-->

على هامش الميلاد (٣): شهامة يوسف والحياة التقليدية

مت ١: ١٨ - ٢٥

حياة تقليدية أم مسؤولية سماوية؟

يوسف هذا النجار البسيط كأي رجل عادي لابد أنه كان يعيش حياة تقليدية عادية مثله مثل كل معاصريه، ولابد أنه كان يحلم ببيت صغير وأسرة، زوجة وأولاد من صلبه يعلمهم صنعته ويكبرون أمام عينيه ويتزوجون وينجبون أطفالاً وتستمر دورة الحياة، حتى مع معاناة الحاجة وبساطة الحياة التي عاشها لكن هذه هي الحياة التي عرفها ولا يعرف غيرها، وجيلٌ يسلم جيلاً، أليست هذه هي "سُنَّة الحياة" كما يقولون؟ أليس هو مثله مثل كل الأحياء الباقين؟

لكن لا، قِف عندك! ليس يوسف كالأحياء الباقين، لقد اختارته المشيئة الإلهية ليكون عنصراً فاعلاً في خطة سماوية، هذه الخطة قلبت حياته وكيانه رأساً على عقب، أن يتورط في مسؤولية عن ابن ليس من صلبه فهذا لا شك أمر صعب، فما بالك إن كان هذا الابن هو ابن الله وديعة السماء للأرض التي أصبح يوسف نفسه مسؤولاً مسؤولية مباشرة عنها، هذا بالتأكيد أصعب، لكن الأكثر صعوبة هو أن كل هذا يصل إلى علم يوسف عن طريقين فقط:

صورة افراد يحملون جسراً ليمر فوقه اشخاص اخرون
خبط الحنطة - عمل الله والحياة التقليدية

الاول: على الأرجح هو عن طريق مريم نفسها والتي يبدو أنه تردد في أن يثق فيها، لذلك يعرفنا الوحي المقدس انه كان متفكراً في أن يتخلى عنها (مت ١: ١٩).

الثاني: عن طريق ملاك رآه في حلم يقول له «يا يوسُفُ ابنَ داوُدَ، لا تخَفْ أنْ تأخُذَ مَريَمَ امرأتَكَ. لأنَّ الّذي حُبِلَ بهِ فيها هو مِنَ الرّوحِ القُدُسِ.» (مت ١: ٢٠).

 (انقر هنا لتتابعنا)

هذا موقف صعب جداً على يوسف ويشمل الكثير من التعقيدات التي كان ما أغناه عنها، كيف يخرج من الحياة الروتينية (حياة "ماشية لوحدها") التي يجوز أن نقول إنها تسير بقوة "القصور الذاتي" والتي يعرفها يوسف جيداً ورأى المئات من حوله يحيون مثلها بل وربما هو نفسه عاش هذه الحياة التقليدية من قبل (يعتقد البعض أن يوسف ربما كان أرملاً في ذلك الوقت)، كيف له أن يتنازل عن حياة تقليدية بسيطة كهذه ليستلم مسؤولية عمل الله. وبرغم ما في هذا العمل من وقود يلهب أحلاماً انتظرتها عشرات الأجيال السابقة من الأمة الإسرائيلية لكن تبين أنه عمل صعب جداً، كيف يستلم هذا العمل بكل ما فيه من أمور تبدو شائكة وصعبة ونهايتها مجهولة مثل بدايتها تماماً؟! ومع هذا قبل يوسف بالمهمة وأداها بكل شهامة واحساس بالمسؤولية، كما أنه أدى المهمة كجندي مجهول.

اقرأ أيضاً: بيت لحم ام الناصرة؟ طفل ام صبي؟

مسؤولية على كل مؤمن

خليني ابشركم، ليس يوسف فقط بل كل مؤمن مسيحي - بلا استثناء واحد - مدعو لأن يعيش مثل هذه الحياة الغير طبيعية والغير تقليدية مع اختلاف التفاصيل في شكل هذه المسؤولية الملقاة على عاتقه. (اقرأ: المنتدب. عملت ما عندها).

هل تريد اثباتاً لكلامي؟ يكفيني هنا ما قاله رب المجد نفسه عن هذه الحياة:

"«اُدخُلوا مِنَ البابِ الضَّيِّقِ، لأنَّهُ واسِعٌ البابُ ورَحبٌ الطَّريقُ الّذي يؤَدّي إلَى الهَلاكِ، وكثيرونَ هُمُ الّذينَ يَدخُلونَ مِنهُ! ما أضيَقَ البابَ وأكرَبَ الطريقَ الّذي يؤَدّي إلَى الحياةِ، وقَليلونَ هُمُ الّذينَ يَجِدونَهُ!" (مت ٧: ١٣ - ١٤)

لاحظ في الشاهد السابق كلمة "يجدونه" هذه! لاحظ مقدار الحرص والبحث "المثابر الإرادي" الذي تعبر عنه الكلمة "يجدونه"، لأن - بكل بساطة - ليس كل البشر راغبين في ركوب المغامرة في عمل الله والتخلي عن حياة "القصور الذاتي" التقليدية، حتى لو كانت حياة القصور الذاتي السهلة هذه "طريق واسع" لا يوصل إلا إلى "الهلاك" كما قال لنا الرب، ومع ذلك مازال الاكثرون راغبين فيها، وبكل حماقة لا يتنازلون عنها.

عليك أن تختار كما اختار يوسف.

اقرأ عن العذراء مريم بخصوص عمل الله والراحة الشخصية، وإن شئت قراءة الموضوع مجمعاً انقر فهم الاولويات على هامش الميلاد.

#خبط_الحنطة

2 يناير 2020 - تاريخ النشر في فيسبوك

سلسلة: فهم الأولويات على هامش الميلاد
→ الجزء الثاني | الجزء الرابع ←
تعليقات