يُعَوِّل البعض على المعرفة "عن الله" كمدخل للتوبة والخلاص والحياة الأبدية، وهم يقولون: "إننا نبحث عن الله من بوابة العقل والمعرفة"، وهؤلاء - بصورة أو أخرى - يعتبرون أن الله هو "موضوع بحث" مَثَلُه في ذلك مثل "البيج بانج" في الفلك، ومثل الفيمتوثانية في الكيمياء، ومثل نبوخذ نصر والرعامسة في التاريخ...... الخ.
![]() |
| خبط الحنطة - المعرفة والطريق إلى الأبدية |
وعلشان سبق وتكلمنا في هذا الموضوع من قبل (أنظرالمعرفة بين الأماني والواقع)، خلينا نتجه مباشرة إلى ما قاله الرسول بولس في هذا الصدد عندما بدأ الكلام في (غل ٤: ٨) عن هذا النوع من المعرفة (المعرفة عن الله)، وهو يُحَدِّث جماعة الغلاطيين الذين انتقلوا من عبادة الأوثان إلى الله من خلال الإيمان المسيحي حيث يصف حالتهم السابقة:
"كُنْتُمْ لاَ تَعْرِفُونَ اللهَ... اسْتُعْبِدْتُمْ لِلَّذِينَ لَيْسُوا بِالطَّبِيعَةِ آلِهَةً (الأوثان)"[لاحظ "المعرفة" هنا].
ثم في العدد التالي (غل ٤: ٩) يصف حالتهم الجديدة:
"وَأَمَّا الآنَ إِذْ عَرَفْتُمُ اللهَ"
لاحظ الفعل الماضي "عَرَفتم" المبني للمعلوم اللي نفهم منه أن الغلاطيين واضح اجتهدوا وبحثوا وكان موضوع بحثهم هو "الله"، وبرافو عليهم نجحوا ووصَّلهم بحثُهم إلى الله فأخدوا شهادة التخرَّج إذ أصبحوا مسيحيين.... برافو برافو...
لكننا نُفاجأ ببولس يستدرك كأنه يختار تعبيراً أفضل:
آسف.. آسف... "بَلْ بِالْحَرِيِّ عُرِفْتُمْ مِنَ اللهِ"..
(لاحظ الفعل الماضي المبني للمجهول "عُرِفتم")
من ثم نكتشف أن الله في الوحي المقدس ليس "موضوع بحث subject" لكنه "فاعل" أصيل بل هو "الفاعل الأصلي"، بنعمته يفتقد، وبروحه يفتح العقول لتقتنع ويفتح القلوب لاستقبال الغفران، وكلنا كبشر "مفعول به"، فقط نستقبل عطايا نعمته بإيمان الطفل البسيط المُصَدِّق وبشكر وباتضاع العارف بالجميل.
نحن نعيش معجزة أيها الأحباء...
نحن نعيش "معجزة فوق طبيعية" قام الله فيها بعمل ما لا يمكن لنا ان نعمله إذ مد يده الينا وجذبنا اليه.
لاحظ الأفعال في الآيات التالية:
"٤اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا،٥وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ ٦وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ"(أف ٢: ٤ – ٦)
الأفعال التي بالخط الغامق، ولا واحد منها صدر منا نحن البشر... ولا واحد.. لكن كلها أعمال الله نفسه، وما نحن إلا مستقبلين في بساطة إيمان الأطفال وليس بفزلكة العلماء.
"اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ لاَ يَقْبَلُ مَلَكُوتَ اللهِ مِثْلَ وَلَدٍ فَلَنْ يَدْخُلَهُ"(مر ١٠: ١٥)
بناءً عليه، أيها الباحث الساعي "للمعرفة عن الله" أو"لمعرفة الله"، في نهاية المطاف:
إن لم تقُدْك معرفتك هذه إلى الاعتراف لنفسك أولاً وللرب ثانيةً بعدم القدرة على الوصول وعدم الاستحقاق
وإن لم تُلقِ بنفسك بالتمام على "نعمة الله"، فلن تُفِيدك معارف الدنيا كلها...
كلها ستحترق بنار وتتركك عرياناً ليس هناك ما يغطيك وانت واقف امام كرسي الدينونة.
#خبط_الحنطة
٨ سبتمبر ٢٠١٨ – تاريخ النشر في فيسبوك.
اقرأ أيضاً:

احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..