لوقا ٢: ٢٥ - ٣٨
الرجاء المنتظر
ظل اليهود - ومازالوا - ينتظرون مسيح الرب نسل المرأة وابن الإنسان الموعود به في النبوات ليفدي ويخلص شعبه، وحرص البشير لوقا - في روايته لأحداث الميلاد - على ذكر أمثلة لأشواق هذا الشعب في انتظاره للرب، زكريا والرعاة أمثلة، وحتى ترنيمة مريم عبرت عن هذه الاشواق.
لكن يحرص البشير لوقا على الاحتفاظ بمثالين صارخين لهؤلاء المنتظرين، سمعان الشيخ وحنة النبية (لو ٢: ٢٥ - ٣٨)، وانظروا رمزية الانتظار الطويل للشعب كله في العمر الطويل لكلا الشيخين، فسمعان لا يذكر عمره تحديدا لكن يكتفي بالقول إنه "شيخ" (لو ٢: ٢٥)، (بعض التقليد المسيحي الغير مؤكد يقول إنه واحد من الشيوخ الذين قاموا بالترجمة السبعينية قبل أكثر من قرن من ذلك التاريخ)، وحنة ربما وصل عمرها ١١٠ سنة، هذا الانتظار الطويل يستدعي توقُّعنا أن الشعب المنتظر بلهفة سيستقبل مخلصه بكل ترحاب وبتجاوب غير عادي معه كما فعل كلا الشيخين، لكننا نجد العكس يحصل تماماً:
![]() |
| خبط الحنطة - خلاص الله والقلوب العصيَّة |
سقوط ومقاومة
"ها إنَّ هذا قد وُضِعَ لسُقوطِ وقيامِ كثيرينَ في إسرائيلَ، ولِعَلامَةٍ تُقاوَمُ." (لو ٢: ٣٤)
مفارقة غريبة، أليس كذلك؟ أنه مع كل هذا الانتظار نرى "سقوط" و"مقاومة".
"سقوط" في هاوية عدم قبول المخلص الموعود "المنتظر" لقرون طويلة، هذا السقوط بالرفض يستدعي دينونة عتيدة وقضاء مستحَق.
و"مقاومة" شديدة لدرجة القتل لكن ليس عن جهل، لأن الأحداث المسجلة في البشائر الأربعة تشي بكل وضوح أن خدمة الابن المبارك وسط ذلك الشعب كانت واضحة وصارخة جداً لا تقبل جدالاً للدرجة التي فيها قالوا "بَعضُهُمْ لبَعضٍ: «انظُروا! إنَّكُمْ لا تنفَعونَ شَيئًا! هوذا العالَمُ قد ذَهَبَ وراءَهُ!»." (يو ١٢: ١٩)
لقد ظهرت هنا قساوة القلوب المتحجرة التي قررت مع سبق الاصرار والترصد أن تعطي الله القفا لا الوجه رغم ادعائهم انتظاره مخلصاً، لماذا؟ لأن هذا المخلص لم يأتِ على هواهم وبالصورة التي حلموا بها وتخيلوها وطلبوها. (اقرأ: اذهب اليوم اعمل في كرمي)
لذلك قالها عنهم سمعان بروح النبوة عندما خاطب مريم متنبئاً بآلام المخلص المنتظر المرفوض منهم "وأنتِ أيضًا يَجوزُ في نَفسِكِ سيفٌ، لتُعلَنَ أفكارٌ مِنْ قُلوبٍ كثيرَةٍ»." (لو ٢: ٣٥)، فها هو شر الأفكار وسواد القلوب يخرج في صورة رفض لمسياهم الذي انتظروه لقرون لأن المسيا لم يأتي في الصورة التي طلبوه بها وتخيلوه فيها.
"ولكن رؤَساءَ الكهنةِ والشُّيوخَ حَرَّضوا الجُموعَ علَى أنْ يَطلُبوا باراباسَ ويُهلِكوا يَسوعَ. … فقالَ الوالي: «وأيَّ شَرٍّ عَمِلَ؟». فكانوا يَزدادونَ صُراخًا قائلينَ: «ليُصلَبْ!». … وقالوا: «دَمُهُ علَينا وعلَى أولادِنا»." (مت ٢٧: ٢٠ , ٢٣ , ٢٥)
حسابات المصلحة التي تعمي القلوب
أليس هذا ما نراه باستمرار في بوستات الفيسبوك ونسمعه باستمرار على أفواه الناس، نرى طلبات ودعوات وصلوات أن يحفظ الله طريقهم ويسدد خطاهم ويرزقهم الرزق الواسع ويهبهم السلامة لهم ولنسلهم من بعدهم..... الخ، لكنهم في وسط كل هذا لا يوجهون أي اعتبار لطلبات الرب منهم ولناموس الرب المغروس في تلافيف عقولهم وأعماق ضمائرهم. حذاري أن تسِيء فهم نعمة الله ومحبته خطأً فتضعه في "برواز" ترسمه بنفسك تحدد له فيه أحلامك وطموحاتك وتوقعاتك وانتظاراتك وحيث تظل باستمرار في موقع الطالب منه أن يختم بالقبول ويؤمن بالموافقة على صلواتك وتظل تحيا مثل طفلٍ مدللٍ لأبٍ كادح.
حقيقة لا يصح أن نغفل عنها:
نحن موجودون لأجل الرب وليس الله موجوداً لأجلنا وإن كان هو يصنع عظائم في حياتنا فإنه في الحقيقة يعملها لأجل نفسه.
اقرأ أيضاً: ليت اسماعيل يعيش أمامك
"يُقيمُكَ الرَّبُّ لنَفسِهِ شَعبًا مُقَدَّسًا كما حَلَفَ لكَ، إذا حَفِظتَ وصايا الرَّبِّ إلهِكَ وسَلكتَ في طُرُقِهِ. فيَرَى جميعُ شُعوبِ الأرضِ أنَّ اسمَ الرَّبِّ قد سُمّيَ علَيكَ ويَخافونَ مِنكَ." (تث ٢٨: ٩ - ١٠)
"الّذي سيَّرَ ليَمينِ موسَى ذِراعَ مَجدِهِ، الّذي شَقَّ المياهَ قُدّامَهُمْ ليَصنَعَ لنَفسِهِ اسمًا أبديًّا، الّذي سيَّرَهُمْ في اللُّجَجِ، كفَرَسٍ في البَرّيَّةِ فلَمْ يَعثُروا؟ كبَهائمَ تنزِلُ إلَى وطاءٍ، روحُ الرَّبِّ أراحَهُمْ». هكذا قُدتَ شَعبَكَ لتَصنَعَ لنَفسِكَ اسمَ مَجدٍ." (إش ٦٣: ١٢ - ١٤).
#خبط_الحنطة
لو لم تكن قرأت عن الاولويات الاخرى، يمكنك ان تبدأ بـ الايمان الحقيقي والعبادة الشكلية، كما يمكنك قراءة الموضوع مجمعاً: فهم الاولويات على هامش الميلاد.
٩ يناير ٢٠٢٠ – تاريخ النشر في فيسبوك
اقرأ أيضاً: أرخبس.

احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..