-->

على هامش الميلاد (٤): فدائية مريم - عمل الله وراحتها الشخصية

 (لوقا ١: ٢٦ - ٥٥)

حلم كل البنات

على نفس مثال يوسف النجار لا شك كانت هذه الشابة الصغيرة تحلم - مثل كل البنات - ببيت وأسرة وأبناء وأحفاد وحياة هادئة ليس فيها ما يكدر (على قدر الإمكان طبعاً)، صحيح أنها لابد حلمت كغيرها من بنات إسرائيل أن تكون هي أم المسيا الذي ينتظره الكل، لكنها - كغيرها أيضاً - لم تكن تتخيل الكيفية التي بها سيخترق "ابن الانسان" الموعود هذا (دا ٧: ١٣) أرضنا وشعب إسرائيل ونسل داود لينتسب إليهم، لكنها - على الأغلب - كانت تقول لنفسها هو عمل الله والله كفيل بإتمام عمله بالطريقة التي يراها.

الواقع أصعب والمهمة شاقة

ما سبق لابد أن مريم كانت تقوله لنفسها. لكن في لحظة حاسمة من حياتها فوجئت بحلمها وحلم البنات يظهر أمامها شخصياً في صورة ملاك يوصل إليها التكليف بالمهمة ويشرح لها ما كان مبهماً عند الجميع، وتجد نفسها أمام مسؤولية عظيمة تقلب الحياة رأساً على عقب، ولا تجد مريم بداً من أن تسأل السؤال البسيط: "كيف؟"، ويأتي الجواب بكل التفاصيل ما عظُم على عقلها الصغير أن يستوعبه وما كان ممكناً لها استيعابه، وهذا الأخير تحديداً كان مرعباً بكل تأكيد، ترى ماذا سيقول الناس عنها؟ وكيف ستعيش وتتصرف بينهم؟!

صورة جملة "لا استطيع عملها" ويد تمسك بمقص وتقص كلمة "لا"
خبط الحنطة - عمل الله والراحة الشخصية

الايمان يتغلب على الصعاب

هل استوعبت مريم كل شيء في خطة الله لكي تقبل بالمهمة؟ طبعاً لا، بل ظلت مريم تراقب الأحداث من حولها حتى في الاوقات اللاحقة وتعمل الفكر فيها:

"وأمّا مَريَمُ فكانتْ تحفَظُ جميعَ هذا الكلامِ مُتَفَكِّرَةً بهِ في قَلبِها." (لو ٢: ١٩)

وهذا هو الإيمان في أجلى صوره، مريم آمنت أنه إن كان الله قادراً على صنع ما نظنه مستحيلاً (أن عذراء تحبل وتلد دون أن تعرف رجلاً) أليس بديهياً أنه يستطيع أن يتصرف فيما يدور بين الناس؟! أكيد هو قادر على ذلك. لهذا قبلت المهمة بكل فدائية:

«هوذا أنا أمَةُ الرَّبِّ. ليَكُنْ لي كقَوْلِكَ». (لو ١: ٣٨)

هذا كل ما قالته مريم للملاك، وكأن لسان حالها بالسليقة وبكل تلقائية يسير في السياق الذي علَّم به إبنها لاحقاً "كذلكَ أنتُمْ أيضًا، مَتَى فعَلتُمْ كُلَّ ما أُمِرتُمْ بهِ فقولوا: إنَّنا عَبيدٌ بَطّالونَ، لأنَّنا إنَّما عَمِلنا ما كانَ يَجِبُ علَينا»." (لو ١٧: ١٠).

وأنظر أيضاً ترنيمتها الخالدة في الأعداد ٤٦ إلى ٥٥ التي فيها تركز على الامتياز والأمجاد المنتظرة وتتناسى تماماً الحياة العادية التي حلمت بها كل البنات، كما غضت مريم الطرف عن الهم والمسؤولية الملقاة على عاتقها من عمل الرب كأنه أمر بسيط.

يكفي أن نتخيل أماً تعيش العمر كله تنظر لابنها بينما يدور في مخيلتها ما قاله سمعان الشيخ: "وأنتِ أيضًا يَجوزُ في نَفسِكِ سيفٌ." (لو ٢: ٣٥) وهي لا تعلم ماهية هذا "السيف" وكيف سيكون.

خليك فاكر، نحن لا نتذكر هذه الأحداث للتسلية وتضييع الوقت أو لاستعراض عضلات كتابة ووعظ، أو علشان تمصمص شفايفك وتقول برافو عليها مريم، لكنها دروس لك شخصياً ولي معك "انظُروا إلَى نِهايَةِ سيرَتِهِمْ فتمَثَّلوا بإيمانِهِمْ." (عب ١٣: ٧).

ماذا عن هيرودس؟ اقرأ قصد الله والاهواء البشرية، وإن أردت، اقرأ الموضوع مجمّعاً في فهم الاولويات على هامش الميلاد).

#خبط_الحنطة

٣ يناير ٢٠٢٠ - تاريخ النشر في فيسبوك

سلسلة: فهم الأولويات على هامش الميلاد
الجزء الرابع
→ الجزء الثالث | الجزء الخامس ←
تعليقات