عارفين طبعاً الكارت الأصفر الذي يرفعه الحكم في وجه اللاعب على سبيل الإنذار.. طبعاً المرة التالية بيكون الكارت أحمر يعني الطرد من الملعب.. لا أعرف ان كان لفت نظركم هذا او لم يلفت، لكن أراه شبه توجُّه سائد تنضح به مقالات (بوستات) كثيرة في الفيسبوك، تَوَجُّه يبني في قرائه - وبالأولى طبعاً في كُتَّابه - فكرة:
"شوفوا هذه هي الطريقة المثلى للتعامل معي"... "ده الكتالوج بتاعي يا حضرات"... "إن أردت ان تكون لك علاقة بي عليك بكذا وكذا وكذا، وإلا فالويل والثبور وعظائم الأمور."
![]() |
| خبط الحنطة - الكارت الأصفر |
هذا ما أسميه توجه "العلاقات المشروطة"
تَوَجُّه يقول بصريح العبارة كده:
"هذه شروطي لمن يريد ان يكون على علاقة بي، فمن يقبلها عليه أن يتحلى بكذا وكذا وان يتَّبِع في معاملتي كذا وكذا، عندها أهلاً به وسهلاً، ومن لا يقبلها، الباب يفوت جمل والمركب اللي تودي."
توجه ضيق الأفق جداً ليس لاحتواء الآخر فيه مكان وأقصى حدوده في التسامح هي السبع مرات التي تطوع بها بطرس مشكوراً في قبول أخطاء أخيه وبعدها "خلاص بأه!" الراجل (بطرس) عمل اللي عليه وليس عليه لوم لو انه "قَلَب" أخوه.. وبالسلامة يا قلبي.
الكوميديا السوداء لما تجد واحداً – مثلاً - يعلن لنا بفخر أن "البرج" الذي ينتمي اليه برج حساس جداً لا يحتمل "تنطيط" الآخرين وأخطاءهم ولو أنك أخطأت في معاملته، "معلش بأه ماعطلكش"، هايقلب لك "الوش الخشب". ماهو هايعمل ايه الراجل؟ غصب عنه ومش بيده! البرج بتاعه اللي حكم بكده. (اقرأ أيضاً: النظرة الناقدة)
ومع الأسف يستشهدون بمشورات لأطباء نفسيين يبشرون بهذا المبدأ، أو على الأقل البعض يقتطع أقوالهم من سياقها ليستخدمها كمبرر، وأنا لا أستبعد الاحتمال الأول، لأن الشيطان غزا كل المفاهيم ليدمر العالم كله.
توجه شيطاني
هذا الكارت الأصفر المُشهر في وجه الجميع توجه "شيطاني" خطير، وأؤكدها مرة ثانية "هذا توجه شيطاني خطير"، خطير لأنه يتسرب إلى كل نواحي الحياة ليفسدها إذ يتسبب في تفسخ العلاقات بتسهيل تفكيكها، وحتى إن جرب أحدٌ هذا الأسلوب مع زميل أو صديق أو حتى أخ و"جت سليمة" مرة، فليحذر لأن "ليس كل مرة تسلم الجرة"، وسيجد ان الحبال التي تربطه بالجميع تتقطع واحداً تلو الآخر.
الكارثة أيضاً ان هذا يتَّبِعُه البعض في العلاقات الزوجية، وأدَّعي انه سبب في فشل كثير من الزيجات وحالات الطلاق التي زادت وانتشرت جداً، فلأسباب كثيرة ليس الآن محل مناقشتها أصبح البعض جاهزاً بالكارت الأصفر في وجه شريك حياته وهو يقول لنفسه "سأكون افضل حالاً بعيداً عن هذه العلاقة."، وبعد ان كان - في الماضي - المبدأ الذي يتلقنه الولد والبنت على حد سواء ان ليس لك إلا بيتك وزوجتك (أو زوجك) وأولادك، اصبح من السهل ان تجد من يشجعون على خراب البيوت لأتفه الأسباب، ومن يلقنون الشباب في مرحلة مبكرة من حياتهم مبدأ "الكارت الأصفر".
الوصفة الإلهية للبشر المحدودين
"الكارت الأصفر" أو "العلاقات المشروطة" لا يضع في الاعتبار أننا جميعاً بشر ناقصون حيث لا يوجد بيننا من هو كامل ولا استثناء في ذلك، كلنا أخطاء وضعفات ولو لم يوجد فيمن يحيطون بنا من يستوعب ضعفاتنا ومن يسد عنا ما نعجز عنه لن نستطيع العيش في هذه الحياة. لازم نفهم كده!!..
لازم نفهم كيفية التعامل مع الأخطاء في العلاقات، وأنه كما أنك تحتمل من الطرف الآخر هذا الموقف أو تلك التجربة فهو أيضاً في المقابل يحتملك ويحتمل منك، لأن دوام العلاقة ومتانتها هو الأهم.
وعلى عكس الشيطان صاحب فكرة العلاقات المشروطة، نجد الرب الذي هو صانعنا كبشر وهو الأكثر دراية بضعف البشر وبالطريقة المثلى لكيف نعيش وكيف نتعامل مع بعضنا البعض، هو أيضاً يريد أن تكون لنا علاقات سوية ببعضنا البعض. وهو الذي شبَّه أصحاب العلاقات المشروطة بالعشارين والخطاة (العشارون كانوا جباة الضرائب في المجتمع اليهودي ومارسوا في أعمالهم أسوأ الشرور).
شوف الكلام:
«٤٦لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ ((فقط))، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ ذلِكَ؟ ٤٧وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ هكَذَا؟» (مت ٥: ٤٦، ٤٧)
يعني طبقاً لكلام الرب مش كلامي: لو أنك تشترط وتنتظر ممن حولك أن يعاملوك بشكل طيب كشرط "مبدئي" لكي تعاملهم بالطيب فلا فرق بينك وبين أسوأ أنواع الخطاة والفَسدة.
طيب، ما هي مبادئ الرب في العلاقات؟ ما هي وصفة الرب للعلاقات الطيبة؟
"كُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ." (مت ٥: ٤٨)
"كُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ." (مت ٥: ٤٥)
فالرب لا يحمل الكارت الأصفر مهدداً رغم أنه الأحق بالتهديد إن أراد، بل يظل يشرق شمسه ويرسل مطره على الأشرار وعلى الظالمين الذين يخطئون في حقه وفي حق الناس، تماماً كما يفعل مع الصالحين والأبرار الذين يحاولون ارضاءه.. هو يشجع أن تكون العلاقات غير مشروطة.
- طيب اعمل ايه يا رب لمن يسيء إلىَّ؟
بسيطة! بادر انت بأن تقدم له كل ما هو طيب مما تريده ان يقدمه لك.
- أظل انا باستمرار من يقوم بالمبادرة؟
طبعاً! لقد جعلتك الشخصية المفتاحية في هذه العلاقة.. انت القائد وأنت المسؤول وأنت المبادر.
«فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ [أولاً]، لأَنَّ هذَا هُوَ النَّامُوسُ وَالأَنْبِيَاءُ.» (مت ٧: ١٢)
- بس ده صعب.
لكن انا سأعينك عليه.. وصدقني هو اهون آلاف المرات مما يمكن أن تجنيه من جروح نتيجة لما تسعى إليه وما تعلنه بإرادتك بالكارت الاصفر.
الاحتواء المتبادل في الزواج
رغم أن كلامنا هنا عن العلاقات بشكل عام، لكن كما أشرنا من قبل إلى أن الزواج كعلاقة كان هو أول علاقة أوجدها الله في الخليقة، وهو مرآة حساسة جداً ومدرسة الاحتواء الكبيرة لمن يريد أن يحيا سعيداً في علاقة زوجية ناجحة، وبالتالي سلسلة علاقات ناجحة أخرى في كل مجال.. جرب الوصفة يا عزيزي القارئ ولن تندم.
"1كَذلِكُنَّ أَيَّتُهَا النِّسَاءُ، كُنَّ خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِكُنَّ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ لاَ يُطِيعُونَ الْكَلِمَةَ، يُرْبَحُونَ بِسِيرَةِ النِّسَاءِ بِدُونِ كَلِمَةٍ،...... 7كَذلِكُمْ أَيُّهَا الرِّجَالُ، كُونُوا سَاكِنِينَ بِحَسَبِ الْفِطْنَةِ مَعَ الإِنَاءِ النِّسَائِيِّ كَالأَضْعَفِ، مُعْطِينَ إِيَّاهُنَّ كَرَامَةً، كَالْوَارِثَاتِ أَيْضًا مَعَكُمْ نِعْمَةَ الْحَيَاةِ، لِكَيْ لاَ تُعَاقَ صَلَوَاتُكُمْ 8وَالنِّهَايَةُ، كُونُوا جَمِيعًا مُتَّحِدِي الرَّأْيِ بِحِسٍّ وَاحِدٍ، ذَوِي مَحَبَّةٍ أَخَوِيَّةٍ، مُشْفِقِينَ، لُطَفَاءَ"(1بط 3: 1، 7، 8)
#العلاقات #العلاقات_المشروطة #الكارت_الأصفر
#خبط_الحنطة
٢٧ أكتوبر ٢٠١٨ - تاريخ النشر في فيسبوك.

احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..