الخيط الرفيع في متى ٢٦: الأحباء ما بين الدعم والخذلان والخيانة.
في أسبوع الآلام نرى معاناة الرب يسوع النفسية بوضوح في دراستنا لمتى ٢٦، والمؤكد أن كل منا مر بأزمة ما (صحية أو اجتماعية أو اقتصادية)، والبديهي أن كلنا - في وسط الأزمة - نبحث ونلتفت للقريبين منا، سواء في الأسرة أو الأصدقاء، هذه الالتفاتة لا تكون فقط بحثاً عن عون ومساعدة مادية، لكنها بالأحرى تكون التفاتة البحث عن الدعم النفسي، والرفقة المساندة.. هو بحث عن كتف تستند عليه، عن أذن مصغية تفضفض لها، مشاعر متعاطفة تفرح أو تقلق او ترتبك معك. وأيضاً في وسط الأزمة نكون أكثر حساسية تجاه الخذلان أو التقاعس أو الخيانة. ولكي ندرك حجم التوتر الذي كان يشعر به "الإنسان" يسوع علينا أن نقفز سريعاً إلى العدد ٣٧ حيث نرى معاناته في جثسيماني وقد "ابْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ." (متى ٢٦: ٣٧).
ولكي نحسن تصور الموقف، علينا أن ندرك أن هذا الشعور لابد أنه كان مصاحباً له من قبل ان يصل إلى جثسيماني بوقت طويل. هذا هو إحساس الأزمة التي كان يمر بها الإنسان يسوع بدون أدنى شك، وهذه كانت مشاعره طوال احداث هذا الفصل من المكتوب (متى ٢٦). ولا يخفى على جميعنا أن هذا ليس افتئاتاً على شخص الرب أو تقليلاً من شأنه، بل هو أمر طبيعي جداً حيث نؤمن أن الرب يسوع كان إنساناً كاملاً بكل ما فيه من مشاعر إنسانية رقيقة وسامية أيضاً، وقد كتب عنه أنه أمام قبر لعازر "لَمَّا رَآهَا [مريم] يَسُوعُ تَبْكِي، وَالْيَهُودُ الَّذِينَ جَاءُوا مَعَهَا يَبْكُونَ، انْزَعَجَ بِالرُّوحِ وَاضْطَرَبَ" (يوحنا ١١: ٣٣).
![]() |
| خبط الحنطة - الرب يسوع في جثسيماني |
ولازم نكون واعيين أن يسوع كان – منذ صباه المبكر - على وعي تام بالمهمة الأساسية التي قد تجسد لأجلها («لِمَاذَا كُنْتُمَا تَطْلُبَانِنِي؟ أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لأَبِي؟» لوقا ٢: ٤٩). ولمرات عديدة وقبل حدوث الآلام والصلب بوقت كافي، أعلن الرب له كل المجد لتلاميذه عن ذهابه لتتميم هذا الأمر، حتى وإن لم يلتفت التلاميذ إلى هذه الإعلانات بما يكفي من التركيز، ولم يدركوها إلا لاحقاً. وها كلامنا بالدليل والبرهان:
كيف تنبأ الرب يسوع عن موته وقيامته
سجلت الأناجيل الإزائية هذه الإعلانات في ٣ مناسبات مختلفة:
١. بعد اشباع الجموع:
"وَابْتَدَأَ يُعَلِّمُهُمْ أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيرًا، وَيُرْفَضَ مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَبَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ يَقُومُ." (مرقس ٨: ٣١) [أنظر أيضاً: متى ١٦: ٢١، لوقا ٩: ٢١، ٢٢]
٢. بعد واقعة التجلي:
"٢٢وَفِيمَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ فِي الْجَلِيلِ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «ابْنُ الإِنْسَانِ سَوْفَ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي النَّاسِ ٢٣فَيَقْتُلُونَهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ». فَحَزِنُوا جِدًّا." (متى ١٧: ٢٢، ٢٣) [أنظر أيضاً مرقس ٩: ٣٠ – ٣٢، لوقا ٩: ٤٣ – ٤٥].
٣. أثناء التوجه إلى أورشليم للاحتفال بالفصح الأخير:
"٣١وَأَخَذَ الاثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ: «هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَسَيَتِمُّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ بِالأَنْبِيَاءِ عَنِ ابْنِ الإِنْسَانِ، ٣٢لأَنَّهُ يُسَلَّمُ إِلَى الأُمَمِ، وَيُسْتَهْزَأُ بِهِ، وَيُشْتَمُ وَيُتْفَلُ عَلَيْهِ، ٣٣وَيَجْلِدُونَهُ، وَيَقْتُلُونَهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ»." (لوقا ١٨: ٣١ – ٣٣) [أنظر ايضاً متى ٢٠: ١٧ – ١٩، مرقس ١٠: ٣٢ – ٣٤].
أما البشير يوحنا فيكتفي بإشارات غير مباشرة من الرب يسوع إلى موته المزمع:
أولهم كان مع حادثة سكب مريم للطيب عليه. (يوحنا ١٢: ٧، ٨)، ثم في (يوحنا ١٣: ٣٣)، وأخيراً عند ذكره ارسال الروح القدس ليصاحب تلاميذه بعدما يكون قد فارقهم بالجسد.
معاناة يسوع النفسية في متى ٢٦؟
أثناء موسم الاحتفال بالصليب والقيامة، وخلال وقراءتنا لمتى ٢٦ كمقدمة لذروة الأحداث أسبوع الآلام، ومع الانهماك في رؤية تفاصيل الأحداث التي عرفناها وحفظنا ترتيبها ليتورجياً، في وسط كل هذا يفوتنا ملمح دقيق يتخلل غالبية هذه الأحداث، وأظنه يستحق منا التفاتة، هو خيط رفيع يتخلل حبات عُقد المشاهد التي يجمعها هذا الأصحاح الطويل والكثيف من كلمة الله. وفي وسط سرد الأحداث، نلمح في هذا الأصحاح المعاناة النفسية التي كان يشعر بها الإنسان يسوع المسيح وهو مقبل على الصليب، وقد ظهر أفضل تعبير عن تلك المعاناة في تفاعله لغوياً وفي مواقف فعلية مع أقرب المقربين منه، ليس التلاميذ المباشرين فقط، بكل بعض الأفراد من الدائرة الأوسع، حيث نرى في هذا الأصحاح (متى ٢٦) تركيز الرب - في خضم الأحداث - على علاقاته الشخصية المباشرة، ليس بتلاميذه المباشرين فقط، بل بمن كانوا في دائرة أوسع قليلاً من ذلك.
ويبدأ الأصحاح بتعبير مباشر عن حجم هذا التوتر الذي يشعر به يسوع، فقد بدأ بإعلانه لتلاميذه عما ينتظره في الأيام التالية: «تَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ يَكُونُ الْفِصْحُ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ لِيُصْلَبَ». (متى ٢٦: ٢)، ثم تنتقل الكاميرا إلى دار قيافا رئيس لكي نرى المؤامرة على الرب لقتله (متى ٢٦: ٣ – ٥). ومن هنا يتضح لنا الجو العام المتوقع في الأيام التالية. ثم نتأمل مشاعر الرب من خلال تفاعلاته وتعبيره عن مشاعره مع المحيطين.
طيب مريم والتكفين (متى ٢٦: ٦ – ١٣):
ينقلنا البشير في روايته إلى بيت سمعان الأبرص الذي من بيت عنيا، وهناك نرى المرأة التي تكسر قارورة الطيب لتطيب بها جسد الرب، وليس غريباً أن نلمس ما يعتري الرب من مشاعر العرفان والشكر لتلك المرأة، لأنها كانت تخفف عنه مشاعر رحلة الموت التي هو مقبل عليها، وقد عبر عن شعوره هذا صراحة بقوله ١٠«لِمَاذَا تُزْعِجُونَ الْمَرْأَةَ؟ فَإِنَّهَا قَدْ عَمِلَتْ بِي عَمَلاً حَسَنًا! ١١لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ. ١٢فَإِنَّهَا إِذْ سَكَبَتْ هذَا الطِّيبَ عَلَى جَسَدِي إِنَّمَا فَعَلَتْ ذلِكَ لأَجْلِ تَكْفِينِي.» (متى ٢٦: ١٠ – ١٢)، هذا ما كان الرب يشعر به، وهذه هي ردة فعله على مبادرة المرأة، في نفس الوقت الذي نرى إحساس التذمر والغيظ الذي اجتاح التلاميذ وربما غيرهم من الحاضرين أيضاً ضد ما رأوه إسرافاً ليس في محله، بدون أي تقدير لما يمر الرب به من مشاعر وأفكار، لأن "اللي إيده في المية مش زي اللي إيده في النار"، لم يهتم التلاميذ إلا بالقيمة المادية للطيب، بينما المرأة – سواء بوعي أو بجهل – كانت تشاركه ألم اللحظة وتخفف عنه. (انقر هنا لتقرأ تفاصيل تضحية مريم وقيمة الطيب)
والرب لا يبيت مديوناً لأحد، لقد قدر الرب هذه المساندة من مريم، وكما أنها وضعت الطيب عليه اعتقاداً منها أن الحنوط يحفظ الجسد إلى الأبد، فقد قرر في المقابل أن يحفظ تقدمتها هذه وتلك المساندة التي قدمتها في ذاكرة الأجيال إلى الأبد أيضاً.
الفضفضة مع الصديق المجهول (متى ٢٦: ١٧ – ١٩)
كان من عادة أهل أورشليم أن يستضيفوا المغتربين القادمين من خارجها لقضاء الفصح، ولا يهم إن كان الضيف والمضيِّف يعرفان بعضهما أم لا، فهو على كل حال واجب ولابد منه، طالما أنت من أهل أورشليم وعندك مكان يصلح لاستضافة أسرة مثلاً، فمتى حضر إليك من له احتياج فالمكان له، لكن من تفاصيل الحدث كما يرويها البشير متى نفهم أن هناك علاقة ما ربطت بين الرب وصاحب العلية... كيف عرفنا هذا؟
أنظر للرسالة التي أرسلها يسوع للرجل: «إِنَّ وَقْتِي قَرِيبٌ. عِنْدَكَ أَصْنَعُ الْفِصْحَ مَعَ تَلاَمِيذِي». (متى 26: 18)، وهناك إجماع من غالبية شراح كلمة الله على أن هذا التعبير "وقتي قريب" يشير إلى اقتراب موعد الموت على الصليب مع ما سيصاحبه من ضربات وعذابات مختلفة، ترى هل كان يمكن أن يصرح يسوع لشخص غريب بأن وقته قريب كما عبر بولس لتلميذه تيموثاوس "فَإِنِّي أَنَا الآنَ أُسْكَبُ سَكِيبًا، وَوَقْتُ انْحِلاَلِي قَدْ حَضَرَ."؟ (2 تيموثاوس 4: 6). هل يمكن ان تتصل بشخص غريب وتطلب منه: صلي لأجلي لأنني مقبل على جراحة خطيرة او عندي جلسة قضية منتظر فيها حكم؟! أتصور أن رسالة الرب يسوع إلى صاحب العلية كانت صرخة قلب في مفاتحة وفضفضة مشابهة لرسالة "التكفين" تلك التي حدثت في بيت عنيا دفاعاً عن المرأة. الرب بيفضفض لصديقه ويقول له "أنا داخل على عذاب وموت". (أنظر تأملنا في مرقس ١٤ عن صاحب العلية والبيت للرب)
يا أحبائي، اصنعوا هذا لذكري (متى ٢٦: ٢٦ – ٣٠):
تخيلوا صديقاً في وسط أصدقائه وهو مزمع أن يفارقهم في رحلة طويلة بعيدة أو أن يموت من أجلهم، وكل شهوة قلبه أن يظل هؤلاء الأحباء يذكرونه وصنيعَه لأجلهم إلى الأبد، هذا ما صنعه الرب في ليلة الفصح هذه. البشير متى هنا يذكر كيف أن الرب بعد أن قدم الخبز والكأس للتلاميذ قال لهم: "وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي مِنَ الآنَ لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ هذَا إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ مَعَكُمْ جَدِيدًا فِي مَلَكُوتِ أَبِي».. (مت ٢٦: ٢٩)، لكن البشير لوقا يسبق هذه العبارة بإضافة تعبير جميل يضفي مفهوماً عميقاً على الحوار كله: "وَقَالَ لَهُمْ: شَهْوَةً اشْتَهَيْتُ أَنْ آكُلَ هذَا الْفِصْحَ مَعَكُمْ قَبْلَ أَنْ أَتَأَلَّمَ" (لوقا ٢٢: ١٥). لقد كان الفصح وما تلاه فيما سمي لاحقاً "عشاء الرب" (١كورنثوس ١١: ٢٠) هو تعبير من الرب نفسه عن تدفق أحشائه بكل ما فيها من مزيج الحزن والرهبة مع مكنونات قلبه من حب نحو تلاميذه، هؤلاء الذين كان مزمعاً أن يفارقهم بعد ساعات قليلة في رحلة ألم لا يمكن لأحد أن يتصورها، وشبع نفسه بالحب المتبادل الذي يراه مستمراً إلى أن يأكل ويشرب معهم جديداً في ملكوت أبيه. (لوقا ٢٢: ١٦، ١٨). ولا شك أن ما أشبعه أيضاً فكرة أن يظل هؤلاء الأصدقاء متمسكين بذكره، ومكررين "العشاء" مرات ومرات ليذكروه خلاله.
![]() |
| خبط الحنطة - عشاء الرب بعد وجبة الفصح. |
خذلان الأحباء: التلاميذ في جثسيماني وبطرس أمام جارية (متى ٢٦: ٣١ – ٤١، ٥٨، ٦٩ – ٧٥)
لك أن تتصور قلب الرب حزيناً وهو يحذر التلاميذ ككل: "كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِىَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّةِ." (متى ٢٦: ٣١)، ثم نراهم وقد غلبهم النوم وناموا تاركين إياه وحده “يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ" (متى ٢٦: ٣٧)، لذلك نراه يعاتبهم «أَهكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟» (متى ٢٦: ٤٠)، ثم انتهى الأمر بأن ما حصل فعلاً هو أنه عندما تم القبض عليه "تَرَكَهُ التَّلاَمِيذُ كُلُّهُمْ وَهَرَبُوا." (متى ٢٦: ٥٦).
ولك أن تتصور الرب يرى بطرس التلميذ المقدام الذي صمم بكل إصرار أنه «وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ!» (متى ٢٦: ٣٥)، ثم يقع في نفس الخطية التي حذره الرب منها حيث أنكره أمام الجواري (متى ٢٦: ٥٨، ٦٩ – ٧٥).
خيانة يهوذا: اقسى طعنة من صديق (متى ٢٦: ١٤ – ٢٥، متى ٢٦: ٤٧ – ٥٠):
تبدأ رواية قصة خيانة الصديق يهوذا مبكراً جداً في متى ٢٦: ١٤ حيث يذهب إلى رؤساء الكهنة ليعرض عليهم صفقة خيانته لسيده، وتستمر رحلة الخيانة لتنتهي بحضور يهوذا مع الجند وقبلة التسليم في البستان، وما بين هذين الحدثين نرى كثير من ملامح الصديق الخائن:
- لاحظ هنا هذا التعبير الذي تكرر مرتين في وصف يهوذا (في نفس السياق): في المرة الأولى نجد البشير متى يقول "وَاحِدٌ مِنَ الاثْنَيْ عَشَرَ" ع١٤، ثم يعبر الرب نفسه عن أسفه وحزنه من خيانة الصديق، فيصفه بالقول "إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ يُسَلِّمُنِي" ع٢١. وأهمية هذا التعبير تكمن في تركيزه على تلك العلاقة العميقة جداً التي ربطت يهوذا بالمعلم والسيد طوال أكثر من ثلاث سنوات، فيهوذا لم يكن "راجل من الشارع" أو معرفة على السريع، أو مجرد مستمع عابر لبعض عظات المسيح أو مستفيد "طياري" من إحدى معجزاته، بل كان الرب ينظر إليه على أنه "وَاحِدٌ مِنَ الاثْنَيْ عَشَرَ"، "١٣إِنْسَانٌ عَدِيلِي، إِلْفِي وَصَدِيقِي، ١٤الَّذِي مَعَهُ كَانَتْ تَحْلُو لَنَا الْعِشْرَةُ." (مزمور ٥٥: ١٣، ١٤)، ومع ذلك، فقد أعمى إبليس هذا "الصديق" فلم يرَ من صديقه وسيده إلا أداة لتحقيق مصلحة أخيرة تافهة وزائلة. (أنقر هنا لتقرأ عن القيمة المعاصرة لثمن الخيانة الذي قبضه يهوذا).
- ثم أن موقع يهوذا على المائدة كان من القرب بمكان بحيث أمكن له أن يكون هو: «الَّذِي يَغْمِسُ يَدَهُ... فِي الصَّحْفَةِ»، في نفس الصحفة التي غمس الرب فيها يده (ع٢٣)، فعلى المائدة، موقع يهوذا من الرب – من بين كل الاثني عشر - لم يكن بعيداً، بل هو إما إلى جواره أو في مقابله حتى يتمكن من أن يغمس يده في نفس الصحفة التي يغمس فيها يسوع نفسه. أي قرب يمكن أن يكون أكثر من هذا حتى يرى بوضوح مقدار غلاوته، والامتياز العظيم الذي تمتع به؟
- ثم تعالوا للمشهد الأخير في البستان، والرب متوقع وصول الجنود، لكن للغرابة نجده لا يتحدث عن الجنود إطلاقاً، بل نجده يقول "قُومُوا نَنْطَلِقْ! هُوَذَا الَّذِي يُسَلِّمُني قَدِ اقْتَرَبَ!". (متى ٢٦: ٤٦، مرقس ١٤: ٤٢)، فالرب يسوع لم يهتم بالجنود والجمع القادمين عليه ليذكرهم، لكن كل ما همَّه وأحزنه أن صديقه الخائن هو المقبل عليه ليسلمه للموت. كل ما اهتم الرب به هو توجيه ذلك العتاب الرقيق من قلب مكسور بسبب خيانة الصديق «يَا صَاحِبُ، لِمَاذَا جِئْتَ؟» (متى ٢٦: ٥٠)، وأيضاً «يَا يَهُوذَا، أَبِقُبْلَةٍ تُسَلِّمُ ابْنَ الإِنْسَانِ؟» (لوقا ٢٢: ٤٨).
جرحت في بيت أحبائي
رحلة طويلة خاضها الرب يسوع من الناصرة إلى أورشليم، ومن بيت لحم إلى الجلجثة، فيها من الخدمة وصنع الخير الكثير، وفيها من الرفض والمقاومة الكثير أيضاً، ولخصها زكريا النبي في نبوته "فَيَقُولُ لَهُ: مَا هذِهِ الْجُرُوحُ فِي يَدَيْكَ؟ فَيَقُولُ: هِيَ الَّتِي جُرِحْتُ بِهَا فِي بَيْتِ أَحِبَّائِي." (زكريا ١٣: ٦). وليس غريباً على إله كل نعمة أنه مع كل ما مر به من عذابات، يظل في كل الأحوال وعلى الدوام أميناً، يقدم محبة غير مشروطة تنتظر منا فقط تجاوباً وصدى لمحبته، "إِنْ كُنَّا غَيْرَ أُمَنَاءَ فَهُوَ يَبْقَى أَمِينًا، لَنْ يَقْدِرَ أَنْ يُنْكِرَ نَفْسَهُ." (٢ تيموثاوس ٢: ١٣). هل سبق وشعرت بخذلان في بيت أحبائك؟ تذكر كيف تعامل الرب يسوع مع هذا الألم.
أسئلة شائعة حول في بيت احبائي – الخيط الرفيع في متى ٢٦
١. لماذا يظهر يسوع بحاجة إلى دعم بشري في متى ٢٦؟
لأنه كان إنساناً كاملاً. حتى وهو ابن الله، شعر بالحزن والاكتئاب والوحدة. يسوع لم يخجل من التعبير عن حاجته للدعم العاطفي في ساعة ألمه..
٢. من أين حصل يسوع على الدعم في هذه الفترة؟
حصل على دعم حقيقي من مريم التي سكبت الطيب الثمين عليه. يسوع دافع عنها بقوة لأنها قدمت محبة غير مشروطة، وقابلت ما يمر به بتعزية وتقدير في الوقت المناسب. وحصل على دعم من صاحب العلية، الذي رحب به وفتح له أبواب بيته.
٣. لماذا واجه يسوع خذلاناً وخيانة من أقرب الناس في نفس الوقت؟
لأن هذا هو واقع الطبيعة البشرية حتى بين الأحباء. يهوذا خانه، والتلاميذ ناموا وهربوا لاحقاً. الرب يسوع عاش هذا التناقض: بعضهم أعطاه حباً، وآخرون خذلوه..
٤. ما معنى "جرحت في بيت أحبائي" (زكريا ١٣: ٦)؟
تعني أن أعظم الجروح تأتي أحياناً من أقرب الناس. الرب يسوع جُرح ليس فقط من أعدائه، بل من أصدقائه وتلاميذه أيضاً، ومع ذلك استمر في محبتهم..
٥. كيف نتعامل مع خذلان الأحباء ونحن نمر بأزمات؟
نتعلم من الرب يسوع أن نتقبل الدعم الذي يأتينا بامتنان (مثل طيب مريم)، وأن نغفر لمن يخذلوننا. كما أنه يعلّمنا أن نستمر في أمانتنا للآب حتى لو خذلنا البشر..


احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..