-->

ليت إسماعيل يعيش أمامك

قصة "ميخا" وسفر دان

يوجد ٥ اصحاحات في نهاية سفر القضاة لا ترد في السياق التاريخي لتسلسل القضاة الموجود في الأصحاحات ال١٦ الأولى، لكنها تحتوي على قصتين حدثتا في وقت ما في ذلك العهد البعيد – دون تحديد - ليبينا ما كان عليه حال الشعب. ولسبب أو آخر لا يكثر الوعاظ والمتأملين من الذهاب الى هاتين القصتين.

صورة شخص يربط بحنان واعتزاز وعشق على سيارته
خبط الحنطة - الوثنية الحديثة

الأصحاحان ١٧، ١٨ يحكيان قصة ميخا ذلك الرجل الموسر من سبط افرايم الذي يملك ضيعة كاملة باسمه يسكنها أبناء عمومته ورجاله العاملين لحسابه، يُعتَقَد أن أمه أرملة غنية توافرت معها الأموال الكثيرة ورأت أن "تكرم الله" (لا تنس هذا) وتخفف عن ابنها وعن نفسها عناء السفر إلى شيلوه لتقديم العبادة إلى الله (حيث امر الرب ان كل عبادة له ينبغي ان تقدم هناك في خيمة الاجتماع)، فقررت الأم ان تصنع من جزء من أموالها تمثالين يضعهما "الإبن البار" في مكان متميز يكون للعبادة، وعين الابن ميخا أحد أبنائه ليكون كاهناً، رغم ان الكهنة طبقاً للوصية ينبغي ان يكونوا من نسل هارون من سبط لاوي.

س: يعني ميخا وأمه عملا هذا إكراماً ليهوه إله إسرائيل؟

- "نعم"

س: وبحسن نية؟

- "نعم" كما يتصور الكثيرون

س: كل هذا بالرغم من الوصية الثانية التي تنص على ان: "٤لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ.٥لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ" (خر ٢٠: ٤، ٥)؟

- "نعم" عَمِلا ما عَمِلا بالرغم من هذه الوصية.

س: هل انتهى الأمر عند هذا الحد؟

- طبعاً لا، فلقد حضر اليه بالصدفة شاب مهاجر صغير السن من سبط لاوي كان قد ضاق به الحال حيث كان يعيش فخرج الى ارض الله الواسعة يبحث عن رزقه في مكان جديد، واعتبر ميخا (الأفرايمي) ان تعيين الشاب (اللاوي) كاهناً عنده لخدمة "هذه التماثيل" هو أفضل "إكرام لله"، لأنه هكذا يكون "أكثر التزاماً" بوصية الله حيث يتقرب إليه من خلال كاهن من سبط لاوي ("فَقَالَ مِيخَا: «الآنَ عَلِمْتُ أَنَّ الرَّبَّ يُحْسِنُ إِلَيَّ، لأَنَّهُ صَارَ لِيَ اللاَّوِيُّ كَاهِنًا»" قض ١٧: ١٣)....

يا سلام! ليس في الإمكان أبدع مما كان!

هل ترى أي غرابة او تناقض مع المنطق في كل ما حدث؟

 + طيب، سنقول إن المشكلة في عائلة صغيرة غنية تصنع تماثيل وتظن انها تتعبد من خلالها لله، والسبب قد يكون "جهلهم بالوصية"؟؟

- ممكن!

+إذاً، ماذا عن هذا الشاب اللاوي الذي "كهن لأصنام" في خدمة هذه العائلة، هل هذا جهل بالوصية أيضاً؟

- مش معقول! هذا من سبط لاوي، وهو السبط الموكول اليه تعلم الشريعة وتعليمها للناس، فهو يعرف أن هذا تعدي على وصية الرب ومخالفة لإرادته (خر ٢٠: ٤ – ٦)، وهو عمل هذا علشان "أكل العيش".

- أكمل لك المفاجأة كمان؟ عاوز تعرف ما هو الاسم الكامل لهذا الشاب اللاوي؟

انه "يَهُونَاثَانُ ابْنُ جَرْشُومَ بْنُ مَنَسَّى." (قض ١٨: ٣٠)

- أين الصدمة؟

يعتقد كثير من شراح كلمة الله أن الاسم ليس "منسى" بل هو "موسى" وأن خطأً في النسخ تسبب في كتابة حرف النون بديلاً عن حرف الواو، فهذا الشاب بكل أسف هو الحفيد المباشر لموسى رجل الله.

+ وما هي المشكلة؟ إنها مشكلة محصورة في نفر واحد: اللاوي الشاب؟! نفر واحد + عائلة واحدة، يعني في النهاية هو عدد "محدود جداً" من الافراد المعدودين!

- طبعاً لا! لأن الأمر تطور لما هو أبعد وأوسع من هذا وفي سبط كامل.

* سبط دان

في (قض ١٨: ١١ – ٢٦) نرى "عشيرة كبيرة" من "سبط كبير" هو سبط دان (الثاني في التعداد بعد يهوذا)، يرتحلون مهاجرين من مكان الى مكان آخر بحثاً عن عيشة أفضل، وها نحن نرى الآلاف من هذا السبط يمرون بضيعة ميخا اثناء هجرتهم، وها هم يجدون الشاب اللاوي والتمثالين وأدوات العبادة الأخرى فيطمعون في الكل ويغرون اللاوي الشاب بأنه من الأفضل له أن يكون كاهناً لـ"سبط كامل" بدلاً من الحال الذي هو عليه ككاهن لعائلة واحدة، فيستجيب لهم اللاوي الشاب ويذهب معهم، وطبعاً يحاول ميخا الدفاع عن "آلهته" الملاكي وعن "كاهنه" الملَّاكي، لكنه يفشل ويضيع منه الكل. 

هل ترى أي غرابة او تناقض مع المنطق في كل ما حدث؟ هذا ما نبلوره في التعبير الذي اتخذناه عنواناً هنا والذي قاله إبراهيم لله في وقت سابق على هذه الأحداث: «لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَعِيشُ أَمَامَكَ!» (تك ١٧: ١٨).

ملحوظة: هل تظنها مفارقة عجيبة أن تصبح منطقة سكنى هذا السبط "دان" بعد قرون مقراً لعبادة وثنية رسمية وبأمر ملكي (١مل ١٢: ٢٨ - ٣٠)؟ لا أظن، لأن البدايات تنبئ عن النتائج والنهايات ما لم يكن هناك توبة حقيقية.

 ++ أمر طبيعي

الحقيقية أن ما حدث هو أمر طبيعي ومنتج طبيعي لطبيعة بشرية هذه امكانياتها وبيئة بشرية هذه ثقافتها، فالبشر منذ فجر الإنسانية وبعد السقوط لم يعودوا قادرين على تواصل حقيقي مع الله، لذلك لم يستوعبوا ما أراد الله منهم أن يعيشوه، ومع الأسف كانت كل اختياراتهم أرضية مادية ساقطة فاشلة تبدو في ظاهرها - أو هكذا يرونها - "أفضل ما يمكن".

تريد استكمال الأمثلة لهذه الاختيارات الفاشلة والتي تبدو في ظاهرها "أفضل ما يمكن"؟

تعالَ معايا!


شخص ساجد لتمثال ذهبي بشكل علامة الدولار
عبادة المال

الاختيارات الفاشلة

١. في البدايات الأولى، استبدل آدم المهمة التي اوكله الله بها "الوكالة عن الله" في إدارة الخليقة، تلك المهمة التي كانت تحوي القداسة مع علاقة حية وحوار مباشر مع الله ولمجد الله، وبالتالي التبعية الطوعية المقدسة للرب، استبدل آدم كل هذا بالرغبة في ان يكون معادلاً لله مستقلاً عنه و"صاحب قرار" وصاحب مبادرة («تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ» تك ٣: ٥). [اقرأ أيضاً: المعرفة بين الأماني والواقع]

هل تظن هذا اختياراً عاقلاً صائباً؟

٢. عندما تم انقاذ الجنس البشري من الفناء الكلي بالطوفان وأخذوا فرصة جديدة لحياة، هل تعرف ماذا كان أهم قرار وما هو الاحتياج المُلِحّ بالنسبة لهم؟ «هَلُمَّ نَبْنِ لأَنْفُسِنَا مَدِينَةً وَبُرْجًا رَأْسُهُ بِالسَّمَاءِ. وَنَصْنَعُ لأَنْفُسِنَا اسْمًا لِئَلاَّ نَتَبَدَّدَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ». (تك ١١: ٤).

- أي اسم وأي ذكر؟! ألم تتعلموا الدرس من الطوفان أنه لم يعد لكم في الخلود مكان وأنكم إلى زوال واسماؤكم إلى الفناء والهلاك فكيف تتصورون انكم تصنعون لأنفسكم اسماً؟!

هل تظن أن هذا اختيار عاقل صائب؟

٣. إبراهيم نفسه، عندما نتذكر الدعوة التي وجهت اليه في البداية (في تكوين ١٢) أن يترك بيت أبيه ويخرج إلى مكان آخر، وعندما نتذكر البركات التي صاحبت هذه الدعوة والتي كان أعظم ما فيها «وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ» ع٣، تخيل! "جميع قبائل الأرض"!! فهذه بركة "روحية" ممتدة إلى "جميع قبائل الأرض" ولابد ان يكون الطريق اليها روحياً أيضاً.

 ورغم وعد المعية والبركة التي تصاحبه في هذه الرحلة الروحية «لاَ تَخَفْ يَا أَبْرَامُ. أَنَا تُرْسٌ لَكَ. أَجْرُكَ كَثِيرٌ جِدًّا». (تك ١٥: ١)، رغم كل هذا يعود وينظر الى الجسد ومتطلبات الجسد والرغبة في أن يجد ابناً من صلبه يرثه، فنجده يترك "الروحي" ويقول للرب «مَاذَا تُعْطِينِي وَأَنَا مَاضٍ عَقِيمًا، وَمَالِكُ بَيْتِي هُوَ أَلِيعَازَرُ الدِّمَشْقِيُّ؟» (تك ١٥: ٢)!

- يا إبراهيم لقد رفعتك عالياً جداً الى مستوى "الأمير مع الله" (هذا معنى اسمه "إبراهيم")، ولك مهمة سامية عظيمة، وستتمتع فيها بامتيازات روحية ومادية سامية تعادلها في العظمة، لذلك فعطيتي لك ستكون على مستوى المهمة، لذلك لا يليق ان تنظر إلى السفاسف والجسديات على مستوى أليعازر الدمشقي، بل عطيتي لك «الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَحْشَائِكَ هُوَ يَرِثُكَ» ع٤.

رغم كل هذه التأكيدات لكننا نجد ابراهيم يجتهد مع سارة زوجته في أفكار ووسائل البشر العقيمة ويعود لجهود الجسد الفاشلة مجدداً للبحث لنفسه عن حلول يأمل فيها خيراً، فنراه ينجب إسماعيل الذي لم يكن تبعاً لخطة الله وليس هو من وعد به الله.

وإبراهيم مستمر في التمسك بالتفكير البشري المحدود الفاشل لذلك نراه متمسكاً بفكرة "اقتراح الحلول" على الرب، فيقول: «لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَعِيشُ أَمَامَكَ!» (تك ١٧: ١٨).

4. يعقوب: كل حياته اعتمد المكر والتعقب واللؤم ليحصل به على كل ما يريده بالمكر والخديعة واللف والدوران، هذا هو "إسماعيله" الذي يفهم فيه ويتقنه ولا يعرف غيره وبه وحده يستطيع التعامل مع المحيطين لاكتساب قوت يومه وتحصيل أرباحه، وقد ظل يعقوب مكتفياً بهذا حتى كسر الرب متكله (حق فخذه) وحرمه من اسماعيله فاضطر أخيراً إلى تسليم القياد للرب (تك ٣٢: ٢٥، ٣١ – ٣٢).

٥. شعب الرب: الذين ينظرون حولهم فيجدون كل الشعوب لها ملوك يحكمونهم بينما هم كشعب الرب لا يرون ذلك الملك الرب الذي قال لهم "أَسِيرُ بَيْنَكُمْ وَأَكُونُ لَكُمْ إِلهًا وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي شَعْبًا." (لا ٢٦: ١٢)، فيتمردون ويطلبون اسماعيلهم: "فَنَكُونُ نَحْنُ أَيْضًا مِثْلَ سَائِرِ الشُّعُوبِ، وَيَقْضِي لَنَا مَلِكُنَا وَيَخْرُجُ أَمَامَنَا وَيُحَارِبُ حُرُوبَنَا" (١صم ٨: ٢٠).

٦. ذلك الملك التقي آسا: الذي قال عنه الرب "إِنَّ قَلْبَ آسَا كَانَ كَامِلاً مَعَ الرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِهِ." (١مل ١٥: ١٤)، عندما يتعرض للخطر من أعداء أقوى منه نراه لا يلجأ للرب لإنقاذه من الخطر المحدق بل يلجأ إلى "إسماعيله" الذي لا يعرف غيره: "٢وَأَخْرَجَ آسَا فِضَّةً وَذَهَبًا مِنْ خَزَائِنِ بَيْتِ الرَّبِّ وَبَيْتِ الْمَلِكِ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَنْهَدَدَ مَلِكِ أَرَامَ السَّاكِنِ فِي دِمَشْقَ قَائِلاً: ٣«إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ أَبِي وَأَبِيكَ عَهْدًا. هُوَذَا قَدْ أَرْسَلْتُ لَكَ فِضَّةً وَذَهَبًا، فَتَعَالَ انْقُضْ عَهْدَكَ مَعَ بَعْشَا مَلِكِ إِسْرَائِيلَ فَيَصْعَدَ عَنِّي»." (٢أخ ١٦: ٢، ٣).

+ ثم نأتي إلى عصر المسيح:

ها ملء الزمان قد جاء، وها قد حان موعد الافتقاد الإلهي حيث تنتقل بنا الكاميرا الآن إلى عصر المسيح، مع مناخ معبأ بكافة النبوات التي وعدت بمسيا الذي سيخلص إسرائيل، وحيث ظل لسان حال الشعب اليهودي – ومازال – ليت إسماعيل يعيش امامك.

فها هي الأرض وهم موجودون عليها، وها هو هيكلهم موجود وهم يمارسون عبادتهم فيه، لكن ينغص عيشهم وجود المحتل الروماني المستعبد المنغص، لذلك ليت المسيا الذي يأتي يؤكد ملكيتهم للأرض ويرسخ وجودهم فيها وينزع المحتل المستعبد منها، هذه كل أمانيهم التي لا يحلمون بسواها! هم يترقبون وعد الرب على فم إشعياء: "٢١يَبْنُونَ بُيُوتًا وَيَسْكُنُونَ فِيهَا، وَيَغْرِسُونَ كُرُومًا وَيَأْكُلُونَ أَثْمَارَهَا. ٢٢لاَ يَبْنُونَ وَآخَرُ يَسْكُنُ، وَلاَ يَغْرِسُونَ وَآخَرُ يَأْكُلُ." (إش ٦٥: ٢١، ٢٢) هذا هو اسماعيلهم الذي لا يطمعون فيما هو أكثر منه.

لكن هل هذا هو فعلاً ما أعده الرب وما يريده لشعبه؟

حصاد التفاح والثمار مجموعة في اوعية والأشجار في المؤخرة
خيرات الأرض

لنستمر في المراقبة وها هو يوحنا المعمدان قد علا صوته معلناً أن "ملكوت السماوات" قد اقترب، أي ان تحقيق الأمنية قد اقترب جداً. لكن المعمدان يطلب منهم ان يستعدوا بالتوبة لهذا الملكوت المرتقب.... لا بأس! إن كانت التوبة هي ثمن الحصول على هذا الخلاص المنتظر فليتوبوا ليعيشوا حياتهم في الأمان الذي يأملون فيه. لا بأس أيضاً أن يعتمدوا بالماء الذي يغسل الخطايا (بشكل رمزي) فيخرجوا من ماء المعمودية كأنهم ولدوا من جديد مؤهلين للملكوت وللمسيا المنتظر. (اليهود يعرفون هذا المعنى الرمزي في المعمودية ومارسوه).

لكن وسط هذه "المنظومة" النبوية المرتبطة "باسماعيل"، أي المرتبطة بالأرض وبمملكة داود وازدهار الهيكل والأكل والشرب والحياة كلها، نجد يوحنا المعمدان يقول شيئاً ما يبدو غريباً لا يتفق مع هذا الفكر: "أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ لِلتَّوْبَةِ، وَلكِنِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي........... هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ." (مت ٣: ١١)

 ما هي حكاية الروح القدس والنار؟ وما دخل الأرض والزرع والحصاد والأكل والشرب وحياة الجسد كلها بالروح القدس والنار؟!!

تعالوا نرى عينات لنفهم..

(انقر هنا لتتابعنا)

نيقوديموس والأحلام القومية

هذا الرجل هو عينة فردية من تلك "المنظومة الفكرية" التي أسلفنا الإشارة إليها، نيقوديموس الفريسي معلم اليهود (كان يحمل أعلى الشهادات في العلم الشرعي)، وهو جاء إلى يسوع ليلاً يشغله - في الأغلب – ما يشغل كل الأمة: المسيا الذي سيحقق "ملكوت الله" في هذه الصورة المادية الرائعة في نظرهم رغم محدوديتها.

أتصور حال نيقوديموس وهو مقبل للحوار مع الرب يسوع وهو يريد أن يعرف منه عن الملكوت بينما لسان حاله - كما هو لسان حالنا جميعاً - يقول: ليت إسماعيل يعيش أمامك! يا رب انا راضي بإسماعيل هذا الذي أُنجِزُه وينجزه جسدي وعقلي والذي لا اعرف سواه ولا أُتقن التعامل مع غيره ولا بغيره.... والرب إذ قرأ أفكاره يبادره القول بدون مقدمات:

«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ» (يو ٣: ٣).

+ يولد من فوق! هل يعني هذا أن هناك من هو من أسفل؟ هل يعني أن ما أطلبه هو من أسفل؟

طبعاً... «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ. اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ.» ع٥، ٦

(لاحظ ان الرب هنا يأتي على ذكر "الروح والماء"، كما أتى المعمدان على ذكر "الروح والنار")

والرب هنا افترض أن:

١. نيقوديموس سيفهم سياق هذا الكلام، لأن اليهود كما أسلفنا يعرفون معنى المعمودية ومارسوه، ويفهمون كيف ان المعمودية فيها الرمز للموت وللميلاد ثانية في صورة جديدة: أموت خاطي منجس لكي أولد مطهر منتمي لجماعة شعب الرب (كما في حالة الدخلاء المتهودين كأوضح مثال).

٢. وفهم نيقوديموس أنه لا يتفق ان يظل مهتماً بالجسد وبمتطلبات الجسد وأحلام وطموحات وانجازات الجسد لو أنه أراد ان يلتحق بملكوت الله، ها هو الرب يقارن بين "جسد" و"روح"........ ميلاد "أرضي" وميلاد من "فوق"...... "إسماعيل" و"إسحاق".

"لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ." (رو ١٤: ١٧)

صورة رمزية لشخص متكئ على بيت ويحمل في اليد الأخرى كيس نقود
لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا

٣. وفهم نيقوديموس الدرس الأهم: كيف يولد الإنسان من فوق؟

فكل الإشارات إلى الروح والماء والنار ما هي إلا إشارة إلى "معجزة" يقوم بها روح الله فيغير اهتمامات نيقوديموس ويوجه قلبه وحياته نحو الله بدلاً من "إسماعيل" الجسد فيما يشبه ولادة جديدة. ولذلك نيقوديموس لا يحتاج أن يشغل نفسه "بالكيفية"، بل كل المطلوب منه هو أن يترقب ويمتلئ بالشوق إلى "النتيجة".

«اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ، وَتَسْمَعُ صَوْتَهَا، لكِنَّكَ لاَ تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي وَلاَ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ. هكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الرُّوحِ». ع٨

هو إذاً يحتاج أن يموت عن اسماعيله (الجسد)، أي تموت فيه رغباته الجسدية وان يولد من الروح فيصير قلبه مع كل ما هو روحي، وميلاده هذا سيخلصه من الجسد واهتمامات الجسد ليوجه نظره إلى كل ما هو روحي وما يرضي الله. وهذه هي المعجزة التي يقوم بها الروح القدس.

هل فاض بك الكيل حتى لم تعد قادراً على متابعة الإرهاق والقلق والضغط العصبي الشديد من متابعة كل شيء والقلق على كل شيء وانتظار الكثير الذي لا يأتي، وما يأتي يجيء منقوصاً لا يُفَرِّح ولا يُشبِع؟

هل تعاني آلام وحزن كما يعاني كل العالم من حولك مما يكسر القلب وتتمنى لو فقط تستريح قليلاً..؟

هل كل طلبك من الرب هو اعطيني قلق أخف وألم أخف وارهاق أقل...... الخ؟

لا تستغربي ولا تستغرب، فهذا هو اهتمام الجسد (إسماعيل)، كملايين غيرك وكما رأيت الآباء والأجداد يفعلون ولسنوات طويلة أنت متمسكٌ به وغاية مُناك أن تطلب من الرب: "ليت إسماعيل يعيش أمامك... بس يا رب أعِنَّي عليه"

وسيظل اسماعيل جاثماً على صدرك إلى أن تطلب من الرب أن يحررك منه للأبد، فيلِدُك الروح القدس من جديد وينقلك من سلطان الظلمة والجسد ومن هذا المجال الفاسد الذي لا نجني منه إلا الألم، ينقلك إلى حرية مجد أولاد الله، فتفكر فيما يرضي الرب وتجني السلام الذي يليق بأولاد الله.

"٥فَإِنَّ الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَبِمَا لِلْجَسَدِ يَهْتَمُّونَ، وَلكِنَّ الَّذِينَ حَسَبَ الرُّوحِ فَبِمَا لِلرُّوحِ. ٦لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ، وَلكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ." (رو ٨: ٥، ٦)

زوجة مهمومة تستخدم الآلة الحاسبة لمراجعة مزانية البيت والزوج يشاركها الهم
لا تهتموا بشيء

السامرية بين القوت والحاجة العاطفية

- امرأة من جنسية مختلفة عن الشعب اليهودي بل واعداء لليهود، في بادئ الأمر جاءت هذه المرأة وخلفها مشاكل كثيرة، ولديها طموحات كثيرة، واثناء الحوار مع الرب وضح جداً اهتمامها بإسماعيلها مثلنا جميعا. 

- أتصور إسماعيل المرأة السامرية نراه في التالي:

١. انشغال بالاحتياجات المادية والقوت اليومي:

فهي مثلنا جميعاً تبحث عن قوت اليوم وتشتاق لو يغطي لها الرب هذه الحاجة فلا تعود تبحث بشكل يومي.

«يَا سَيِّدُ أَعْطِنِي هذَا الْمَاءَ، لِكَيْ لاَ أَعْطَشَ وَلاَ آتِيَ إِلَى هُنَا لأَسْتَقِيَ». (يو ٤: ١٥)

٢. انشغال بالحاجة العاطفية والاحساس بالأمان:

فهي تحتاج أن تعيش في ظل آخرين (الزوج او العشيق).

«لأَنَّهُ كَانَ لَكِ خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ، وَالَّذِي لَكِ الآنَ لَيْسَ هُوَ زَوْجَكِ. هذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ». (يو ٤: ١٨)

رجل متعلق بساق امرأة في محاولة لمنعها عن تركه
التشبث بالبشر

٣. احتياج كبير أيضاً للدفاع عن صحة الفكر والعقيدة:

فهي تحاول الدفاع عن صحة فكرها والعقيدة التي تنتمي إليها، وهذا امر مرهق يستهلك النفس.

«آبَاؤُنَا سَجَدُوا فِي هذَا الْجَبَلِ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ فِي أُورُشَلِيمَ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُسْجَدَ فِيهِ». (يو ٤: ٢٠)

- لكن قابلها الرب حيث ولدت ثانية من الروح كما وعد نيقوديموس في الاصحاح السابق:

"١٣«كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضًا. ١٤وَلكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ، بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ»." (يو ٤: ١٣، ١٤)

- وفهمت بالأحرى - كما فهم نيقوديموس - ان الرب يتكلم عن الروح والروحيات وليس عن الماديات:

"اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا»." ع٢٤

- وعمل "روح الرب" فيها لذلك انظر ماذا كانت النتيجة:

١. ما عادت مشغولة بالحاجة المادية:

فقد تخلت عن جرتها عند البئر بكل ما تحمله الجرة من معاني الشبع للقوت، ما عاد موضوع ان تستقي ماء له أهمية كبيرة عندها........ بالمقارنة مع ما حملته من "رسالة الملكوت" للناس (ع٢٨).

٢. تحررت من فكرة الأمان في البشر ومن البشر:

فانطلقت تنادي أهل مدينتها غير عابئة باختباء أو اعتماد على الآخرين. واجهت الناس بكل ما تحمله من تاريخ مظلم ثقيل غير عابئة بمعايرة او نظرات احتقار........ لأن كان كل همها هو "بشارة الملكوت" (ع ٢٨، ٢٩).

٣. تخلت عن فكرة التفوق الفكري والعقائدي:

لأنها ببساطة بشرت ب"مسيا اليهودي" الأمر الذي هو ضد شعورها القومي الذي يفترض فيه معاداة اليهود، وهذا يشكل نقطة انقلاب فكري كبيرة تعاملت معها بكل بساطة وفوراً (ع٢٩).

هل ترى نفسك أفضل من هذا المستوى؟

تعال نشوف كده!

ضربة كل البشرية

في الحقيقة، عندما قال إبراهيم للرب "ليت إسماعيل يعيش امامك" كان مثالاً لكل واحد فينا، فقد كان اسماعيل هو أقصى ما كان إبراهيم يحلم بإمكانية الحصول عليه أو إنجازه أو الوصول اليه. ونحن بالمثل ننظر الى امكانياتنا وأحلامنا المحدودة والبيئة المحيطة بنا بكل المعادلات التي تحكمها والتي تبدو لنا "منطقية جداً" حسب الطبيعة البشرية، حتى القناعات التي تحكمنا، كلها نستمدها من البيئة الساقطة الفاشلة المحيطة بنا. هذه البيئة التي كان قضاء الرب عليها "١٧بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ.١٨وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ." (تك ٣: ١٧، ١٨).

موظف او رجل اعمال في لبس انيق يجلس باسترخاء واطمئنان على كرسي مكتبه
ليت اسماعيل يعيش أمامك

+ "فضل وعدل"! بس انت يا رب بارك في اللي موجود.. آكلها ب"دُقَّة" وانا خالي البال... "ليت إسماعيل يعيش أمامك"!

+ يا رب! أمامك يومي من صبحه لليله، اليوم الذي اقضيه أكدح واعرق واكافح لأنجح واحقق ذاتي وحتى انفق على بيتي وأولادي، وناكل لقمة هنية ولا نحتاج لأحد..... "ليت إسماعيل يعيش أمامك".

+ لو سررت أن تعطيني أيام سعيدة في سنيني القادمة بدون منغصات أو نكد أو عوز أو تجربة قاسية، يبقى كرم كبير منك. أنا مش عاوز أكتر من كده!..... "ليت إسماعيل يعيش أمامك".

+ أنا طلباتي صغيرة ومحدودة، لو بس تعطيني جسد صحيح بدون مرض حتى أكمل سنيني بخير يبقى رحمة وخير منك..... "ليت إسماعيل يعيش أمامك".

+ لو بس تفرحني بأولادي وبخيرهم وسترهم يبقى فضل كبير اشكرك عليه ولا اريد اكثر منه!.... "ليت إسماعيل يعيش أمامك"

ملحوظة خطيرة: راقب ما حولك جيداً وشوف ستجد صلواتنا متمحورة حول ذواتنا واحتياجاتنا، ويوم أن نفكر في تمجيد الرب في ترنيماتنا نمجده لأنه "فدانا" و"يعتني بنا" و"يحفظنا" و"يدبر لحياتنا"، دققوا الملاحظة في ترنيماتنا تجدونها مزدحمة بضمير المتكلم (أو المتكلمين) الفاعل والمفعول به ("انا"، "ني"، "نحن"، "نا"....الخ)

فنحن في هذا لا نختلف عن كل الأمثلة السابقة والذين كان لسان حالهم - ونحن مثلهم - "ليت إسماعيل يعيش امامك".

هذا هو اسماعيلك يا أخي ويا أختي، هذا اسماعيلنا كلنا يا أحبائي الذي ننظر اليه بكل ترقب وشكر، ونتعامى - في مقابله – عن المأمورية العظمى التي اوكلها لنا الله، متناسين أن هذه المأمورية يضاف إليها فيض كبير من "الامتيازات" الروحية وفي نهايتها حياة ابدية..

++ الكتاب إذاً يعلمنا "لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا." (أف ٢: ١٠).

ويخطئ من يتصور أن هذه "الأعمال الصالحة" التي تكلم عنها الرب هي:

- أكل العيش.... لكن بشرف ونزاهة!!

- بناء الشقق والبيوت...... لكن من الحلال!!

- تربية العيال........ لكن في الأمانة وتقوى الله!!

- قضاء العمر في كد وتعب....... لكن لابد من الذهاب للكنيسة على الأقل مرة في الأسبوع!! ....................... الخ.

الحقيقة أن هذه كلها في الغالب تحولت في حياتنا إلى إسماعيل، والرب يسوع أشار اليها كلها في عبارة جامعة مانعة حيث قال: "إنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ." (مت ٦: ٢٣)، "لكِنِ".... مقامكم وتكليفكم انتم يختلف: "اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ." (مت ٦: ٣٣)

ليتك تسمح لله بالعمل بروحه داخل روحك ليوجه نظرك للسماويات وتتحرر من الأرض والأرضيات، فلا يعود "اسماعيل" هو جل اهتمامك، ولن تعود كل مشغوليتك، حتى في الصلاة "ليت اسماعيل يعيش امامك" كما هو حادث حالياً. تجرأ أن تحلم مثل الله!

راجع نفسك جيداً من فضلك واحسبها صح! هل تضيع حياة ابدية لا يمكن قياسها مقابل "سَبْعُونَ سَنَةً، وَإِنْ كَانَتْ مَعَ الْقُوَّةِ فَثَمَانُونَ سَنَةً، وَأَفْخَرُهَا تَعَبٌ وَبَلِيَّةٌ، لأَنَّهَا تُقْرَضُ سَرِيعًا فَنَطِيرُ." (مز ٩٠: ١٠)

#ليت_إسماعيل_يعيش_أمامك

#خبط_الحنطة

٩ فبراير ٢٠١٩ – تاريخ النشر في فيسبوك. 

تعليقات