"وأنتَ أيُّها الصَّبيُّ نَبيَّ العَليِّ تُدعَى، لأنَّكَ تتَقَدَّمُ أمامَ وجهِ الرَّبِّ لتُعِدَّ طُرُقَهُ." (لو ١: ٧٦)
منذ قرون طويلة أصبح تقليداً ملكياً متبعاً في المملكة المتحدة أن يكون هناك فرسان يتم اختيارهم بعناية من ارقى الأسر الأرستقراطية البريطانية لكي يسيروا في مقدمة الموكب الملكي، ونحن الآن نتأمل في العائلة "النبيلة" لفارس يتقدم الموكب الإلهي.
![]() |
| خبط الحنطة - اسرة النبلاء والفارس الملكي صارخ البرية |
في سياق حديثنا عمن إئتمنهم الرب على نفسه يليق أن نتأمل في زكريا واليصابات وكيف كان "كِلاهُما بارَّينِ أمامَ اللهِ، سالِكَينِ في جميعِ وصايا الرَّبِّ وأحكامِهِ بلا لومٍ." (لو ١: ٦)، ومن المؤكد انه كان يجمعهما انتظار وصول "المخلص" الذي لم يكن حلمهما وحدهما بل الحلم الذي يراود جميع الشعب، ولأجل وصول المخلص كان من المحتم في الخطة الإلهية وصول الشخص الذي "يَتَقَدَّمُ أمامَهُ بروحِ إيليّا وقوَّتِهِ،.... لكَيْ يُهَيِّئَ للرَّبِّ شَعبًا مُستَعِدًّا»." (لو ١: ١٧)، معنى ذلك أن الرب رأى أن الشعب في ذلك الوقت لم يكن "مستعداً".
لماذا لم يكن الشعب مستعداً؟
لأن طوال قرون سبقت تشوهت نظرة الشعب للنبوات، وحلمه بالمسيا تحول مع الزمن إلى سياسة بالتطلع إلى الاستقلال، وتحول إلى اقتصاد بالحلم برغد العيش الذي يضمن الخبز على المائدة، والتهبت الاحلام وتعاظمت خصوصاً مع حالة الانحطاط القومي والهزائم والاحتلال التي وصلت إليها الأمة اليهودية (رغم الآمال التي انعشتها الصحوة القومية المؤقتة التي شهدتها فترة ما بين العهدين)، ومع نضج حسابات السنين منذ دانيال النبي واقتراب النبوات من موعد تحققها تبلورت الرؤية المنتظرة للمسيا في صورة ذلك القائد العسكري مرهوب الجانب الذي يحرز الانتصارات لكي يقيم "مِظَلَّةَ داوُدَ السّاقِطَةَ،.... لكَيْ يَرِثوا بَقيَّةَ أدومَ وجميعَ الأُمَمِ الّذينَ دُعيَ اسمي علَيهِم" (عا ٩: ١١ - ١٢)، تلك كانت الاحلام الحاضرة المغلوطة بينما الخطة الإلهية الفعلية كانت ان يأتي السيد بتغيير داخلي فيخلص النفوس وينزع الخطية من داخل القلوب ويصالح الشعب لنفسه ("وَأُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا، وَأَجْعَلُ رُوحًا جَدِيدَةً فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَنْزِعُ قَلْبَ الْحَجَرِ مِنْ لَحْمِكُمْ وَأُعْطِيكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ." حز ٣٦: ٢٦). من ثم ولكي يحدث هذا كان مطلوباً أن يعود الشعب عن الفهم المغلوط والأحلام المشوهة إلى الحلم القديم بالانتظارات السابقة الصحيحة حسب الفهم الذي تكلم به الأنبياء، أليس هذا ما قاله الملاك جبرائيل للكاهن العجوز في خطاب التكليف؟ "لِيَرُدَّ قُلوبَ الآباءِ إلَى الأبناءِ، والعُصاةَ إلَى فِكرِ الأبرارِ، لكَيْ يُهَيِّئَ للرَّبِّ شَعبًا مُستَعِدًّا»." (لو ١: ١٧)
وليتم تهيئة "الشعب" لهذا في ظل تلك الظروف، كان المطلوب أن يسمع "الأفراد" الدعوة لفتح القلب ومراجعة النفس والاعتراف بالخطايا والتوبة عنها، فإذا تم هذا يصبح الطريق ممهداً للرب ليكمل عمله في "القلوب" وليس في القصور ولا في ساحات المعارك.
وهذه كانت مهمة الفارس الذي يتقدم الموكب الالهي وشرف نوالها والنجاح فيها كان عظيماً، ولذلك أعتبر الأبوان المسنان أن عليهما مسؤولية جسيمة لتحضير هذا الفارس الذي شرفا بتنشئته لكي ينجز مهام وظيفته بنجاح، وفي الحقيقة لقد أديا المسؤولية بنجاح باهر، وبالتالي نرى كيف أن "الصَّبيُّ كانَ يَنمو ويَتَقَوَّى بالرّوحِ" (لو ١: ٨٠)، صحيح أن الصبي "كانتْ يَدُ الرَّبِّ معهُ." (لو ١: ٦٦) لكن بالتأكيد كان لوالديه سوياً تأثير كبير في إعداده لتلك الخدمة.
+ أليصابات المعجزة الحية:
- مهــمة إضـافـية أخــرى كانت على أليصابات تأديتها ربما دون ان تدري، لعلك تذكر قارئي العزيز أن مريم لما الملاك بشرها بالحمل العذراوي تساءلت مندهشة: «كيفَ يكونُ هذا وأنا لَستُ أعرِفُ رَجُلًا؟». (لو ١: ٣٤)، واختار الرب أن يعطيها درساً عمليا رداً على سؤالها ذلك وأنه لا يوجد عنده شيء مستحيل، والدليل هو ان ها هي المعجزات تحدث "وهوذا أليصاباتُ نَسيبَتُكِ هي أيضًا حُبلَى بابنٍ في شَيخوخَتِها، وهذا هو الشَّهرُ السّادِسُ لتِلكَ المَدعوَّةِ عاقِرًا، لأنَّهُ ليس شَيءٌ غَيرَ مُمكِنٍ لَدَى اللهِ»." (لو ١: ٣٦ - ٣٧)
![]() |
| خبط الحنطة - أليصابات المعجزة الحية |
- أليصابات أيضاً شجعت مريم:
تخيل مقدار الافكار التي بدأت تعتمل في ذهن عذراء الناصرة الصغيرة - بعد أن فارقها الملاك - من التجربة الفريدة الخطيرة والمربكة التي هي مقبلة عليها، ولاحظ كيف "ذَهَبَتْ بسُرعَةٍ إلَى الجِبالِ إلَى مدينةِ يَهوذا،" (لو ١: ٣٩)
وتصور كيف ارتفعت معنوياتها لما استقبلتها أليصابات بصوت عظيم عندما وصلت إليها في مدينة يهوذا: «مُبارَكَةٌ أنتِ في النِّساءِ ومُبارَكَةٌ هي ثَمَرَةُ بَطنِكِ! فمِنْ أين لي هذا أنْ تأتيَ أُمُّ رَبّي إلَيَّ؟ فهوذا حينَ صارَ صوتُ سلامِكِ في أُذُنَيَّ ارتَكَضَ الجَنينُ بابتِهاجٍ في بَطني. فطوبَى للّتي آمَنَتْ أنْ يتِمَّ ما قيلَ لها مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ». (لو ١: ٤٢ - ٤٥).
هنا فقط أنشدت مريم تسبحتها الخالدة، لاحظ انها لم تنشد التسبحة بعد رؤية الملاك هناك في الناصرة لكن هنا في اليهودية وفقط بعد مقابلة أليصابات.
الرب ائتمن كلاً من زكريا وأليصابات وقد كانا عند حسن ظنه بهما.
مطلوب ان توصل النعمة للآخرين:
فأنت أيضاً مثل أسرة النبلاء هذه، الرب يعدك بالبركة وبالمعونة وبالتعويض الذي تنتظره وبأن يرد نفسك كما وعد بطرس:
"طَلَبتُ مِنْ أجلِكَ لكَيْ لا يَفنَى إيمانُكَ." لكن كان مطلوباً من بطرس ان النعمة التي تصل إليه لا تتوقف عنده بل تمتد لآخرين أيضاً من خلاله: "وأنتَ مَتَى رَجَعتَ ثَبِّتْ إخوَتَكَ»." (لو ٢٢: ٣٢)
- ليكن لسان حالك مثل يشوع الذي تعهد أمام الرب وأمام كل الشعب "إنْ ساءَ في أعيُنِكُمْ أنْ تعبُدوا الرَّبَّ، فاختاروا لأنفُسِكُمُ اليومَ مَنْ تعبُدونَ....... وأمّا أنا وبَيتي فنَعبُدُ الرَّبَّ»." (يش ٢٤: ١٥) أنت تتقدم الطريق امامه عندما تعد نفسك واولادك وبيتك لتكونوا شهادة.
- "أنتُمْ رِسالَتُنا، مَكتوبَةً في قُلوبنا، مَعروفةً ومَقروءَةً مِنْ جميعِ النّاسِ." (٢كور ٣: ٢)
اقرأ التالي: (٤) صانعو الملوك لا يقتلون الأطفال (أو اقرأ السلسلة من اولها بالنقر على الروابط هذه👇).
ائتمنهم على نفسه - (١) العذراء القديسة مريم والمهمة الانتحارية
ائتمنهم على نفسه - (٢) يوسف النجار الجندي المجهول
ائتمنهم على نفسه - (٣) أسرة النبلاء والفارس الملكي صارخ البرية
ائتمنهم على نفسه - (٤) صانعو الملوك لا يقتلون الأطفال
ائتمنهم على نفسه - (٥) السمات التي ميزتهم ليأتمنهم
٤ يناير ٢٠٢٢ - تاريخ النشر في فيسبوك
أسرة النبلاء وفارس الملك صارخ البرية
«- يوسف النجار الجندي المجهول |||| صانعو الملوك لا يقتلون الأطفال -»


احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..