رسالة بليني لتراجان
شهادة من طرف ثالث عن إيمان المسيحيين الأوائل، كتبها سياسي روماني اسمه "بليني الأصغر" كان حاكما لمقاطعة بيسيدية في آسيا الصغرى (١١١ الى ١١٣ ميلادية)، وأعدم مسيحيين تم إحضارهم أمامه بتهمة أنهم لا يعبدون الامبراطور، توجد رسالة شهيرة موثقة باسمه أرسلها إلى الامبراطور الروماني تراجان، يطلب فيها رأي الامبراطور في المسيحيين الذين يجلبهم إلى بلاطه ليحاكمهم. يقول في رسالته:
"هم معتادون على الاجتماع في يوم ثابت اسبوعياً قبل الفجر يغنون فيه أغنية للمسيح كإله، ويلزمون أنفسهم بقسم الا يرتكبوا احتيالاً أو سرقة او زنى، وألا يخذلوا ثقة أحد فيهم، وأن يردوا الأمانة متى طلب منهم ذلك، ومن عادتهم أن يغادروا اجتماعهم ثم يتجمعون ثانية ليشتركوا سوياً في الأكل، لكنه أكل عادي وبريء"
![]() |
| خبط الحنطة - نقبل التحدي ونحتمل الصعاب. |
وكان أمر الامبراطور إليه أن من يتم القبض عليه ويحضر إليه بشكل شرعي عليه ان يُعاقبه، لكن لا يجب أن يطارد المسيحيين لمجرد اضطهادهم، بل عليه تركهم لحالهم طالما هم لم يثيروا اضطراباً. وهذا يعطي فكرة ان بعض الأوقات في تاريخ المسيحيين كان فيها هدوء. لكن لو كملت الكلام هاتشوف باقي الأوقات كان ظروفها ايه.
عموماً، هذه الرسالة نخرج منها بأكثر من فائدة، منها مثلاً أنها واحد من الأدلة التاريخية المبكرة جداً عن:
١- وجود شخصية تاريخية حقيقية اسمها يسوع المسيح
٢- وأن أتباعه آمنوا بأنه الله منذ العصر الأول لعقيدتهم (خلال عقود قليلة من التاريخ المسجل لقيامته وصعوده)
تخيلوا أنه بالرغم من ذلك، بيطلع ناس في هذا الزمان الرديء ده يقولوا إن ماكانش فيه حد اسمه يسوع وانه قصة خيالية رغم هذه الشهادات المسجلة بواسطة كتاب علمانيين (أي غير دينيين) ومنهم وثنيون (بليني الصغير هذا)، ومنهم يهود (فلافيوس يوسيفوس)، وتخيلوا أن هذا ليس المحور الأساسي لكلامنا اليوم!! (تقدر تشوف تفاصيل أكثر في مقالنا يسوع شخصية تاريخية وليس أسطورة والمقالات المرتبطة به)
موضوعنا اليوم هو أن رسالة بليني الصغير تلك تشكل أيضاً إحدى زوايا الرؤية التي رأى بها المواطن الروماني "الوثني" مواطنيه المسيحيين، والتي فيها يصف ممارساتهم كلها بأنها "حسنة" وليس فيها أي ما يسيء، بل بالعكس فهي صفات تصور مواطناً لا يكفي أن تصفه بالصالح فقط بل المواطن "مثالي" أيضاً، لكن بالرغم من هذا نعلم أن المسيحيين كانوا يُضطَهَدون..
+ ما هي أسباب اضطهاد المسيحيين الأوائل؟
١. تحميلهم مسؤولية الظروف الاقتصادية الصعبة:
كان الرومان يعتقدون أن ألهتهم الوثنية هي سبب نجاح وتقدم الإمبراطورية وسبب الخير الذي يأتيهم (في المحاصيل الزراعية مثلاً)، لذلك إذا مرت ظروف اقتصادية صعبة على الإمبراطورية تتسبب في وقوع اضطهادات على المسيحيين حيث يلقون باللوم عليهم بسبب المحصول السيء (مثلاً) بحجة ان الآلهة الوثنية غير راضية لأنهم يتجنبونها ويرفضون عبادتها.
٢. أطماع في أموالهم وممتلكاتهم:
أحيان أخرى كانت تبرز أطماع في أموال المسيحيين وذلك بمصادرتها والاستفادة منها خصوصاً في حالات الأزمات الاقتصادية والمجاعات.
٣. رفض "قيصر رب":
بالنسبة لنا اليوم، الاعتراف بأن "المسيح رب" هو شأن ديني صرف يختص بعلاقة المؤمن بالرب نفسه وخضوعه له في أمور ذات طبيعة روحية، لكن في العصر الروماني في القرون المسيحية الأولى كان الاعتراف "العلني" بأن "قيصر رب" (مثل السلام الوطني في أيامنا) هو شأن وطني حقيقي والتزام ضروري ومهم في نظر المواطن الروماني وفي نظر الحكومة الرومانية، والمسيحيون رفضوا أن يقرُّوا بالربوبية لأحد غير المسيح ("إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ" رومية ١٠: ٩)، لهذا السبب كان رفض المسيحي لصيحة "قيصر رب" يشكل عدم تقديم الاعتبار اللائق للقيصر (الذي يمثل الوطن)، وهو واحد من التهم التي وجهت إليهم. لاحظ أن الرومان كانوا متعددي الآلهة وأظن أن إعتبار يسوع واحد من ضمن هذه الآلهة لم يشكل مشكلة بالنسبة لهم إطلاقاً، لكن أن يمتنع مواطن عن الاعتراف بربوبية القيصر فهذه هي المشكلة الأكبر.
التزام الشهادة العلنية أن "قيصر رب" كانت مطلوبة في مناسبات كثيرة منها مثلاً:
أ. دفع الضريبة مرة كل سنة كان يتم في صورة احتفالية وفي أحد الهياكل الوثنية وأثناء دفع المواطن الروماني (أو غير المواطن) للضريبة كان عليه أن يشهد بالصوت العالي أن "قيصر رب". وامتنع المسيحيون عن مثل هذه الشهادة رغم ما في هذا من عواقب وخيمة.
ب. خدمة الامبراطور (يعني العمل في الحكومة) والخدمة العسكرية في الجيش الروماني كان فيها التزام ديني حيال الامبراطور.
٤. عدم مشاركتهم في الاحتفالات الرسمية والشعبية:
حتى المناسبات والاحتفالات الرسمية والشعبية كان لها صبغة دينية، وكان يجري فيها تمجيد للإمبراطور بالصيحة "قيصر رب"، وكثير من هذه الاحتفالات كان يجرى في هياكل الأوثان ومحتم أن يشترك فيها كل المواطنين، (تذكر الإشارات الكثيرة من الرسول بولس إلى اللحوم التي كانت تذبح في الهياكل للأوثان)، كما أن نجاسات جنسية علنية كانت تمارس في هذه الاحتفالات كما في غيرها بشكل شرعي جداً (في نظر المواطنين الرومان)، وطبعاً رفض المسيحيون الأوائل أن يحضروا مثل هذه المناسبات أو أن يشاركوا فيها.. وهذا - في أيامنا هذه – نستطيع تشبيهه برفض غناء السلام الوطني أو رفض الاحتفال باليوم الوطني أو بعيد الثورة أو عيد التحرير أو عيد النصر... الخ، وكل هذا وصم المسيحيين بالخيانة أو – في أهون الحالات – بأنهم مواطنين غير صالحين ومنفصلون عن المجتمع.
٥. ممارسات العبادة والألفاظ التي استخدموها:
الألفاظ التي استخدمها المسيحيون الأوائل وممارسات العبادة الخاصة بهم، مع أنها كانت بريئة لكنها تسببت في سوء فهم رهيب عند جيرانهم ومواطنيهم الرومان الغير معتادين على هذه الالفاظ. فمثلاً:
أ. كان الجيران يسمعونهم ينادون بعضهم البعض "الأخ" و"الأخت"، ثم يجدون هؤلاء "الاخوة والأخوات" يتزوجون بعضهم بعضاً، فقالوا عنهم "هذا زنا محارم".
ب. كانوا يسمعون عن فريضة العشاء الرباني وأنهم فيها يأكلون جسد الرب ويشربون دمه فاتهموهم بأنهم أكلة لحوم بشرية وأنهم يذبحون الأطفال ليأكلوهم.
وهكذا نرى كيف أن المسيحي كان في نظر مواطنيه وجيرانه الرومان الآخرين "خائن للوطن زاني بالمحارم وآكل لحوم البشر". مع أن كل هذه كانت ظنوناً خاطئة، ورغم كل هذا اعتنق المسيحيون الأوائل ايمانهم بالمسيح وهم يعلمون انهم سيوضعون أمام هذه الخيارات الصعبة التي قرروا عدم الخضوع لها مهما كان الثمن، وقرروا أن يعيشوا هذه المغامرة اليومية بدلاً من البحث عن المتعة والحياة الآمنة التي يستريح اليها أغلب الناس، حتى وان تم وصمهم بهذه الصفات الشنيعة.
+ سؤال مهم يفرض نفسه: هل لدينا هذا الالتزام الآن؟
وعشان نكون واضحين، هذا ليس اختيارياً أو تطوعاً، بل هو "التزام" علمه لنا الرب في الكتاب المقدس. انظر (عبرانيين ١٣: ١٢ - ١٤):
يسوع الذي لأجل أن يؤدي ما عليه "لِكَيْ يُقَدِّسَ الشَّعْبَ بِدَمِ نَفْسِهِ، تَأَلَّمَ خَارِجَ الْبَابِ." منبوذاً مهاناً مثل أحقر المجرمين ووسط أحقر اللصوص، ولأجل هذا علينا في المقابل ان نقوم بالتزامنا نحوه "١٣فَلْنَخْرُجْ إِذًا إِلَيْهِ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ حَامِلِينَ عَارَهُ." ولا نترفع عن هذا العار او نحاول التملص أو الاختباء منه، والسبب والحافز بسيط ومفهوم "١٤لأَنْ لَيْسَ لَنَا هُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ، لكِنَّنَا نَطْلُبُ الْعَتِيدَةَ." فكل ما تتخوف من فقدانه هنا من مال او ممتلكات أو مركز اجتماعي هو زائل لا محالة ولن يكون له بقاء فلماذا تخاف عليه؟ ولماذا من أجل هذا الزائل تنكر التزاماتك تجاه مخلصك الذي أهَّلك للحياة الأبدية من خلال علاقة حقيقية معه؟!
يا من حملت عني اثمي المشين... حين فديت نفسي بالموت المهين
لو أني كل ما عندي وهبتك... فسوف أبقى ما دمتُ لك مدين
لقد سبقنا ملايين في هذه الطريق. فهل نتبعهم؟ (اقرأ أيضاً: لا تستهن بالثلاثين)
#خبط_الحنطة
٧ ديسمبر ٢٠١٨ – تاريخ النشر في فيسبوك

احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..