مت ٢: ١ - ١٨
الفرص لا تحدث وحدها لكن عليك صنعها
أظن هذا أحد الشعارات التي آمن بها هيرودس، وتاريخه يحكي كيف أنه كان رجلاً يعلم ماذا يريد وعمل كل ما في وسعه لتحقيقه، رجل لا يتورع عن عمل أي شيء للوصول إلى ما يصبوإليه، تقرب من اليهود وهو الأدومي ليكسب ثقتهم وقلوبهم بأي شكل حتى أنه أدار مشروع إعادة تجديد الهيكل ليس إرضاءً ليهوه صاحب الهيكل - الذي لم يُعِره هيرودس اي انتباه بصراحة - بل تقرُّباً من اليهود وكسباً لثقتهم، كما أن هيرودس عمل كل ما هو ممكن لكي يكسب ثقة الرومان ليقبلوا سلطته كحاكم تحت اشرافهم. واستكمالاً لمنجزاته، لم يكن عند هيرودس أي نوع من المحظورات في الدفاع عما وصل اليه، فقَتْلُ أقرب الأقربين إليه للدفاع عن ملكه - حتى الزوجة والابناء - كان أقرب إليه من طعامه وشرابه.
![]() |
| خبط الحنطة - قصد الله والأهواء البشرية |
مقولات من نوعية "وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا" و"إسعى يا عبد وانا أسعى معاك" ومثلها الكثير يؤمن بها الغالبية العظمى من البشر (وفيها بعض الصحة طبعاً)، ولكن كثيراً من البشر أصحاب هذه النوعية من الإرادة الحديدية - أمثال هيرودس هذا - تأخذهم الحماسة ورصيد النجاحات والانجازات للدرجة التي فيها لا يقبلون بأي نوع من التعطيل لمشاريعهم، ويلتفون حول كل وجوه التأخير الذي يمكن أن يلاقي تقدمهم فيما يفعلون أو فيما هم مقدمون عليه، وقد يصل بهم العناد - مثلما فعل هيرودس - إلى مقاومة مقاصد الله التي تناقض ما هم مقدمون عليه، ورغم أن هذه المقاصد معلنة لهم وفي غاية الوضوح ("فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْب، وَسَأَلَهُمْ:«أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟»" مت ٢: ٤)، إلا أنهم يحاربون الله لتحقيق اهوائهم ويعتبرون الخضوع له تراجعاً وهزيمة وخسارة.
اقرأ أيضاً: بيت لحم ام الناصرة؟ طفل ام صبي؟
للاسف أمثال هؤلاء ينسون "أنَّ العَليَّ مُتَسَلِّطٌ في مَملكَةِ النّاسِ وأنَّهُ يُعطيها مَنْ يَشاءُ»." (دا ٤: ١٧، ٢٥، ٣٢)، هذا هو الدرس الذي تعلمه "شبيه هيرودس"، أن الله العلي له مقاصد يحققها ليس فقط في سمائه بل حتى وسط الناس في هذا العالم الموضوع في الشرير ولا يمكن أن تقاومه أو تقف ضد عمله مهما أوتيت مما تتصوره حنكة أو مهارة أو قوة عريكة، غير أن نبوخذنصر تعلم هذا الدرس بثمن فادح جداً (دا ٤: ٢٨ - ٣٧).
وجه الرب ضد فاعلي الشر
هذا الدرس يسري على مقاصد الله العامة في الخليقة وفي التاريخ وفي شؤون الناس كما رأينا في حالة هيرودس الذي أراد أن يقاوم الخطة التي رسمها الله لاختراق الزمان والدخول إلى عالمنا متأنساً، وقد خاب سعي هيرودس كما رأينا ولم ينجز إلا مذبحة أطفال جديدة أضيفت إلى رصيد مذابحه التي لم يَسَع سجله الحافل أن يحتويها كلها.
كذلك أيضاً يسري هذا الدرس على شوؤنك الخاصة مهما كنت ترى أنها حريتك الشخصية أن تقرر وأن تختار لنفسك وان لديك من الامكانيات ما يؤهلك لتحقيق ما تريد، لأن الرب يعلم ما لا تعلم ويدرك ما هو لخيرك وخير من حولك بشكل أفضل بما لا يقاس عما تراه أنت خيراً أو شراً. ولعل كلاً منا يمكن أن يسترجع من ذاكرة خبراته الشخصية (أو خبرات المحيطين) ما يثبت كيف كان غبياً بما فيه الكفاية بينما كان الرب رحيماً به عندما لم يسمح له بتحقيق ما كان يحلم به رغم الكفاح المستميت والجهود الجبارة وربما الأموال والوساطات المبذولة.
من الآخر؟ لتكن صلاتك في كل حين مثلما كانت صلاة سيدنا في أحلك أوقاته «يا أبَتاهُ،... فلتَكُنْ مَشيئَتُكَ».(مت ٢٦: ٤٢)
ملحوظة: الصورة معبرة عن موضوع بحثنا، لكن هذا لا ينفي أني من المعجبين بالنجم "راسل كرو" وهذا الفيلم واحد من أفلامه الجميلة.
اقرأ فيما يلي عن يهود عصر المسيح وإن اردت قراءة الموضوع مجمعاً اقرأ فهم الأولويات على هامش الميلاد.
#خبط_الحنطة
4 يناير 2020 - تاريخ النشر في فيسبوك.

احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..