+ الضلال البشري والخطة الإلهية
١. في البدايات الأولى:
استبدل آدم المهمة التي اسندها الله اليه، ألا وهي "الوكالة عن الله" في إدارة الخليقة، تلك المهمة التي كانت تحوي القداسة مع علاقة حية وحوار مباشر مع الله ولمجد الله، وبالتالي التبعية الطوعية المقدسة للرب لكي يستطيع أداءها، استبدل آدم كل هذا بالرغبة في ان يكون معادلاً لله مستقلاً عنه و"صاحب قرار" وصاحب مبادرة («تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ» تكوين ٣: ٥). [اقرأ أيضاً: المعرفة بين الأماني والواقع]
هل تظن هذا اختياراً عاقلاً صائباً؟
![]() |
| خيرات الأرض |
٢. بعد الطوفان:
عندما تم انقاذ الجنس البشري من الفناء الكلي بالطوفان وأخذوا فرصة جديدة لحياة، هل تعرف ماذا كان أهم قرار وما هو الاحتياج المُلِحّ بالنسبة لهم؟ «هَلُمَّ نَبْنِ لأَنْفُسِنَا مَدِينَةً وَبُرْجًا رَأْسُهُ بِالسَّمَاءِ. وَنَصْنَعُ لأَنْفُسِنَا اسْمًا لِئَلاَّ نَتَبَدَّدَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ». (تكوين ١١: ٤).
- أي اسم وأي ذكر؟! ألم تتعلموا الدرس من الطوفان أنه لم يعد لكم في الخلود مكان وأنكم إلى زوال واسماؤكم إلى الفناء والهلاك فكيف تتصورون انكم تصنعون لأنفسكم اسماً؟!
هل تظن أن هذا اختيار عاقل صائب؟
٣. إبراهيم صاحب المقولة:
عندما نتذكر الدعوة التي وجهت اليه في البداية (في تكوين ١٢) أن يترك بيت أبيه ويخرج إلى مكان آخر، وعندما نتذكر البركات التي صاحبت هذه الدعوة والتي كان أعظم ما فيها «وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ» ع٣، تخيل! "جميع قبائل الأرض"!! فهذه بركة "روحية" ممتدة إلى "جميع قبائل الأرض" ولابد ان يكون الطريق اليها روحياً أيضاً.
ورغم وعد المعية والبركة التي تصاحبه في هذه الرحلة الروحية «لاَ تَخَفْ يَا أَبْرَامُ. أَنَا تُرْسٌ لَكَ. أَجْرُكَ كَثِيرٌ جِدًّا». (تك ١٥: ١)، رغم كل هذا يعود وينظر الى الجسد ومتطلبات الجسد والرغبة في أن يجد ابناً من صلبه يرثه، فنجده يترك "الروحي" ويقول للرب «مَاذَا تُعْطِينِي وَأَنَا مَاضٍ عَقِيمًا، وَمَالِكُ بَيْتِي هُوَ أَلِيعَازَرُ الدِّمَشْقِيُّ؟» (تكوين ١٥: ٢)!
- يا إبراهيم لقد رفعتك عالياً جداً الى مستوى "الأمير مع الله" (هذا معنى اسمه "إبراهيم")، ولك مهمة سامية عظيمة، وستتمتع فيها بامتيازات روحية ومادية سامية تعادلها في العظمة، لذلك فعطيتي لك ستكون على مستوى المهمة، لذلك لا يليق ان تنظر إلى السفاسف والجسديات على مستوى أليعازر الدمشقي، بل عطيتي لك «الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَحْشَائِكَ هُوَ يَرِثُكَ» (تكوين ١٥: ٤).
ولأننا نحن البشر نظل نكرر نفس الخطأ، ولا نمل من تكراره، لذلك، ورغم كل تلك التأكيدات الإلهية، لكننا نجد ابراهيم يجتهد مع سارة زوجته في أفكار ووسائل البشر العقيمة ويعود لجهود الجسد الفاشلة مجدداً للبحث لنفسه عن حلول يأمل فيها خيراً، فنراه ينجب إسماعيل الذي لم يكن تبعاً لخطة الله وليس هو من وعد به الله. وإبراهيم مستمر في التمسك بالتفكير البشري المحدود الفاشل لذلك نراه متمسكاً بفكرة "اقتراح الحلول" على الرب، فيقول: «لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَعِيشُ أَمَامَكَ!» (تكوين ١٧: ١٨).
٤. يعقوب المجاهد:
يعقوب كل حياته اعتمد المكر والتعقب واللؤم ليحصل به على كل ما يريده، "جاهد" بالمكر والخديعة واللف والدوران، هذا هو جهاده "إسماعيله" الذي يفهم فيه ويتقنه ولا يعرف غيره وبه وحده يستطيع التعامل مع المحيطين لاكتساب قوت يومه وتحصيل أرباحه، وقد ظل يعقوب مكتفياً بجهاده هذا حتى كسر الرب متكله (حق فخذه) وحرمه من اسماعيله فاضطر أخيراً إلى تسليم القياد للرب (تكوين ٣٢: ٢٥، ٣١ – ٣٢).
٥. شعب الرب القديم:
ينظرون حولهم فيجدون كل الشعوب لها ملوك يحكمونهم بينما هم كشعب الرب لا يرون ذلك الملك الرب الذي قال لهم "أَسِيرُ بَيْنَكُمْ وَأَكُونُ لَكُمْ إِلهًا وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي شَعْبًا." (لاويين ٢٦: ١٢)، فيتمردون ويطلبون اسماعيلهم: "فَنَكُونُ نَحْنُ أَيْضًا مِثْلَ سَائِرِ الشُّعُوبِ، وَيَقْضِي لَنَا مَلِكُنَا وَيَخْرُجُ أَمَامَنَا وَيُحَارِبُ حُرُوبَنَا" (١صموئيل ٨: ٢٠).
٦. ذلك الملك التقي آسا:
الذي قال عنه الرب "إِنَّ قَلْبَ آسَا كَانَ كَامِلاً مَعَ الرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِهِ." (١ملوك ١٥: ١٤)، عندما يتعرض للخطر من أعداء أقوى منه نراه لا يلجأ للرب لإنقاذه من الخطر المحدق بل يلجأ إلى "إسماعيله" الذي لا يعرف غيره: "٢وَأَخْرَجَ آسَا فِضَّةً وَذَهَبًا مِنْ خَزَائِنِ بَيْتِ الرَّبِّ وَبَيْتِ الْمَلِكِ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَنْهَدَدَ مَلِكِ أَرَامَ السَّاكِنِ فِي دِمَشْقَ قَائِلاً: ٣«إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ أَبِي وَأَبِيكَ عَهْدًا. هُوَذَا قَدْ أَرْسَلْتُ لَكَ فِضَّةً وَذَهَبًا، فَتَعَالَ انْقُضْ عَهْدَكَ مَعَ بَعْشَا مَلِكِ إِسْرَائِيلَ فَيَصْعَدَ عَنِّي»." (٢أخبار ١٦: ٢، ٣).
+ الفشل مستمر حتى عصر المسيح
ها ملء الزمان قد جاء، وها قد حان موعد الافتقاد الإلهي حيث تنتقل بنا الكاميرا الآن إلى عصر المسيح، مع مناخ معبأ بكافة النبوات التي وعدت بمسيا الذي سيخلص إسرائيل، وحيث ظل لسان حال الشعب اليهودي – ومازال – ليت إسماعيل يعيش امامك.
فها هي الأرض وهم موجودون عليها، وها هو هيكلهم موجود وهم يمارسون عبادتهم فيه، لكن ينغص عيشهم وجود المحتل الروماني المستعبد المنغص، لذلك ليت المسيا الذي يأتي يؤكد ملكيتهم للأرض ويرسخ وجودهم فيها وينزع المحتل المستعبد منها، هذه كل أمانيهم التي لا يحلمون بسواها! هم يترقبون وعد الرب على فم إشعياء: "٢١يَبْنُونَ بُيُوتًا وَيَسْكُنُونَ فِيهَا، وَيَغْرِسُونَ كُرُومًا وَيَأْكُلُونَ أَثْمَارَهَا. ٢٢لاَ يَبْنُونَ وَآخَرُ يَسْكُنُ، وَلاَ يَغْرِسُونَ وَآخَرُ يَأْكُلُ." (إشعياء ٦٥: ٢١، ٢٢) هذا هو اسماعيلهم الذي لا يطمعون فيما هو أكثر منه.
لكن هل هذا هو فعلاً ما أعده الرب وما يريده لشعبه؟
مع استمرارنا في مراقبة الاختيارات الفاشلة في الكتاب المقدس، يلاقينا يوحنا المعمدان وقد علا صوته برسالة مختلفة معلناً أن "ملكوت السماوات" قد اقترب، أي ان تحقيق الأمنية قد اقترب جداً. لكن المعمدان يطلب منهم ان يستعدوا لهذا الملكوت المرتقب بالتوبة.... لا بأس! إن كانت التوبة هي ثمن الحصول على هذا الخلاص المنتظر فليتوبوا ليعيشوا حياتهم في الأمان الذي يأملون فيه. لا بأس أيضاً أن يعتمدوا بالماء الذي يغسل الخطايا (بشكل رمزي) فيخرجوا من ماء المعمودية كأنهم ولدوا من جديد مؤهلين للملكوت وللمسيا المنتظر. (اليهود يعرفون هذا المعنى الرمزي في المعمودية ومارسوه).
لكن وسط هذه "المنظومة" الفكرية المرتبطة "باسماعيل"، أي المرتبطة بالأرض وبمملكة داود وازدهار الهيكل والأكل والشرب والحياة كلها، نجد يوحنا المعمدان يقول شيئاً ما يبدو غريباً لا يتفق مع هذا الفكر: "أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ لِلتَّوْبَةِ، وَلكِنِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي........... هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ." (متى ٣: ١١)
ما هي حكاية الروح القدس والنار؟ وما دخل الأرض والزرع والحصاد والأكل والشرب وحياة الجسد كلها بالروح القدس والنار؟!! انقر هنا وتعال نرى المقال التالي لنستكمل الفهم..
#خبط_الحنطة
تريد قراءة الموضوع كله مجمعاً؟ اقرأ: ليت اسماعيل يعيش أمامك.
١٩ فبراير ٢٠٢١ - تاريخ النشر في فيسبوك.

احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..