|
| خبط الحنطة - يوسف النجار الجندي المجهول |
في سياق حديثنا عمن ائتمنهم الرب على نفسه خصوصاً في ميلاده وصباه، تكلمنا عن أمه القديسة العذراء مريم ، وها نحن نَلِج هنا إلى صاحب الدور الهام الذي أدى دوره في صمت وبأقل قدر من التغطية في الرواية الإنجيلية.
المهمة العظمى لابن الإنسان:
بادئ ذي بدء، من المحتم على كل من يقرأ القصة المسيحية أن يكون فاهماً أن الهدف الأول والأساسي من مهمة المسيح (الله الكلمة) على الارض لم تكن الدعوة او الكرازة ولا تعليم الفضائل رغم أهمية كل هذا، لكن الهدف الأسمى كان افتداء البشرية من الخطية التي هي غارقة فيها ومنحها فرصة جديدة لاستعادة العلاقة مع الله، ولكي يحصل "الفداء" كان لابد من حدوث اضطهاد من اليهود بما يصل إلى القتل (مت ١٧: ١٢، ٢٢، ٢٣)، لأن "بدونِ سفكِ دَمٍ لا تحصُلُ مَغفِرَةٌ!" (عب ٩: ٢٢).
بالتالي المنطق يقول إن مسألة الكشف الصريح لكل المجتمع المحيط عن طبيعة التجسد الالهي بالروح القدس في رحم عذراء والكشف عن الميلاد العذراوي ما كان سيخدم خطة الفداء ابداً بل يعاكسها، لذلك اكتفى الرب بإبقاء هذا الأمر سراً لم يعلم تفاصيله - في ذلك الوقت - إلا دائرة محدودة جداً من المحيطين، وفي النهاية حمّل الرب يسوع تلاميذه مسؤولية نقل خبر قصة الفداء كلها - بعد اكتمالها - للعالم كله فيما بعد، وهذا الخبر هو ما يسمى "الانجيل": "تَكونونَ لي شُهودًا في أورُشَليمَ وفي كُلِّ اليَهوديَّةِ والسّامِرَةِ وإلَى أقصَى الأرضِ»." (أع ١: ٨)
لاحظ انه بالرغم من هذه السرية المطلوبة لكنه أيّد - بكل تأكيد - حقيقة لاهوته بكل المعجزات اللازمة بما يكفي للبشارة ولتأكيد الإنجيل بما لا يدع مجالاً للشك (لكل من "لا يريد" الشك.)
دور يوسف النجار لإنجاح المهمة
نرجع ونقول إن الرجل الذي تحمل هذه الجزئية من عبء تحقيق خطة الكتمان بالحفاظ على خبر التجسد والحبل العذراوي هو ذلك الرجل الذي منح إسمه لهذا الوليد الجديد الا وهو القديس يوسف النجار، والبشير لوقا يقول لنا أنه "لَمّا ابتَدأَ يَسوعُ كانَ لهُ نَحوُ ثَلاثينَ سنَةً، وهو علَى ما كانَ يُظَنُّ ابنَ يوسُفَ ، بنِ هالي،" (لو ٣: ٢٣)، كل المجتمع المحيط كانت المعلومة الواصلة له أن يسوع هو ابن يوسف .
يوسف الجندي المجهول؟
هل يمكن أن نتخيل الاحتمالات التي كان يمكن أن تحدث لو لم يقبل يوسف بهذه المهمة؟
- هل تذكر ما حدث بعد إشباع الجموع من ٥ خبزات وسمكتين وكيف علم يسوع "أنهُم مُزمِعونَ أنْ يأتوا ويَختَطِفوهُ ليَجعَلوهُ مَلِكًا" (يو ٦: ١٥) لكي يظل يطعمهم مجاناً مثلما اكل آباؤهم المن في البرية، تخيلوا كم سيكون إصرارهم على تنصيبه ملكاً يحارب حربهم لو عرفوا بميلاده من عذراء بمعجزة؟ كيف كان للفداء أن يحدث عندئذ؟!! (هذا إذا لم يخرج بعض الأشرار ليشككوا في الميلاد العذراوي وتصبح مشكلة كبيرة، وهذا ما لم يسمح به الرب إطلاقاً).
- احتمال آخر كان يوسف قد انتوى فعله لولا رؤيته للملاك في حلم، حيث يخبرنا البشير متى أن "يوسُفُ رَجُلُها إذ كانَ بارًّا، ولَمْ يَشأْ أنْ يُشهِرَها، أرادَ تخليَتَها سِرًّ ا." (مت ١: ١٩)، أي أنه فكر في طلاقها "بدون شوشرة".
لذلك، لو لم يفعل يوسف أي شيء غير قبول انتساب يسوع اليه بناءً على الثقة فيما قاله الملاك وان يحمي ويعتني بتلك الأسرة الصغيرة في ظروف بالغة الصعوبة، لو لم يفعل يوسف غير هذا فقط لكان ذلك كافياً جداً لتصنيفه كبطل إيمان حقيقي، والحقيقة إن الانجيل حمل الينا القليل جداً من المعلومات عن هذا الرجل، كأن مهمة انتساب الرب يسوع له والعناية به والسهر على سلامته هي مهمة مهولة في حد ذاتها ومشرِّفة جداً تغنيه عن أي شيء آخر. وقبل يوسف بكل شهامة أن يؤدي المسؤولية الموكلة إليه وأن يعيش وان يموت في الظل كجندي خفي من جنود ملكوت الله.
من اجل ذلك يليق أن نقول إن الرب ائتمن يوسف على نفسه، ويوسف كان على قدر المسؤولية وأهلاً للثقة.
لا تستصغر دورك ومهمتك
كثيراً ما نستصغر الخدمات التي تبدو تافهة وربما روتينية ومختفية لا يراها الناس ولا يدركوا لها قيمة ليقدروها، لو لم نسمع ثناء الناس وتشجيعهم وامتداحهم لنا، لو مافيش "لايك" و"شير" لا نحس بالرضا عن النفس ونعتبر أنها خدمات لا أهمية لها، لكننا نتفاجأ بأن الرب نفسه يجعلها تكليفاً يأتمننا عليه إذ يقول:
"مَنْ أرادَ أنْ يكونَ فيكُم عظيمًا فليَكُنْ لكُمْ خادِمًا، ومَنْ أرادَ أنْ يكونَ فيكُم أوَّلًا فليَكُنْ لكُمْ عَبدًا،" (مت ٢٠: ٢٦ - ٢٧)
كما أنه علمنا عن حبة الحنطة التي يجب أن تقع في الأرض وتموت لكي تأتي بثمر (يو ١٢: ٢٤، ٢٥).
والرسول بولس يعلمنا:
"بل بالأولَى أعضاءُ الجَسَدِ الّتي تظهَرُ أضعَفَ هي ضَروريَّةٌ. وأعضاءُ الجَسَدِ الّتي نَحسِبُ أنَّها بلا كرامَةٍ نُعطيها كرامَةً أفضَلَ. والأعضاءُ القَبيحَةُ فينا لها جَمالٌ أفضَلُ. وأمّا الجَميلَةُ فينا فليس لها احتياجٌ. لكن اللهَ مَزَجَ الجَسَدَ، مُعطيًا النّاقِصَ كرامَةً أفضَلَ،" (١كور ١٢: ٢٢ - ٢٤)
هل تكون أهلاً للثقة وتقبل المهمة رغم صغر منظرها؟ كثيرون يستكبرون ولا يقبلون فهل تقبل انت؟ اقرأ المقال التالي عن (٣) أسرة النبلاء والفارس الملكي صارخ البرية
#خبط_الحنطة
ائتمنهم على نفسه - (١) العذراء القديسة مريم والمهمة الانتحارية
ائتمنهم على نفسه - (٢) يوسف النجار الجندي المجهول
ائتمنهم على نفسه - (٣) أسرة النبلاء والفارس الملكي صارخ البرية
ائتمنهم على نفسه - (٤) صانعو الملوك لا يقتلون الأطفال
ائتمنهم على نفسه - (٥) السمات التي ميزتهم ليأتمنهم
٣ يناير ٢٠٢٢ - تاريخ النشر في فيسبوك
يوسف النجار الجندي المجهول
«- العذراء مريم والمهمة الانتحارية |||| أسرة النبلاء وفارس الملك صارخ البرية -»

احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..