في واحد من المقالات السابقة، أحد القراء الأفاضل كتب التعليق التالي بما فيه من تساؤلات "مشروعة"، ورغم أنني أجبته باختصار هناك بنعمة الله لكني فضلت إفراد مقال خاص لإعادة نشر الرد عليه.
تساؤلات حول الله والشر
إن كان الاله مصدر المحبة والخير وابليس هو مصدر جميع الشرور كما جاء في مقالك "الله والشر... الجدلية اللانهائية"، شويه اسئلة دارت في عقلي [عقل المتسائل] وانا أقرأ:
اولاً: من أين أتي الشيطان؟
ثانيا: من سمح للشيطان بأفعال الشر؟
ثالثاً: هل كان الإله علي علم بما سيفعل الشيطان من شرور قبل ان يخلقه ومع ذلك خلقه؟
ان كان الأمر هكذا فالإله بذلك اراد الشر واراد استمراره، وإذا كان لا يعلم بما يفعله او سيفعله ابليس، إذن هو إله ينقصه العلم، علم الغيب، وحاشا لله طبعاً.
رابعاً: هل الشيطان سبب الزلازل والبراكين والكوارث الطبيعية اللي بتهلك آلاف البشر مؤمنين وكفار؟
خامساً: لماذا لا يتدخل الإله ويمنع الشر وهو كلي القدرة وليس كمثله شيء؟
![]() |
| خبط الحنطة - الكبرياء مصدر البلايا |
الرد على تلك التساؤلات:
حرية الإرادة والشر
الحقيقة أن "معظم" هذه الأسئلة تصدر في الغالب عن خلفية محاطة بالقدرية المطلقة وبالتالي يكون الله - بناءً عليها - هو المسؤول عن كل شيء الأمر الذي يتسبب في عقبة كبيرة أمام فهم حقيقة الأمر وكيف يمكن أن توضع الأمور في نصابها. وفي الواقع، هناك كلمتان يحل لنا بهما الإيمان المسيحي هذه المعضلة: "حرية الإرادة" للمخلوقات العاقلة، فالله سبحانه شاء أن من ينتمي إليه يجب أن يكون بناءً على اختيار حر من خلاله يعلم هذا المخلوق ان خيره كله هو في البقاء في صف خالقه الذي يحبه وأن يسير طبقاً لكتالوج المصنع لكي يظل في أفضل حال، فالله لا يريد أن يأتي اليه الإنسان مجبراً بل باختياره الحر. (لاحظوا أني قلت "ينتمي إليه" ولم أقل "يعبده" لأن العبادة ليست هي الهدف الأسمى حيث أن الله يريد أبناءً أحراراً وليس عبيداً).
الشيطان لم يخلق في الأصل شيطاناً هكذا لكنه كان ملاكاً خلق في حالة البراءة بل انه كان – في الواقع - جنرالاً كبيراً وقائداً لطغمات من آلاف الملائكة (حزقيال ٢٨: ١٢ - ١٨)، لكنه "تمرد" على وضعه هذا ورغب في ان يتعظم أكثر: "١٣وَأَنْتَ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ، وَأَجْلِسُ عَلَى جَبَلِ الاجْتِمَاعِ فِي أَقَاصِي الشَّمَالِ.١٤أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ السَّحَابِ. أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ." (إشعياء ١٤: ١٣ - ١٤). وتمرد مع إبليس آلاف من جنوده.
الإنسان أيضاً رغم أنه خلق في حالة البراءة التي لم يشبها شر، لكنه "تمرد" على وضعه على مثال وبتحريض من ابليس: "بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ." (تكوين ٣: ٥).
تمرد الشيطان والكبرياء
لاحظوا ان التمرد في الحالتين كان نتيجة كبرياء ورغبة في الحصول على وضع أفضل مما هم فيه (كما تصوروا)، لكن الحقيقة إن ما حدث يشبه محاولة استخدام جهاز كهربائي أو اليكتروني بأسلوب وتحت ظروف مخالفة للكتالوج الموضوع له ليعمل بالشكل الصحيح. وكانت نتيجة التمرد في الحالتين (ابليس والانسان) هو تخريب كل من السوفتوير والهاردوير لهذه المخلوقات.
طبعاً النتيجة المحتومة هي أن:
تشوهت طبيعة الملائكة المتمردة وأصبح التمرد والعصيان هو الفيروس المدمر الذي يملأ كل كيانهم ظلمة بشعة، وهم يعلمون أنهم يعلمون أنهم أصبحوا مطرودين من محضر الله إلى الأبد بما في ذلك من عواقب.
وتشوهت طبيعة البشر واصبح السائد والطبيعي فيهم هو التمرد والعصيان والانسياق للملذات وكراهية كل ما هو إلهي، كل ما هو أخلاقي، كل ما فيه اتضاع وطاعة لله، وهذه الطبيعة المشوهة لا شفاء منها، كل واحد فينا داخله وحش كاسر متمرد وعربيد ينتظر الفرصة لينطلق، وهذا يشبع في قلب إبليس تلك الرغبة في التسلط والتألُّه حيث يرى مليارات من البشر تتبعه وتساق خلف تحريضاته، وبالتالي يتولى جنوده خداع البشر وتحريضهم ليستمروا في العصيان بل ويجعلون البشر يظنون أنهم مستمتعون بهذا العصيان. وبالتالي فالبشر أيضاً مغضوب عليهم لهذا السبب، والنهاية الطبيعية لهم هي نفس نهاية مخادعيهم من جنود إبليس.
![]() |
| خبط الحنطة - البشر مخلوقين أحرار الإرادة |
بالإضافة لهذا كله، حتى الطبيعة تشوهت نتيجة لذلك: "٢٠إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ.....٢١لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ.....٢٢فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ." (رومية ٨: ٢٠ - ٢٢)، يعني الأمراض والأوبئة والزلازل والبراكين والحيوانات المفترسة..... الطبيعة كلها انقلبت وتمردت أيضاً نتيجة لما حدث من تمرد رأس الخليقة (الإنسان).
+ هل الله لم يكن يعلم بهذا مسبقاً؟
- بالتأكيد كان يعلم...
+ طيب ليه لم يعمل شيئاً ليتفادى حدوثه؟
- علشان "حرية الإرادة"، ولأجل حرية الإرادة اختار الله ان يترك للبشر حرية ارادتهم، لكنه دبر الخطة باء Plan B التي تبقي للبشر على حرية ارادتهم لكنها في نفس الوقت تعالج من يرغب فيهم في الخلاص من هذه المأساة التي نعيشها جميعاً... هذه الخطة هي محور الإيمان المسيحي كله، الذي اشجعك - وكل قارئ - أن تأخذ وقتاً كافياً لتقرأ وتسمع عنها بالتفصيل، فلا يسعنا تلخيصها هنا أبداً.
+ لماذا لا يتدخل الله ويمنع الشر بشكل حاسم ونهائي؟
١. لأن الله أسمى من عقولنا وعنده جدوله الزمني الذي يتحرك به بما يختلف تماماً عما نعتقده نحن أو نفكر فيه، يكفي فقط أن نشكره من أجل ما أعلنه لنا في الكتاب المقدس في حدود قدرتنا على الفهم.
٢. كما أننا نعلم أن العالم كله ذاهب إلى الدمار التام والنهاية المحتومة لشره، لكن الله وحده الذي عنده التوقيت.
٣. ولا يجب أن ننسى ان صبر الله وطول أناته هو فرص جديدة للشرير ليتوب ويرجع فينجو من النتيجة المحتومة لشره لو أنه استمر في الشر. "أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟" (رومية ٢: ٤)
٤. ولا ننسى أيضاً ان الله يتدخل مرات عديدة في الظروف المحيطة بنا ليمنع عنا حوادث وشروراً عديدة قد ندري بها أو لا ندري، هذا يسمى "عناية الله". يعني هو مش ساكت لكن "مطول باله"، وأظن أنه من الجيد أن نتذكر الحكمة التي تقول "اتقِ شر الحليم اذا غضب". اقرأوا من فضلكم "العناية الإلهية وسلطان الله"
#خبط_الحنطة


احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..