-->

قانون حبة الحنطة

"الحَقَّ الحَقَّ أقولُ لكُمْ: إنْ لَمْ تقَعْ حَبَّةُ الحِنطَةِ في الأرضِ وتَمُتْ فهي تبقَى وحدَها. ولكن إنْ ماتَتْ تأتي بثَمَرٍ كثيرٍ. مَنْ يُحِبُّ نَفسَهُ يُهلِكُها، ومَنْ يُبغِضُ نَفسَهُ في هذا العالَمِ يَحفَظُها إلَى حياةٍ أبديَّةٍ." (يوحنا ١٢: ٢٤ - ٢٥)

حبة قمح منبتة مدفونة في التربة والنبت ينبت لأعلى
خبط الحنطة - قانون حبة الحنطة. يوحنا ١٢

ملحوظة: رغم ان هذا ليس موضوعنا لكن عالماشي كده، هناك من اخواننا من يقول ان حبة الحنطة لا تموت فعلاً لان جزيئاتها فيها حياة، ويتخذون قول الرب هذا ذريعة يتهمون بها الكتاب المقدس بأنه "يحتوى - في هذه الآية وشبيهاتها – على معتقدات اهل زمانه التي عفا عليها الزمن"، لكن الحقيقة ان الرب لم يتكلم عن "موت حقيقي" فقط لكن عن تنازل حبة الحنطة عن "صورتها الاصلية" لتتغير الى "صورة اخرى"، صورة نبات مكتمل يحمل ثمار تفوق في عددها الحبة الاصلية.

نرجع للموضوع، يتعامل البعض مع هذه المقولة على انها مجرد نبوة او إخبار من الرب يسوع عن موته المزمع وقيامته، لكن الحقيقة ان الرب يسوع له المجد كان يتحدث عن مبدأ او قانون كوني عام وضعه الله في كل الخليقة حتى في الطبيعة، انه لابد ان يحصل "موت" لكي تخرج منفعة وثمر.

مبدأ أو قانون كوني عام

+ من مبدأ بقاء الطاقة/المادة:

هناك مبدأ فيزيائي يعبر عن حقيقة في الطبيعة، المبدأ اسمه "بقاء الطاقة" وشبيهه يخص "المادة" ونختصره في التعبير المعروف ان المادة لا تفنى ولا تستحدث من عدم لكن تتغير من "صورة" الى "صورة أخرى"، ومع هذا التغيُّر تنتج منفعة.

لنرى أمثلة:

- لكي تخرج طاقة من قطعة خشب او فحم لابد ان تحترق هذه القطعة (وهذا شكل من اشكال الموت).

- في الانشطار النووي تخرج طاقة نتيجة لتحول المادة من صورة الى صورة اخرى، وهو أيضاً شكل من اشكال الموت الذي نقول عنه.

- لكي يتحول الغذاء الى مواد اولية نافعة للجسم، لابد ان يتم هضمه (وهذا شكل من اشكال الموت).

- في حياتنا العادية والعائلية، نحن في الحقيقة نموت ليحيا اولادنا من بعدنا. نحن نُستَهلك ونهلك و"تفنى" اعمارنا لكي يجد الاولاد ما يقوتهم وينميهم ويعلمهم ليكبروا ويصبحوا ما نطمح اليه فيهم، ثم يقوم الاولاد بما قمنا به أيضاً، وهكذا يتكرر مسلسل العطاء والموت في سبيل الحياة.

- حتى فلسفياً فإن ما يحدث في عالم الأعمال (business) فيه موت لكي يحدث ربح، فانت تخرج من مالك ما تقيم به العمل، ولولا هذا الاستثمار الذي تستقطعه من جيبك لما حدث ربح ونمو للعمل.. وهذا شكل من اشكال الموت لتخرج منفعة.

+ تطبيق هذه الفكرة على ما عمله الرب نفسه:

    ١. ما عمله الرب يسوع في الفداء كان تطبيقاً لقانون حبة الحنطة على مستويين عبر عنهما الرسول بولس في رسالته لأهل فيلبي:

"الّذي إذ كانَ في صورَةِ اللهِ، لَمْ يَحسِبْ خُلسَةً أنْ يكونَ مُعادِلًا للهِ. لكنهُ أخلَى نَفسَهُ، آخِذًا صورَةَ عَبدٍ، صائرًا في شِبهِ النّاسِ. (المستوى الاول) وإذ وُجِدَ في الهَيئَةِ كإنسانٍ، وضَعَ نَفسَهُ، وأطاعَ حتَّى الموتَ، موتَ الصَّليبِ. (المستوى الثاني)" (فيلبي ٢: ٦ - ٨)

 (انقر هنا لتتابعنا)

- كما ترى، المستوى الاول كان في التجسد والاخلاء: وهو في حد ذاته موت، لأنه تنازل عن شكل وكرامة الالوهية، ولولا هذا التجسد لما كنا عرفنا الله كما ينبغي. يعني بدونه ما كانت معرفة الله "وصلت الينا" بهذه الصورة الرائعة.

- والمستوى الثاني موت الصليب: والذي بدونه ما كنا "وصلنا نحن" الى الله.

    ٢. عشاء الرب قدم لنا درساً نتذكره كل مرة عن هذا "الموت" الذي ماته لأجلنا لكي نحيا لأجله (موت حقيقي هنا وليس مجازياً):

"وشَكَرَ فكسَّرَ، وقالَ: «خُذوا كُلوا هذا هو جَسَدي المَكسورُ لأجلِكُمُ. اصنَعوا هذا لذِكري»." (١كورنثوس ١١: ٢٤).. الجسد المكسور كان موت فعلي وهو صورة من صور الموت لأجل هدف أسمى.

"وكذلكَ الكأسَ أيضًا بَعدَ العَشاءِ قائلًا: «هذِهِ الكأسُ هي العَهدُ الجديدُ بدَمي الّذي يُسفَكُ عنكُمْ." (لوقا ٢٢: ٢٠)

"لأنَّ هذا هو دَمي الّذي للعَهدِ الجديدِ الّذي يُسفَكُ مِنْ أجلِ كثيرينَ لمَغفِرَةِ الخطايا." (متى ٢٦: ٢٨)

    ٣.  حتى إشعياء في الاصحاح الشهير (٥٣) قدم لنا هذه الصورة بوضوح، ان يحدث موت واحد (موت حقيقي هنا وليس مجازياً) وتكون النتيجة ثمار كثيرة لهذا الموت.

"أمّا الرَّبُّ فسُرَّ بأنْ يَسحَقَهُ بالحَزَنِ. إنْ جَعَلَ نَفسَهُ ذَبيحَةَ إثمٍ (هذا هو الموت) يَرَى نَسلًا تطولُ أيّامُهُ، ومَسَرَّةُ الرَّبِّ بيَدِهِ تنجَحُ (هذه هي النتيجة)." (إشعياء ٥٣: ١٠).

مبدأ التضحية والثمر الكثير قانون طبيعي وباقي

قانون حبة الحنطة (او الموت من اجل الحياة) هو قانون باقٍ طالما الارض باقية، والرب يحثنا ان نفهم هذا القانون ونحيا بمقتضاه:

- عندما يقول: "أنتم ملح الارض.. أنتم نور العالم" (متى ٥: ١٣، ١٤).

الملح لا يمكن أن يملِّح الا أن يذوب اولاً (هذا موت)، والشمعة لا يمكن ان تضيء الا أن تحترق اولاً، وهكذا الحال في كل مصادر الضوء والطاقة كما أسلفنا.

اي انه لكي تؤدوا مهمتكم المكلفين بها لابد لكم بأن تخضعوا لنفس هذا القانون بعينه وتضعوا انفسكم اولاً، ان تموتوا اولاً لكي تأتوا بثمر لحياتكم.

- فكرة العطاء التي لا يحضنا عليه الرب فقط لكن كثير من الفلسفات الانسانية أيضاً تتكلم عنه، هذا "العطاء" في حد ذاته ينتمي لنفس هذه الفكرة:

"موت" ينتج "حياة"

فعندما تعطي مما عندك (اموال او اشياء عينية) انت في الحقيقة تستقطع مما هو لك والذي لك منه بالضرورة منفعة ولك ان تستخدمه في اي شيء "لصالح نفسك"، لكنك هنا تقتطع هذه المصلحة منك، وكأنها ماتت عنك او كأنك انت مت عنها لتعطيها لغرض آخر خارجك ليفيد منها. لولا هذا العطاء لتوقف كثير من اعمال الخير وتقدُّم الانجيل. وهكذا نرى ان كثيراً من اعمال الخير وتقدم الانجيل هي نتيجة وثمار ل"موت بعضنا عما يمتلكونه". وقد عاش المسيحيون هذا المبدأ منذ ميلاد الكنيسة حتى اليوم.

"مَنْ وجَدَ حَياتَهُ يُضيعُها، ومَنْ أضاعَ حَياتَهُ مِنْ أجلي يَجِدُها." (متى ١٠: ٣٩)

#قانون_حبة_الحنطة

#خبط_الحنطة

٩ نوفمبر ٢٠١٨ – تاريخ النشر في فيسبوك. 

اقرأ أيضاً:

مشكلتك لها حل - الوصفة الإلهية للأزمة الاقتصادية

تعليقات