أثناء حياتنا تنغرس فينا دروس ومفاهيم تحدد إلى حد بعيد كيف نخطط برنامج لحياتنا، كيف نفكر ولماذا نفضل هذا ونترك ذاك وعلى أي أساس نحدد أولوياتنا واختيارتنا وقراراتنا البسيط فيها والمصيري. يساهم في هذه الدروس - إلى حد بعيد - العادات والتقاليد المحيطة وظروف التربية والتعليم والإعلام والمجتمع المحيط والثقافة التي نتأثر بها قراءةً أو سماعاً ومشاهدة.
لكن الكتاب المقدس يعلمنا أن "العالَمَ كُلَّهُ قد وُضِعَ في الشِّرّيرِ." بينما "نَعلَمُ أنَّنا نَحنُ مِنَ اللهِ" (١يو ٥: ١٩) لذلك من الحمق أن نتصور أن ما يغرسه فينا هذا العالم من مبادئ وما يحدده من أولويات يمكن أن يكون صحيحاً ويؤدي إلى مُخرَجات صحيحة. لذلك، ومن الأصحاحات الاربعة التي تروي قصة الميلاد (متى ١، ٢، ولوقا ١، ٢) وعلى هامش احداث الميلاد نرى كيف حدد شخصيات القصة أولوياتهم؟ وهل كان هذا مع أو ضد هذا البرنامج الشرير الذي يغرسه العالم.
الشخصيات هي: زكريا الكاهن - اليصابات - يوسف النجار - مريم العذراء - الملك هيرودس - شعب اسرائيل.
![]() |
| خبط الحنطة - الإيمان الحقيقي والعبادة الشكلية |
زكريا يمارس العبادة
لوقا ١: ٥ - ٢٣
وهو يمارس عمله الكهنوتي الذي لابد قد أعد نفسه له إعداداً جيداً، وبعد أن يستكمل عمله المتميز لهذا اليوم في ترتيب البخور على المذبح الذهبي في الفرصة التي كان يحلم به لشهور وسنين طويلة ولا تأتي لكاهن مثل زكريا إلا مرة واحدة في العمر (بسبب العدد المهول من الكهنة الذين تلقى بينهم القرعة)، وها هو يرى ويشم البخور الذي يشير إلى صلوات المؤمنين التي تصعد رائحة سرور أمام الرب ليستجيبها، وبعد أداء الصلوات التي يحددها الطقس داخل الهيكل الفخم المطعم بالذهب وبثمين الأحجار وبالنقوش المبهرة، كان المفروض على زكريا أن يخرج إلى جمهور الشعب المنتظرين في الخارج وسط الأعمدة الضخمة والأبواب المنقوشة والحوائط المزينة ليباركهم ببركة هارون (عد ٦: ٢٣ - ٢٦) ومن ثم ينصرف الشعب إلى حال سبيلهم موقنين بأن صلواتهم قد استمعها الله من عليائه، لكن مع الاسف بالتأمل قليلاً في القصة الكتابية نرى الكاهن يتأخر في الخروج، هذا الكاهن - الذي يصفه الكتاب نفسه بأنه "سالِك في جميعِ وصايا الرَّبِّ وأحكامِهِ بلا لومٍ." (لو ١: ٦) – نكتشف أنه في ممارسته للعبادة يمارس طقوساً شكلية خالية من أي جوهر تماماً كالنقوش والزخارف المحيطة، الأمر الذي يعد مخالفة للمفروض "لأنَّهُ يَجِبُ أنَّ الّذي يأتي إلَى اللهِ يؤمِنُ بأنَّهُ مَوْجودٌ، وأنَّهُ يُجازي الّذينَ يَطلُبونَهُ." (عب ١١: ٦)، وهذا الاكتشاف جاء لأننا رأينا زكريا عند المحك الحقيقي عند استماعه لكلام الملاك وكيف لم يتحول إيمانه إلى ثقة في الله وتصديق لما تلقاه من وعد إلهي («لأَنَّكَ لَمْ تُصَدِّقْ كَلاَمِي الَّذِي سَيَتِمُّ فِي وَقْتِهِ». لو ١: ٢٠)، فزكريا الذي نراه يقدم الصلوات عن الشعب الآن لم يصدق ان صلواته هو نفسه التي يصليها من سنين قد حان موعد استجابتها، من أجل ذلك اصابه الخرس (وربما الصمم أيضاً)، وكانت النتيجة أنه لم يعد قادراً على استكمال ما بدأه من إجراءات العبادة وطقوسها الشكلية، لما رأى الشعب زكريا على حاله التي خرج بها فهموا أنه أبصر رؤيا وقبلوا بالأمر الواقع، وكأننا نرى في اخراس زكريا صورة رمزية لإبطال هذه العبادة التي تقوم على ممارسات شكلية وكلمات جوفاء لم يعد للعمق الإيماني أي مكان فيها.
(اقرأ أيضاً: النذير - دعوة للتميز)
عدم الايمان يبطل العبادة
وهذا هو درس الأجيال المتعاقبة أن عدم الإيمان يبطل العبادة مهما كانت فخامة شكلها، لأنها تصبح خالية من أي جوهر. هذه دينونة الله في كل عصر لأي عبادة شكلية سطحية لم تَنتُج عن إيمان قلبي عميق وبديهي أيضاً انها لن تُنتِج هذا الإيمان.
زكريا صورة رمزية للشعب كله
يمكننا هنا أيضاً أن نرى في زكريا صورة رمزية للشعب بالكامل، هذا الشعب الذي تحولت العبادة معه إلى ممارسات شكلية تخلو من إيمان حقيقي يلهب العلاقة الشخصية لأفراد هذا الشعب مع الله حيث لم يكن ايمان زكريا وكذلك الشعب كافياً لقبول كلام الله المرسل"مُرَتَّبًا بمَلائكَةٍ في يَدِ وسيطٍ." (غل ٣: ١٩)، وهكذا نرى في هذا القضاء المؤقت على زكريا - بإخراسه عن استكمال العبادة - رسالة عن حتمية استبدال هذه العبادة الطقسية العتيقة المتمسكة بالشكل دون الجوهر بعبادة جديدة "طَريقًا كرَّسَهُ لنا حَديثًا حَيًّا" (عب ١٠: ٢٠) يوصل الى الله قد بدأ الرب في تنفيذه على الأرض بميلاد يوحنا ابن هذا الكاهن ضعيف الايمان.
ماذا عن أولويات أليصابات زوجته؟ اقرأ عنها في الرسالة السماوية والعطية التلقائية.
أما عن كل الاولويات فانقر هذا الرابط: فهم الأولويات على هامش الميلاد
#خبط_الحنطة
٢٧ ديسمبر ٢٠١٩ – تاريخ النشر في فيسبوك
الجزء الأول | اليصابات العاقر والعطية السماوية ←

احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..