-->

ائتمنهم على نفسه (٥): السمات التي ميزتهم ليأتمنهم

منذ مقدمة هذه السلسلة تكلمنا عمن ائتمنهم الرب على نفسه على عكس كل هؤلاء الذين "لَمْ يَأْتَمِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، لأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ الْجَمِيعَ." (يو ٢: ٢٤). والآن نحتاج أن نتأمل في السمات أو المقومات التي جعلت كل هؤلاء ينجحون في مهامهم المكلفين بها والتي استحقوا من خلالها أن يأتمنهم على نفسه:

١.  الايمان (تصديق الله):

لم يكن من السهل على عذراء الناصرة أن تتقبل فكرة يمكن أن تجلب عليها المتاعب وربما حتى القتل لولا أنها صدقت الرب ورسالته إليها بدون تردد: «ليَكُنْ لي كقَوْلِكَ» (لو ١: ٣٨)، وبالتأكيد كانت تعلم أن الله قادر على تدبير مخارج لكل شيء في مشيئته أن يفعله.

امرأة معصوبة العينين تخطو خطوة في الفراغ تعبيراً عن الإيمان بينما يد ممدودة تحتها لاستقبالها
خبط الحنطة - الإيمان هو ان تصدق الله

ويوسف بدوره بالتأكيد لم يكن هيناً عليه أن يقبل بذلك الخبر الغريب (حمل خطيبته) إلا عندما وصلته الرسالة بواسطة الملاك، وكان عليه أن يثق بها (الرسالة) ويطيعها بدون كثير جدال أو سفسطة.

هاتقول لي: "احنا فين ودول فين يا عم! هؤلاء كلمهم ملائكة، شوفني بس لو كلمني ملاك هاعمل ايه"، وبالتالي نرى كثيرين يشتهون وجود ملائكة طول الوقت لتدعيم عمل الله، لكن في الحقيقة الرب علمنا «طوبَى للّذينَ آمَنوا ولَمْ يَرَوْا»." (يو ٢٠: ٢٩)، كما تكلم إلينا أيضاً عن "استحالة" إطاعة الرب بأي وسائل مساعدة إذا افتُقِد الإيمان، ووصَّل الرب الينا رسالة هذه الاستحالة على لسان ابراهيم الذي خاطب الغني الملقى في الجحيم: "إنْ كانوا لا يَسمَعونَ مِنْ موسَى والأنبياءِ، ولا إنْ قامَ واحِدٌ مِنَ الأمواتِ يُصَدِّقونَ»." (لو ١٦: ٣١)، والأمر سيان كما ترى، ميت يقوم، ملاك يظهر، معجزة خارقة للطبيعة تحدث، صدقني كل هذا ليس هو المطلوب رغم أن الرب قادر عليه، لكن لولا أن تقبل في بساطة الإيمان كلام الرب اليك لن تجد طاعته إلى كيانك أي سبيل. (اقرأ أيضاً: ايمان وايمان)

٢. الوداعة:

- وتتمثل الوداعة في العبارة التي تميزت بها مريم«هوذا أنا أمَةُ الرَّبِّ. ليَكُنْ لي كقَوْلِكَ» (لو ١: ٣٨)

وتنعكس وداعة مريم على تسبحتها الشهيرة حيث نرى هذا الاعتراف بالصغر وعدم الاستحقاق: "لأنَّهُ نَظَرَ إلَى اتِّضاعِ أمَتِهِ....، … أنزَلَ الأعِزّاءَ عن الكَراسيِّ ورَفَعَ المُتَّضِعينَ. أشبَعَ الجياعَ خَيراتٍ وصَرَفَ الأغنياءَ فارِغينَ." (لو ١: ٤٨ , ٥٢ - ٥٣)

صورة اسد مستلقي في هدوء وحمل صغير مستلقي متكئاً على رأس الأسد
خبط الحنطة - الوداعة

- نفس هذه الوداعة التي جعلت يوسف يعيش ويموت في الظل رغم خطورة الدور الذي أسند إليه.

- الوداعة نفسها التي كانت لسان حال أليصابات وهي تعترف بالضآلة وعدم الاستحقاق "مِنْ أين لي هذا أنْ تأتيَ أُمُّ رَبّي إلَيَّ؟" (لو ١: ٤٣)

هي قاعدة سرمدية وفرمان إلهي لا رجعة فيه، أنه لا يستخدم الا الآنية الضعيفة التي تقر باحتياجها إليه ليعمل فيها، أما هؤلاء الاغنياء بمواهبهم وقدراتهم واعتدادهم الفائق بالنفس فقد "صَرَفَ الأغنياءَ فارِغينَ." (لو ١: ٥٣)، وتلميذه الشاطر صاحب الانجازات العظيمة لم يجد ما يقوله للفخر إلا "ولكن لنا هذا الكَنزُ في أوانٍ خَزَفيَّةٍ، ليكونَ فضلُ القوَّةِ للهِ لا مِنّا." (٢كور ٤: ٧)

(انقر هنا لتتابعنا)

٣. الحرمان:

قد تبدو هذه السمة غريبة لكن يبدو أنها نمط متكرر، إذ أنه من الملاحظ أن الله في بعض الأحيان يُعد آنيته لأداء دورها بالحرمان....... بالحرماااان؟!!..... ايوه بالحرمان..

زكريا وأليصابات اللذان قضيا عمرهما كله ينتظران ابناً يملأ عليهما حياتهما:

 تعلما في هذه المدة الطويلة أن الاولاد ليسوا نتيجة طبيعية تلقائية ومجرد تحصيل حاصل لأي زواج، يعني ٩ شهور او سنة ويجي اول مولود، لا! الأطفال عطايا من الله وهو يهب عطاياه (كل عطاياه وليس الاولاد فقط) لمن يشاء كيفما يشاء ووقتما يشاء، كما ان له غرضاً من هباته لنا وهو يريد منا أن نشاركه في تنفيذ هذا الغرض، وعلينا أن نقبل هذه الأمور كمسلمات لا يمكن الجدال فيها.

 أثناء انتظار الحرمان يُمتَحَن الايمان كما تمتحن الفضة في النار فتخرج انقى وأكثر قيمة وفاعلية بعد الامتحان منها قبل الامتحان.

شخص متأنق يجلس في ترقب وهدوء نأظراً إلى الهاتف أمامه يبدو انه ينتظر مكالمة مهمة.
خبط الحنطة - الحرمان

حنه أم صموئيل تعلمت درسها بنفس الطريقة (الحرمان) لذلك لم تستكثر على الرب هذا الابن الوحيد الذي جاء بعد حرمان فأعطته له، وبذلك أتاحت للرب فرصة (إن جاز أن نقولها) أن يجعل من هذا الولد واحداً من أعظم أنبياء وقضاة إسرائيل، والرب في المقابل كافأ حنة على تقدمتها له بأن وهبها أبناءً آخرين عاشوا معها "بَدَلَ الْعَارِيَّةِ الَّتِي أَعَارَتْ لِلرَّبِّ". (١صم ١: ٢٨، ٢: ٢٠).

كثيرون منا لديهم آمال مؤجلة وطلبات اشتاقوا أن تنفذ لهم لكنها مازالت تبدو بعيدة المنال ولا يعلمون متى وأين وكيف سيعطيهم الرب طلبتهم، ولكل هؤلاء يتردد صدى اصوات كل من مريم وزكريا: "ورَحمَتُهُ إلَى جيلِ الأجيالِ للّذينَ يتَّقونَهُ. … أشبَعَ الجياعَ خَيراتٍ وصَرَفَ الأغنياءَ فارِغينَ. … كما كلَّمَ آباءَنا. لإبراهيمَ ونَسلِهِ إلَى الأبدِ»." (لو ١: ٥٠ , ٥٣ , ٥٥).

٤. الحكمة:

يبدو أن المجوس اتبعوا حكمتهم البشرية وليس النجم عندما توقعوا أن المولود ملكاً لليهود لابد بالضرورة سيكون في اورشليم العاصمة التاريخية لليهود وربما أيضاً في قصر الملك الحالي هيرودس، لذلك حضروا يسألون "قائلينَ: «أين هو المَوْلودُ مَلِكُ اليَهودِ؟ فإنَّنا رأينا نَجمَهُ في المَشرِقِ وأتَينا لنَسجُدَ لهُ»." (مت ٢: ٢)، وكان من البديهي أنهم - وهم من هم - كما دخلوا من الباب يخرجون من الباب أيضاً، احتراماً للأصول والبروتوكول، واقصد هنا أن يعودوا إلى هيرودس كما طلب منهم، لكن حكمتهم لم تمنعهم من الاستجابة لتحذير جاءهم عن طريق "الحلم"، وهو طريق غير معتاد بمنطق الحكماء الذين يعولون على العقل والمنطق في تقرير امورهم.

الصورة الكلاسيكية لوجه امرأة تحمل عدسة قراءة مكبرة أمام وجهها مما يجعل إحدى عينيها تبدو كبيرة
خبط الحنطة - الحكمة

ارجوا أن تفهموا أن هذه ليست دعوة لمخاصمة العقل أو ترك المنطق جانباً للجري وراء الخرافة، لكنها دعوة للانفتاح على صوت الله الذي يتكلم، وهو يتكلم من خلال العقل والمنطق وقوانين الطبيعة، لكنه أيضاً - إن أراد - يتكلم من خلال ما هو وراء الطبيعة.

المرأة السامرية سألت الرب يسوع عن المكان الطبيعي المقبول من الله لعبادته، وهل هو في جبل جرزيم حيث عبده السامريون ام في اورشليم حيث عبده اليهود، وهي إذ فعلت هذا كانت تمسك بالمعتاد وبمنطق الاشياء حينها، لكن يسوع أجابها: "اللهُ روحٌ. والّذينَ يَسجُدونَ لهُ فبالرّوحِ والحَقِّ يَنبَغي أنْ يَسجُدوا»." (يو ٤: ٢٤) [انظر: يسوع والسامريون والإقصاء]

والرب في إجابته هذه أعطانا نحن درساً يتجاوز ظروف الحوار وقتها ويصل إلينا اليوم حيث نحن الآن في بعض أمور حياتنا، والدرس هو:

من الحكمة أن يكون لك قنوات مفتوحة مع الله، أن يكون لك التدريب الروحي الكافي لتسمع صوته "المنخفض الخفيف" (١مل ١٩: ١٢) فتستطيع أن ترى وتتخذ القرارات التي تتجاوز العيان. صدقني، هذا الأمر هو طلبة واحتياج أغلبنا في الواقع. أعتَرف أن هذا أمر صعب جداً لكن ليس من الحكمة أبداً اعتباره وكأنه "ليس من الحكمة".

(انقر هنا لتتابعنا)

٥. الرجاء المنتظر:

هو ما جمع كل هؤلاء الأشخاص الذين أشرنا إليهم وغيرهم كثيرين على اختلاف أصولهم واهتماماتهم وأعمالهم ومقاماتهم الاجتماعية، الكاهن والراعي والنجار والزوجة البسيطة والفتاة العذراء، بل وأيضاً المجوس الحكماء الامميين الأثرياء وأصحاب النفوذ، الكل كانوا ينتظرون المسيا الذي وقت حضوره قد ازف، بناءً على كل النبوات وما عرفوه من حسابات السنين طبقاً لسفر دانيال اصحاح ٩.

امرأة في شرفة تشب على قدميها لتنظرلبعيد كأنها تتلهف لرؤية شيء تتوقعه.
خبط الحنطة - الرجاء المنتظر

التشبث بالرجاء المنتظر هو ما جعل الكل مستعدين لتقبل الاخبار ومستعدين لاستقبال الملائكة ومتعطشين لشرف المشاركة في هذا الحدث الكبير مهما كلفت هذه المشاركة من أعباء ومسؤوليات بل والارتباكات التي تتسبب فيها مثل هذه الطوارئ.

جميل ان نتمتع برؤية، برجاء، بهدف نتحرك تجاهه، والأجمل أن يكون هذا الهدف مختوما برضى الرب وداخل دائرة مشيئته وخطته الكبرى، هذا ما يساعدنا على تأدية ما يأتمننا الله عليه. (اقرأ السلسلة من اولها بالنقر على الروابط التالية👇).

الرب ائتمنهم على نفسه

ائتمنهم على نفسه - (١) العذراء القديسة مريم والمهمة الانتحارية

ائتمنهم على نفسه - (٢) يوسف النجار الجندي المجهول

ائتمنهم على نفسه - (٣) أسرة النبلاء والفارس الملكي صارخ البرية

ائتمنهم على نفسه - (٤) صانعو الملوك لا يقتلون الأطفال

ائتمنهم على نفسه - (٥) السمات التي ميزتهم ليأتمنهم

١٤ يناير ٢٠٢٢ - تاريخ النشر في فيسبوك.

سلسلة: ائتمنهم على نفسه
السمات التي ميزتهم ليأتمنهم
«- صانعوا الملوك لا يقتلون الأطفال |||| الجزء الأخير -»
تعليقات