-->

ليت اسماعيل يعيش أمامك (٣): نيقوديموس والأحلام القومية

+ احلام ابن ابراهيم

الحلم القومي في الكتاب المقدس يمثله هذا الرجل الذي هو عينة فردية من تلك "المنظومة الفكرية" التي أسلفنا الإشارة إليها، نشاهد في يوحنا ٣ نيقوديموس الفريسي معلم اليهود (كان يحمل أعلى الشهادات في العلم الشرعي)، وهو جاء إلى يسوع ليلاً يشغله - في الأغلب – ما يشغل كل الأمة: المسيا الذي سيحقق "ملكوت الله" في هذه الصورة المادية الرائعة في نظرهم (رغم محدوديتها).

صورة رمزية لشخص متكئ على بيت ويحمل في اليد الأخرى كيس نقود
لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا

أتصور حال نيقوديموس وهو مقبل للحوار مع الرب يسوع وهو يريد أن يعرف منه عن الملكوت بينما لسان حاله - كما هو لسان حالنا جميعاً - يقول: ليت إسماعيل يعيش أمامك! يا رب انا راضي بإسماعيل هذا الذي أُنجِزُه وينجزه جسدي وعقلي والذي لا اعرف سواه ولا أُتقن التعامل مع غيره ولا بغيره.... والرب إذ قرأ أفكاره يبادره القول بدون مقدمات:

«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ» (يوحنا ٣: ٣).

+ يولد من فوق! هل يعني هذا أن هناك من هو من أسفل؟ هل يعني أن ما أطلبه هو من أسفل؟

طبعاً... «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ. اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ.»  (يوحنا ٣: ٥، ٦)

(لاحظ ان الرب هنا يأتي على ذكر "الروح والماء"، كما أتى المعمدان على ذكر "الروح والنار" في توازي واضح).

نيقوديموس فهم الدرس: الولادة الجديدة وليس الأحلام القومية

والرب هنا افترض أن:

١. نيقوديموس سيفهم سياق هذا الكلام، لأن اليهود كما أسلفنا يعرفون معنى المعمودية ومارسوه، ويفهمون كيف ان المعمودية فيها الرمز للموت وللميلاد ثانية في صورة جديدة: أموت خاطي منجس لكي أولد مطهر منتمي لجماعة شعب الرب (كما في حالة الدخلاء المتهودين كأوضح مثال).

٢. وفهم نيقوديموس أنه لا يتفق ان يظل مهتماً بالجسد وبمتطلبات الجسد وأحلام وطموحات وانجازات الجسد لو أنه أراد ان يلتحق بملكوت الله، ها هو الرب يقارن بين "جسد" و"روح"........ ميلاد "أرضي" وميلاد من "فوق"...... "إسماعيل" و"إسحاق".

"لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ." (رومية ١٤: ١٧)

٣. وفهم نيقوديموس الدرس الأهم: تفسير كيف تولدوا من فوق؟

فكل الإشارات إلى الروح والماء والنار ما هي إلا إشارة إلى "معجزة" يقوم بها روح الله.

وروح الله يغير اهتمامات نيقوديموس ويوجه قلبه وحياته نحو الله بدلاً من "إسماعيل" الجسد فيما يشبه ولادة جديدة. ولذلك نيقوديموس لا يحتاج أن يشغل نفسه "بالكيفية"، بل كل المطلوب منه هو أن يترقب ويمتلئ بالشوق إلى "النتيجة".

«اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ، وَتَسْمَعُ صَوْتَهَا، لكِنَّكَ لاَ تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي وَلاَ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ. هكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الرُّوحِ». (يوحنا ٣: ٨)

نيقوديموس ابن ابراهيم إذاً يحتاج أن يموت عن اسماعيله (الجسد واهتماماته)، أي تموت فيه رغباته الجسدية وان يولد من الروح فيصير قلبه مع كل ما هو روحي، وميلاده هذا سيخلصه من الجسد واهتمامات الجسد ليوجه نظره إلى كل ما هو روحي وما يرضي الله. وهذه هي المعجزة التي يقوم بها الروح القدس.

ماذا عن اسماعيلك انت؟ الولادة الجديدة والأحلام البشرية

هل فاض بك الكيل حتى لم تعد قادراً على متابعة الإرهاق والقلق والضغط العصبي الشديد من متابعة كل شيء والقلق على كل شيء وانتظار الأحلام التي لا تأتي، وما يأتي يجيء منقوصاً لا يُفَرِّح ولا يُشبِع؟

هل تعاني آلام وحزن واكتئاب كما يعاني كل العالم من حولك مما يكسر القلب وحلمك الوحيد لو أنك فقط تستريح قليلاً..؟

هل كل حلمك من الرب هو اعطيني قلق أخف وألم أخف وارهاق أقل...... الخ؟

لا تستغربي ولا تستغرب، فهذا هو اهتمام الجسد (إسماعيل)، كملايين غيرك وكما رأيت الآباء والأجداد يفعلون ولسنوات طويلة أنت متمسكٌ به وغاية مُناك أن تطلب من الرب:

"ليت إسماعيل يعيش أمامك... بس يا رب أعِنَّي عليه"

وسيظل اسماعيل جاثماً على صدرك إلى أن تطلب من الرب أن يحررك منه للأبد، فيلِدُك الروح القدس من جديد وينقلك من سلطان الظلمة والجسد ومن هذا المجال الفاسد الذي لا نجني منه إلا الألم، ينقلك إلى حرية مجد أولاد الله، فتفكر فيما يرضي الرب وتجني السلام الذي يليق بأولاد الله.

"٥فَإِنَّ الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَبِمَا لِلْجَسَدِ يَهْتَمُّونَ، وَلكِنَّ الَّذِينَ حَسَبَ الرُّوحِ فَبِمَا لِلرُّوحِ. ٦لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ، وَلكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ." (رومية ٨: ٥، ٦)

واقرأ أيضاً عن عينة أخرى كمان: السامرية بين القوت والحاجة العاطفية.

#خبط_الحنطة

تريد قراءة الموضوع كله مجمع؟ اقرأ:ليت اسماعيل يعيش أمامك.

زوجة مهمومة تستخدم الآلة الحاسبة لمراجعة مزانية البيت والزوج يشاركها الهم
لا تهتموا بشيء

10 فبراير 2021 - تاريخ النشر في فيسبوك.

سلسلة: ليت اسماعيل يعيش أمامك نيقوديموس والأحلام القومية
تعليقات