-->

مسيحية شجرة الميلاد (مترجم*)

كل سنة في نهاية نوفمبر، زوجي "أيك" وانا نُركِب الاطفال في السيارة ونذهب إلى أقرب بقعة لأشجار الكريسماس، فنحن محبو الأشجار الطبيعية نختلف تماماً عن أولئك الذين يحتفظون بأشجارهم البلاستيك مخزنة داخل صناديق، لذلك فعملية البحث عن الشجرة المثالية نترقبها في نفس الوقت من كل عام. صحيح لا يخلو الأمر من مشاحنات، وصحيح اطفالي يسيئون التصرف في سوق أشجار الميلاد، وصحيح أن عصارة الأشجار على أصابعنا تجلب لنا الأوساخ والشعر والزغب لباقي اليوم، لكن كل هذا ازعاج نتحمله بسعادة، لا شيء يتغلب على الرائحة المميزة للشجرة عندما تملأ غرفات البيت، ولا شيء يعيدني إلى ذكريات عيد الميلاد في طفولتي مثل بريق شجرة ناضرة في بيتنا، على الاقل، هذا ما كان يجري في العادة.

شجرة ميلاد بكامل زينتها التقليدية موضوعة في زاوية البيت.
خبط الحنطة - مسيحية شجرة الميلاد

منذ عدة سنوات حدث أن اشترينا بسعر مخفض شجرة طبيعية موضوعة في صندوق كبير، لكن ما جرى لاحقاً لم يكن المأمول حقيقةً، كبداية مثلاً، الشجرة كان بها عدة فراغات جرداء وبقع بنية اللون. الفروع كانت جافة والاشواك حادة، وكان من الواجب أن نقرأ العلامات فوراً، لكني كنت متفائلة، تصورت نفسي شارلي براون (شخصية كارتونية شهيرة) فأستطيع ستر الفراغات بالشرائط الحمراء والزينات بحيث لا يلحظها أحد.

وهكذا أخذنا الشجرة للبيت..

في الأيام القليلة الأولى نجحت الفكرة، الشجرة كانت مذهلة، براقة ومكتملة ورائحتها كأنها غابة دائمة الاخضرار، لعلها كانت أفضل ما مر بنا من حيث الرائحة. كل شيء كان يجري بشكل جيد، باستثناء شيء واحد فقط: الشجرة لم تكن تمتص المياة.

لو أنك تعاملت مع اشجار طبيعية فستعلم أنها تلتهم المياه بنهم، خصوصاً في البدايات، وخصوصاً عندما تظل الأنوار مضاءة لفترة طويلة، لكن لم يكن نفس الحال مع هذه الشجرة، في كل مرة كنت افحص الاصيص الذي يحتويها يكون مستوى الماء ثابتاً لا ينخفض، عندها فقط بدأت أشك أن شيئاً ما ليس على ما يرام.

عاجلاً، بدأت الفروع تجف، والاشواك ازدادت حدتها للدرجة التي كنت معها أجفل لو لمست جسمي.

وماذا عن الرائحة التي احببتها جداً؟ بمرور الوقت تحول عبير الغابة الناضرة دائمة الخضرة إلى عفونة ونتانة الفساد، وعندها أصبح من الواضح: أن شجرتنا كانت ميتة.

كانت سنة مخيبة للأمال في بيت آل ميلر، قررنا الإبقاء على الشجرة للأيام الباقية حتى عيد الميلاد، لكن كلما مررت بها تذكرت شيئاً كنت قد فوتُّه خلال كل أعياد الميلاد السابقة، هو أنه مهما عملت لكسوة وتزيين شجرة حقيقية، مهما عملت لتغطيتها بمشغولات الاسرة والكرات الفضية، والحليات والأضواء المبهرجة، مهما عملت ستظل شجرة الميلاد هي شجرة تحتضر.

وهنا أدركت أنني امام عظة عن إيماني لكن في شكل شجرة. 

غابة أو مزرعة لأشجار الميلاد في بيتها الطبيعية
خبط الحنطة - أشجار الميلاد في بيئتها الطبيعية

++ إيمان مثل شجرة الميلاد:

في الحقيقة إن المسيحية يمكن أن تكون إيماناً خلاباً، الرب يدعونا لأشياء مدهشة، لأعمال نبيلة، ولنكون شعب المحبة. يفترض أن نكون لطفاء فرحين شجعان صالحين، هذه الخصال الجميلة التي يرغب غالبية الناس في التمتع بها سواء المسيحيون أو غيرهم.

المشكلة أننا يمكن أن نتعامل مع الحياة المسيحية بنفس الطريقة التي نزين بها شجرة الميلاد، بتكويم الزينات الروحية المبهجة، يمكن أن نكسو حياتنا بالتزامات كنسية، وخدمات اجتماعية، لغة كلام روحية، أسرة أنيقة محترمة، ومظهر متفائل مبتهج. كل هذا يبدو عظيماً جداً، ومسيحياً جداً، بينما يخفي ما يجري فعلاً تحت السطح، فتحت مظاهر الحياة الروحية يمكن أن نتواجد مقطوعين عن جذورنا دون أن يدري أحد، قد نبدو وكأننا مزدهرين بالرغم من حقيقة أننا ما عدنا مرتبطين بالكرمة.

كثيرون منا "خبراء" في هذا حيث نبدو في شكل رائع من الخارج بينما نذوي من الداخل. وطبعاً من السهل التخلص من صدمة هذه الحقيقة، لأنه يمكن الإبقاء على مظهر الازدهار هذا لمدة طويلة بعد اجتثاث ارواحنا، إحدى جاراتي - ذات مرة -القت شجرة الميلاد في الغابة خلف المنزل واستغرقت الشجرة "اسابيع" قبل أن يظهر عليها علامات الموت.. أسابيع! والنفوس البشرية هكذا، تحلُّلنا الروحي يمكن ان يستغرق شهوراً أو حتى سنين قبل أن يُظهر نفسه، يمكن لنا إخفاء بقعنا الميتة لفترات طويلة من الوقت، فتبدو صحيحة وخضراء وحتى نابضة بالحياة في الوقت الذي فيه نكون - في الحقيقة - "نحتضر".

 ++ لا تكتفِ فقط بستر العفن

لكن لا يمكننا إخفاء المرض للأبد، بقدر ما كانت الشجرة تبدو متألقة لم تتمكن الزينات من إخفاء الرائحة، وأيضاً النفس البشرية هكذا، يمكننا المحافظة على الوهم طويلاً قبل أن تبدأ الحقيقة في الافتضاح.

هذا واحد من الأسباب التي لأجلها يستخدم الكتاب المقدس كثيراً لغة الزراعة، حيث يشبه الرب الإيمان الحقيقي بأغصان مرتبطة بالكرمة، فبدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا

"أنا الكَرمَةُ وأنتُمُ الأغصانُ. الّذي يَثبُتُ فيَّ وأنا فيهِ هذا يأتي بثَمَرٍ كثيرٍ، لأنَّكُمْ بدوني لا تقدِرونَ أنْ تفعَلوا شَيئًا." (يوحنا ١٥: ٥)

"لا تقدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أنْ تصنَعَ أثمارًا رَديَّةً، ولا شَجَرَةٌ رَديَّةٌ أنْ تصنَعَ أثمارًا جَيِّدَةً. كُلُّ شَجَرَةٍ لا تصنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقطَعُ وتُلقَى في النّارِ. فإذًا مِنْ ثِمارِهِمْ تعرِفونَهُمْ." (متى ٧: ١٨ - ٢٠)

"وأمّا ثَمَرُ الرّوحِ فهو: مَحَبَّةٌ، فرَحٌ، سلامٌ، طولُ أناةٍ، لُطفٌ، صَلاحٌ، إيمانٌ، وداعَةٌ، تعَفُّفٌ. ضِدَّ أمثالِ هذِهِ ليس ناموسٌ." (غلاطية ٥: ٢٢ - ٢٣).

في عيد الميلاد، دع شجرة الميلاد تذكرك بثمر الروح... هل يظهر في حياتك؟

السبب الذي لأجله يستخدم الرب هذه اللغة غالباً هو أن اهتمامه هو بنمونا الروحي الحقيقي وليس بمجرد مظهره. وهكذا، في مناسبة عيد الميلاد هذه، سواء كانت الشجرة في بيتك "شجرة طبيعية" أو "شجرة مزيفة" انا أدعوك أن تنظر إليها كنوع من التذكِرة الروحية، كلما مررت بها اسأل نفسك ماذا يجري في داخل روحك؟ وخلف كل أنشطة هذا الموسم، هل تذوي تحت الفروع المثقلة بالزينات الروحية البراقة؟ أم أنك حقيقةً تُزهِر في المسيح؟

(اقرأ أيضاً: قلبه ثابت ممكن)

شارون هود ميلر

١٦ ديسمبر ٢٠٢١ – تاريخ النشر في فيسبوك.

اقرأ أيضاً:

حذاري من خداع المشاعر

اذهب اليوم اعمل في كرمي - قراءة في متى ٢١

تعليقات