولا ينهار إيماننا:

هذا ما قاله لبطرس تلميذه وأحد خلصائه وهو راءٍ بكل وضوح السقطة التي هو مقبل عليها: "وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ. وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ." (لو ٢٢: ٣٢)

للمقال التالي أنقر الله والمعجزة واستجابة الصلاة.

#خبط_الحنطة

سلسلة: إعرف إلهك
أوامره تتفق مع طبيعته فلا يغير رأيه
«- عطاياه لا يتراجع عنها |||| الله والمعجزة واستجابة الصلاة -»
تعليقات