-->

منطق غريب

"حينَئذٍ تبتَدِئونَ تقولونَ: أكلنا قُدّامَكَ وشَرِبنا، وعَلَّمتَ في شَوارِعِنا!" (لو ١٣: ٢٦)

الرب هنا يصف ما سيحدث في الايام الأخيرة.. هل لفت نظرك منطق من يجادلون الرب مطالبين ان يفتح لهم الباب؟

رسم بدائي لشخص يعبر بيديه وبعينيه عن حيرته وعدم استيعابه.
خبط الحنطة - منطق غريب

خلينا نتصور الموقف.. 

عندنا هنا ناس واقفين امام الرب بعد ان اغلق الباب في وجوههم ومنعهم من الدخول للحياة الابدية 

فيقرعون الباب "قائلينَ: يا رَبُّ، يا رَبُّ! افتَحْ لنا.”، فيجيبهم الرب "لا أعرِفُكُمْ مِنْ أين أنتُمْ!" (لو ١٣: ٢٥).. أنتم مين! انا لا اعرفكم!

وهنا يسوقون له حجتين لاقناعه بأنهم تبعه وانهم يعرفونه جيداً وهو أيضاً يعرفهم جيداً:

١. اكلنا قدامك وشربنا

٢. علمت في شوارعنا

بناءً عليه: انت عارفنا.. افتحلنا بقى!

تخيلت الصورة ولا لسه؟

خليني أقربها لك تاني:

١. اكلنا قدامك وشربنا:

- يا رب احنا كنا موجودين في وسط ال١٥ او ٢٠ الف واحد (ضمن الخمسة الآف عدا النساء والاطفال)، نحن من اكلنا من الخمس خبزات والسمكتين.. افتحلنا بقي!

- يا رب بالأمارة احنا كنا قاعدين ناكل في دوائر خمسين خمسين، وانت كنت تمر في وسطينا تطمئن ان الاكل وصلنا جميعاً، وحتى بالأمارة كمان انت ضحكت للواد العفريت "سمعان" ابن اخويا وطبطبت عليه... افتحلنا بقى!

- يا رب، ده انا طول عمري عايش في خيرك، طلبات بيتي وحياتي كنت تدبرها لي بكرمك.. افتحلي بقى!

- يا رب انت سترتها مع اولادي وحققت لهم ما يحتاجونه وانجحت دراستهم ووفقتهم في جوازاتهم.. افتحلي بقى!

- يا رب، كل ازمة كنت امر فيها كنت اصرخ لك فتسمع وتفرجها وتنقذني... افتحلي بقى!

ايه رأيك..

هل هذا منطق مقبول ينفع تحاجج به الله ليقبلك للحياة الابدية؟

الرب يسوع له المجد تكلم عن صلاح الله الغير محدود واعمال عنايته الغير مشروطة للدرجة التي فيها يغمر الجميع بعنايته، حتى الاشرار يعطيهم من خيره ويعتني بهم للدرجة التي فيها قال أحد القديسين "لأنّي غِرتُ مِنَ المُتَكَبِّرينَ، إذ رأيتُ سلامَةَ الأشرارِ." (مز ٧٣: ٣)، لكن هذا لا يعني ابداً ان الله سيقبل هؤلاء الاشرار في الحياة الابدية، لأن لما انتبه آساف الى "آخرتهم" تعلم باقي الدرس واستدرك وقال للرب "حَقًّا في مَزالِقَ جَعَلتَهُمْ. أسقَطتَهُمْ إلَى البَوارِ." (مز ٧٣: ١٨)..

 (انقر هنا لتتابعنا)

لذلك، كل أعمال عنايته انما هو لطف من الله عليك وطول اناة من الرب تجاهك، وهذا كله لأن له هدفاً اذ هو ينتظر لعلك ترجع بقلبك اليه فتحيا الى الابد: "أم تستَهينُ بغِنَى لُطفِهِ وإمهالِهِ وطول أناتِهِ، غَيرَ عالِمٍ أنَّ لُطفَ اللهِ إنَّما يَقتادُكَ إلَى التَّوْبَةِ؟" (رو ٢: ٤)

فكل ما يبغاه الرب من العناية بك هو ان يوصلك الى "التوبة".

"ماذا أرُدُّ للرَّبِّ مِنْ أجلِ كُلِّ حَسَناتِهِ لي؟" كان هذا سؤال داود، وكان الرد "كأسَ الخَلاصِ أتَناوَلُ، وباسمِ الرَّبِّ أدعو." (مز ١١٦ : ١٢ - ١٣)

 هذا هو المنطق المعقول.

لكن ان ترد اعمال عنايته في وجهه مطالباً اياه بأن يستكمل لطفه معك بقبولك في الحياة الابدية فهذا هو المنطق الغريب!.

 ٢. علمت في شوارعنا:

- يا رب انا كنت حاضر على الجبل وقت ان وعظت عظتك اللي دخلت التاريخ وسمعت كل كلمة انت قلتها ساعتها، وممكن اسمعك مقاطع كاملة منها.. افتحلي بقى!

- يا رب ده بيتنا كان الحيط في الحيط مع بيت سمعان بطرس في كفرناحوم، وياما سمعت عظاتك اللي قلتها هناك، وبالأمارة سمعت من حماة بطرس كيف أنك اقمتها من الحمى التي اعترتها، وكنت موجوداً على سطح البيت لما الاربعة رجال احضروا صاحبهم المفلوج وانزلوه بالحبال قدامك.. افتحلي بقى!

- يا رب ده كاسيت السيارة كان شغال علطول ترانيم وقداسات وتسبيحات وعظات وماكانش بيبطل ابداً.. افتحلي بقى.

- يا رب ده مافيش خادم ولا قسيس ولا أسقف عدى على بلدنا الا واستضفته في بيتي وعملت معاه الواجب.. افتحلي بقى!

- يا رب ده العهد الجديد كان تحت مخدتي وصور المسيح والقديسين في المحفظة وكمان تلقاها - مع الآيات والأقوال المأثورة - مالية حسابي عالفيسبوك وتويتر... افتحلي بقى!

- يا رب انا ماكنتش بافوت مؤتمر ورحلات الأديرة كانت مالية جدول السنة كلها.. افتحلي بقى!

- ده حتى يا رب جدي كان قسيس، وجوز بنت خالي وابن عم مراتي كانوا رهبان.. افتحلي بقى!

ايه رأيك.. هل هذا منطق مقبول ينفع تحاجج به الله ليقبلك للحياة الابدية؟

الرب بيعلمنا انه "ليس الّذينَ يَسمَعونَ النّاموسَ هُم أبرارٌ عِندَ اللهِ، بل الّذينَ يَعمَلونَ بالنّاموسِ هُم يُبَرَّرونَ." (رو ٢: ١٣)

 "فاصنَعوا أثمارًا تليقُ بالتَّوْبَةِ. ولا تبتَدِئوا تقولونَ في أنفُسِكُمْ: لنا إبراهيمُ أبًا. لأنّي أقولُ لكُمْ: إنَّ اللهَ قادِرٌ أنْ يُقيمَ مِنْ هذِهِ الحِجارَةِ أولادًا لإبراهيمَ." (لو ٣: ٨)، هذه كانت رسالة الرب الحاسمة من خلال يوحنا المعمدان لكل من يفكر ان يحيا على "هامش" الحياة الروحية في تصور وهمي ان هذا هو غاية المنى.

الله في غنى عما تقدمه اليه من قشور الايمان والتدين الظاهري.

ولا يصنع فرقاً معه ان كنت "تبغبغ" بكلمات الكتاب المقدس كتعاويذ تقيك من الحسد وتمنع عن العيال الشر، في غنى عن ترانيمك وصلواتك والانجيل الموجود في تابلوه السيارة او في شنطة يدِك، في غنى عن اقاربك وجيرانك الخدام والشمامسة والقسوس والاساقفة، كل هذا لن يفيد الرب بشيء وبكل تأكيد لن يفيدَك انت ايضاً.  لأن هذا منطق غريب ومعيب..

 الحياة قصيرة جداً، ومحاولة امساك العصا من النصف واللعب على كل الحبال لن يوصلك لشيء. لكن المطلوب الأساسي منك هو "التوبة" الحقيقية الصادقة النابعة من القلب عن كل ما سلف من افكار واعمال، لكي يعمل فيك الله "لخيرك" ولمجده وللحياة الابدية... هذا هو المنطق المعقول.

#خبط_الحنطة

٢١ أكتوبر ٢٠١٨ – تاريخ النشر في فيسبوك. 

تعليقات