يوجد ٥ اصحاحات في نهاية سفر القضاة لا ترد في السياق التاريخي لتسلسل القضاة الموجود في الأصحاحات ال١٦ الأولى، لكنها تحتوي على قصتين حدثتا في وقت ما في ذلك العهد البعيد – دون تحديد التوقيت - ليبينا ما كان عليه حال الشعب. ولسبب أو آخر لا يكثر الوعاظ والمتأملين من الذهاب الى هاتين القصتين.
+ إبن أُمِه
سفر القضاة ١٧، ١٨ يحكي قصة ميخا ذلك الرجل الموسر من سبط افرايم الذي يملك ضيعة كاملة باسمه يسكنها أبناء عمومته ورجاله العاملين لحسابه، يُعتَقَد أن أمه أرملة غنية توافرت معها الأموال الكثيرة ورأت أن "تكرم الله" (لا تنس هذا) وتخفف عن ابنها وعن نفسها عناء السفر إلى شيلوه لتقديم العبادة إلى الله (حيث امر الرب ان كل عبادة له ينبغي ان تقدم هناك في خيمة الاجتماع)، فقررت الأم ان تصنع من جزء من أموالها تمثالين يضعهما "الإبن البار" في مكان متميز يكون للعبادة، وعين الابن ميخا أحد أبنائه ليكون كاهناً، رغم ان الكهنة طبقاً للوصية ينبغي ان يكونوا من نسل هارون من سبط لاوي.
![]() |
| عبادة المال |
س: يعني ميخا وأمه عملا هذا إكراماً ليهوه إله إسرائيل؟
- "نعم"
س: وبحسن نية؟
- "نعم" كما يتصور الكثيرون
س: كل هذا بالرغم من الوصية الثانية التي تنص على ان: "٤لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ.٥لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ" (خروج ٢٠: ٤، ٥)؟
- "نعم" عَمِلا ما عَمِلا بالرغم من هذه الوصية.
س: هل انتهى الأمر عند هذا الحد؟
- طبعاً لا، فلقد حضر اليه بالصدفة شاب مهاجر صغير السن من سبط لاوي كان قد ضاق به الحال حيث كان يعيش فخرج الى ارض الله الواسعة يبحث عن رزقه في مكان جديد، واعتبر ميخا (الأفرايمي) ان تعيين الشاب (اللاوي) كاهناً عنده لخدمة "هذه التماثيل" هو أفضل "إكرام لله"، لأنه هكذا يكون "أكثر التزاماً" بوصية الله حيث يتقرب إليه من خلال كاهن من سبط لاوي ("فَقَالَ مِيخَا: «الآنَ عَلِمْتُ أَنَّ الرَّبَّ يُحْسِنُ إِلَيَّ، لأَنَّهُ صَارَ لِيَ اللاَّوِيُّ كَاهِنًا»" قضاة ١٧: ١٣)....
يا سلام! ليس في الإمكان أبدع مما كان!
هل ترى أي غرابة او تناقض مع المنطق في كل ما حدث؟
+ ماتستغربش.. حفيد موسى رجل الله
+ طيب، سنقول إن المشكلة في عائلة صغيرة غنية تصنع تماثيل وتظن انها تتعبد من خلالها لله، والسبب قد يكون "جهلهم بالوصية"؟؟
- ممكن!
+إذاً، ماذا عن هذا الشاب اللاوي الذي "كهن لأصنام" في خدمة هذه العائلة، هل هذا جهل بالوصية أيضاً؟
- مش معقول! هذا من سبط لاوي، وهو السبط الموكول اليه تعلم الشريعة وتعليمها للناس، فهو يعرف أن هذا تعدي على وصية الرب ومخالفة لإرادته (خروج ٢٠: ٤ – ٦)، وهو عمل هذا علشان "أكل العيش".
- أكمل لك المفاجأة كمان؟ عاوز تعرف ما هو الاسم الكامل لهذا الشاب اللاوي؟
انه "يَهُونَاثَانُ ابْنُ جَرْشُومَ بْنُ مَنَسَّى." (قضاة ١٨: ٣٠)
- أين الصدمة؟
يعتقد كثير من شراح كلمة الله أن الاسم ليس "منسى" بل هو "موسى" وأن خطأً في النسخ تسبب في كتابة حرف النون بديلاً عن حرف الواو، فهذا الشاب بكل أسف هو الحفيد المباشر لموسى رجل الله.
+ وما هي المشكلة؟ إنها مشكلة محصورة في نفر واحد: اللاوي الشاب؟! نفر واحد + عائلة واحدة، يعني في النهاية هو عدد "محدود جداً" من الافراد المعدودين!
- طبعاً لا! لأن الأمر تطور لما هو أبعد وأوسع من هذا وفي سبط كامل.
+ وثنية سبط دان.. العطب مستشري
في (قضاة ١٨: ١١ – ٢٦) نرى "عشيرة كبيرة" من "سبط كبير" هو سبط دان (الثاني في التعداد بعد يهوذا)، يرتحلون مهاجرين من مكان الى مكان آخر بحثاً عن عيشة أفضل، وها نحن نرى الآلاف من هذا السبط يمرون بضيعة ميخا اثناء هجرتهم، وها هم يجدون الشاب اللاوي والتمثالين وأدوات العبادة الأخرى فيطمعون في الكل ويغرون اللاوي الشاب بأنه من الأفضل له أن يكون كاهناً لـ"سبط كامل" بدلاً من الحال الذي هو عليه ككاهن لعائلة واحدة، فيستجيب لهم اللاوي الشاب ويذهب معهم، وطبعاً يحاول ميخا الدفاع عن "آلهته" الملاكي وعن "كاهنه" الملَّاكي، لكنه يفشل ويضيع منه الكل.
هل ترى أي غرابة او تناقض مع المنطق في كل ما حدث؟ هذا ما نبلوره في التعبير الذي قاله إبراهيم لله في وقت سابق: «لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَعِيشُ أَمَامَكَ!» (تكوين ١٧: ١٨).
ملحوظة مثيرة للاهتمام: بداية فساد "رسمي" في إسرائيل.
هل تظنها مفارقة عجيبة أن تصبح منطقة سكنى هذا السبط "دان" بعد قرون مقراً لعبادة وثنية رسمية وبأمر ملكي؟ (١ملوك ١٢: ٢٨ - ٣٠)
لا أظن، لأن البدايات تنبئ بالنتائج وبالنهايات، ما لم يكن هناك توبة حقيقية.
![]() |
| خبط الحنطة - الوثنية الحديثة |
++ أمر طبيعي لا داعي للاستغراب
الحقيقية أن ما حدث هو أمر طبيعي ومنتج طبيعي لطبيعة بشرية هذه امكانياتها وبيئة بشرية هذه ثقافتها، فالبشر منذ فجر الإنسانية وبعد السقوط لم يعودوا قادرين على تواصل حقيقي مع الله، لذلك لم يستوعبوا ما أراد الله منهم أن يعيشوه، ومع الأسف كانت كل اختياراتهم أرضية مادية ساقطة فاشلة تبدو في ظاهرها - أو هكذا يرونها - "أفضل ما يمكن".
تريد استكمال الأمثلة لما يبدو في ظاهره "أفضل ما يمكن"؟ تعالَ معايا واقرأ الجزء التالي الاختيارات الفاشلة.
اما إذا كنت تريد قراءة الموضوع كله مجمع؟ اقرأ: ليت اسماعيل يعيش أمامك.
٩ فبراير ٢٠٢١ – تاريخ النشر في فيسبوك.


احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..