"وَلَمَّا دَخَلاَ السَّفِينَةَ سَكَنَتِ الرِّيحُ." (مت ١٤: ٣٢)
+ الانتظار بصبر ليس هو القضية المفضلة في عالمنا
سيدة سيارتها متعطلة في الشارع وعطلت المرور، السيدة رافعة غطاء المحرك وتنظر في محاولة للبحث عن سبب العطل ولكن بلا نتيجة، بينما يد السائق الذي خلفها تضغط على زر بوق السيارة بلا هوادة. أخيراً فاض بها الكيل، فذهبت إليه في سيارته وقالت بكل لطف: "لا أعلم ماذا أصاب سيارتي، لكن لو أنت تعرف تفضل وألقِ نظرة على المحرك، وأنا يسعدني أن أبقى هنا لتشغيل البوق بالنيابة عنك".
نحن لسنا صبورين، بل دائما متعجلين نميل الى استخدام البوق، استخدام الميكرويف، البريد السريع، مطاعم الأكل السريع، ممر المشتريات السريعة في الأسواق. لا يحب الناس الانتظار في المرور، على التليفون، في الأسواق أو في مكتب البريد.
![]() |
| خبط الحنطة - تعلم الانتظار |
روبرت ليفاين في كتابه الرائع المسمى "جغرافية الزمن" يقترح ابتكار وحدة جديدة لقياس الزمن اسمها "هونكوثانية" Honkosecond، وهي تساوي "الوقت الذي يمر ما بين تغير إشارة المرور الى الأخضر وبدء السائق خلفك في استخدام البوق"، وهو يقول انها أصغر وحدة لقياس الزمن معروفة للعلماء حتى الآن. (الهونك Honk هو بوق السيارة في الإنجليزية)
+ إذاً، ما هي مقدار مهارتك في الانتظار؟
• في بوابة تحصيل الرسوم على الطريق، سائق السيارة امامك مستغرق في محادثة طويلة مع موظف تحصيل الرسوم... وأنت:
١. سعيد انهما يُفَعِّلان رابطة بوابة تحصيل الرسوم، وتفكر جدياً في الانضمام اليهما لتكونا جروباً صغيراً؟
٢. تحلم بما ترغب في قوله لموظف البوابة؟
٣. تفكر جدياً في حشر سيارتك في الفراغ بين شباك الموظف والسيارة التي أمامك؟
• في غرفة انتظار عيادة طبيبك، وقد مر عليك ساعة منتظراً.... وأنت:
١. تحس بالامتنان أنك وجدت أخيراً أحد أعداد عام ١٩٩١ من مجلة الريدرز دايجست؟
٢. تخبر المرضى الأخرين أنك مصاب بمرض معدي جداً ومميت آملاً ان تُخلَى غرفة الانتظار ممن فيها؟
٣. تتصنع صعوبة في التنفس أو أزمة قلبية لتجتذب الانتباه فوراً؟
معظمنا غير مغرمين كثيراً بالانتظار، لذلك يعجبنا في متَّى تصويره ليسوع على أنه ربُّ الأفعال العاجلة. ثلاث مرات في أعداد قليلة نجد متَّى يستخدم "للوقت"، "في الحال":
• "وَلِلْوَقْتِ أَلْزَمَ يَسُوعُ تَلاَمِيذَهُ أَنْ يَدْخُلُوا السَّفِينَةَ وَيَسْبِقُوهُ إِلَى الْعَبْرِ حَتَّى يَصْرِفَ الْجُمُوعَ." (مت ١٤: ٢٢)
• عندما ظن التلاميذ انهم يرون شبحاً وصرخوا من الخوف "فَلِلْوَقْتِ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ قِائِلاً: «تَشَجَّعُوا! أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا»." (مت ١٤: ٢٧)
• عندما بدأ بطرس يغرق وصرخ طالباً النجاة "فَفِي الْحَالِ مَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَأَمْسَكَ بِهِ" (مت ١٤: ٣١)
أعمال يسوع سريعة وواعية وحاسمة، هو لا يضيع "هونكوثانية"، لكن هناك أيضاً قصة أخرى عن "الانتظار"، إذ أن متَّى يخبرنا أيضاً ان يسوع يأتي للتلاميذ "َفِي الْهَزِيعِ الرَّابعِ مِنَ اللَّيْلِ" (مت ١٤: ٢٥).
قسم الرومان الليل إلى أربع مناوبات حراسة:
١. ٦,٠٠ م الى ٩,٠٠ م
٢. ٩,٠٠ م الى منتصف الليل
٣. منتصف الليل الى ٣,٠٠ ص
٤. ٣,٠٠ ص الى ٦,٠٠ ص
إذاً، لقد جاء يسوع للتلاميذ في وقت ما بعد ٣,٠٠ صباحاً رغم انهم في السفينة منذ ما قبل غروب اليوم السابق. لماذا التأجيل الطويل؟ لو كنتُ واحداً من التلاميذ لكنتُ أفضل أن يظهر يسوع في وقت بدء العاصفة تماماً أو حتى قبلها بقليل، انا أريده ان يكون متاحاً في هونكوثانية.
لكن متَّى لديه أسبابٌ وجيهة لذكر التوقيت. رولينسون (E. J. Rawlinson) يشير إلى أن المسيحيين الأوائل وهم يعانون من عاصفتهم الخاصة من الاضطهاد قد يكونوا قد وجدوا تعزية عظيمة في هذا التأخير:
"القلوب المتعبة ربما كانت قد بدأت تتساءل إن كان الرب نفسه قد تخلى عنهم ليلاقوا مصيرهم، أو ربما بدأت تشك في حقيقة المسيح. وها هم هنا يتعلمون أنهم غير متروكين، وأن الرب الغير منظور يحرسهم... إن الحي سيد الريح والأمواج سيأتي سريعاً لخلاصهم، حتى لو كان هذا في الهزيع الرابع من الليل"
+ أراد متَّى أن يتعلم قراؤه الانتظار
لحظة انتظار أخرى تتعلق بقرار بطرس بالخروج من السفينة. هو لا يستطيع القيام بهذا اعتماداً على جرأته الشخصية، لابد أن يطلب أولاً الإذن من يسوع ثم ينتظر استجابة، أن تضيء الإشارة الخضراء. أتصور أن هناك نوع آخر من الانتظار هنا في حالة بطرس، هل تتخيل معي كيف كانت خطوات بطرس الأولى على الماء؟ أكيد يسوع كان "خبير" مشي على الماء، أما بالنسبة لبطرس، لابد أنه كان هناك نوع من "منحنيات التعلم" يتعلق به.
(اقرأ أيضاً: بركات الانتظار)
+ تعلُّم المشي دائما ما يتطلب الصبر
احتاج الأمر لتمام الأحداث كلها حتى ينال التلاميذ ما أرادوه: "سَكَنَتِ الرِّيحُ"، لماذا لم يجعل يسوع الريح تنتهي "في الحال" عندما رأى التلاميذ خائفين؟ ربما كان أسهل لبطرس ان يمشي، لكن من الواضح ان يسوع رأى انهم سيستفيدون شيئاً آخر بالانتظار.
(خليك فاكر أن النشاط الذي كان على التلاميذ ان يقوموا به حتى النهاية هو: الانتظار.)
تعال نقول إنك قررت – مثل بطرس - أن تخرج من السفينة، أن تثق بالرب وتأخذ خطوة إيمان – مثلاً:
- ان تختار بشجاعة أن تترك وظيفة مريحة لتكرس نفسك لدعوة من الله...
- أنك قررت أنك ستستخدم موهبة تؤمن ان الله منحك إياها وانت داخلك "ميت من الخوف" أن تفشل...
- أن تخوض مغامرة بدء علاقات مع أشخاص جدد رغم أنك تكره ان تجد رفضاً من أحدهم...
- أن تقرر العودة للدراسة من جديد رغم أن الناس يقولون لك إن هذا اقتصادياً غير منطقي...
المهم، انت قررت أن تضع ثقتك في الله وتخرج من السفينة....... ماذا بعد؟
حسناً! قد تختبر دفعة ضخمة من الإثارة الهائلة، وربما ستجد تأييداً فورياً لقرارك من كل الناس، الظروف تصبح ملائمة أكثر، كل مغامرة تجدها تأتي بثمارها المطلوبة، كل جهودك تكلل بالنجاح، حياتك الروحية تزدهر، ايمانك يتضاعف، وكل أصدقائك ينبهرون بنجاحاتك، كل هذا يحدث في هونكوثانية. هل ممكن أن هذا يحصل؟ طبعا ممكن يحصل، لكن ليس دائماً، لأن الله - لأسباب جيدة قد لا نفهمها – لا يتحرك دائما بنفس سرعة خطواتنا المجنونة. نحن أشبه ما يكون بمدمني شرب القهوة الاسبرسو بكفايين مضاعف لكنهم يتبعون قائداً يشربها قهوة منزوعة الكفايين.
+ بعض أنواع الانتظار يكون بسيطاً إجمالاً مثل بوابة الرسوم او عيادة الطبيب كما اسلفنا، لكن هناك أنواع من الانتظارأكثر جدية واكثر صعوبة:
• شخص أعزب ينتظر على رجاء أن الله يدخر له زوجة/زوج، ويبدأ في الشعور باليأس لتأخر رجائه.
• زوجان ليس لديهما أطفال وينتظران بلهفة وباستماتة استكمال أسرتهما بالأطفال.
• شخص يتوق للحصول على عمل هادف ومرموق وينتظر، ورغم ذلك لا يبدو أن هناك شيء في الأفق.
• امرأة مصابة بالاكتئاب الشديد تنتظر بشوق لذلك الصباح الذي فيه تعود كما كانت في الماضي مقبلة على الحياة كالأشخاص الطبيعيين.
• طفل يحس أنه بليد وأخرق ينتظر اليوم الذي فيه يختاره الزملاء في تقسيمة اللعب ليشركونه معهم دون هزء أو سخرية.
• انتظار أبناء الأقليات المظلومة لليوم الذي فيه يرون كل الأطفال يتم الحكم عليهم ليس تبعاً لعرق أو دين لكن تبعاً لمكونات شخصياتهم.
• مسن في بيت مسنين يشكو مرضاً عضالاً وينتظر الموت وحيداً.
كلنا في بعض فترات حياتنا سيكون علينا ان نتعلم الانتظار.
![]() |
| خبط الحنطة - الانتظار هو اصعب اعمال الرجاء. |
لويس سميدس (Lewis Smedes) كتب:
"الانتظار هو قدرنا كمخلوقات لا تستطيع تحقيق كل ما تأمل فيه بالاعتماد على نفسها فقط.
في الظلام ننتظر شعلة لا نستطيع نحن اشعالها بأنفسنا.
ننتظر في خوف نهاية سعيدة لا نستطيع نحن كتابتها.
ننتظر ما لم يحن موعده بعد ونراه كأنه لن يأتي أبداً.
الانتظار هو أصعب أعمال الرجاء."
في الحقيقة، قد يكون الانتظار هو أصعب شيء نحن مدعوون لعمله.
لذلك، من المحبط جداً ان نلتفت للكتاب المقدس فنجد الله نفسه - الذي هو كلي القدرة وكلي الحكمة – لا يفتأ يقول لشعبه "انتظروا".
"٧انْتَظِرِ الرَّبَّ وَاصْبِرْ لَهُ....... ٣٤انْتَظِرِ الرَّبَّ وَاحْفَظْ طَرِيقَهُ، فَيَرْفَعَكَ لِتَرِثَ الأَرْضَ." مز ٣٧
o يأتي الرب لإبراهيم وهو في الخامسة والسبعين، ويخبره أنه سيكون أباً ليس لواحد فقط بل لأمة كبيرة. كم انتظر حتى تحقق هذا الوعد؟ ٢٤ سنة...... كان على إبراهيم أن ينتظر.
o يخبر الرب الإسرائيليين أنهم سيخرجون من عبوديتهم في مصر ليصبحوا أمَّة، لكن يضطر الشعب إلى الانتظار لمدة ٤٠٠ سنة. (الحقيقة أن الفترة التي قضاها الشعب في مصر فعلياً أكثر قليلاً من ٢٠٠ سنة.. المترجم)
o يخبر الرب موسى انه سيقود الشعب إلى أرض الموعد، لكنهم يضطرون للانتظار ٤٠ عاماً في البرية.
في الكتاب المقدس، تجد أن "الانتظار" مقترن "بالإيمان" للدرجة التي فيها تستخدم الكلمتان في بعض الأحيان كبدائل لبعضهما.
لاحظ أن الوعد الأعظم في العهد القديم كان هو أن مسيا سيأتي، لكن إسرائيل اضطر للانتظار جيلاً بعد جيل وقرناً بعد قرن، وحتى عندما جاء المسيا لم يتعرف عليه إلا من كانوا مثبتين أنظارهم نحو مجيئة فعلاً، مثل سمعان الشيخ الذي "كَانَ بَارًّا تَقِيًّا يَنْتَظِرُ تَعْزِيَةَ إِسْرَائِيلَ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ كَانَ عَلَيْهِ." (لو ٢: ٢٥)
لكن حتى وصول يسوع لم يعنِ ان الانتظار قد انتهى، عاش يسوع، وعلَّم، وصُلب، وقام من الأموات، وكان قد أوشك أن يصعد إلى السماء عندما سأله أصدقاؤه: «يَارَبُّ، هَلْ فِي هذَا الْوَقْتِ تَرُدُّ الْمُلْكَ إِلَى إِسْرَائِيلَ؟» (أع ١: ٦)، هذا يعادل في تقديري: «هل انتهينا من الانتظار؟»
لكن نجد يسوع يوجه إليهم أمراً آخر:
"لاَ يَبْرَحُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ، بَلْ يَنْتَظِرُوا مَوْعِدَ الآبِ" (أع ١: ٤)
كتب بولس:
"٢٣وَلَيْسَ هكَذَا فَقَطْ، بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ، نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا.٢٤لأَنَّنَا بِالرَّجَاءِ خَلَصْنَا. وَلكِنَّ الرَّجَاءَ الْمَنْظُورَ لَيْسَ رَجَاءً، لأَنَّ مَا يَنْظُرُهُ أَحَدٌ كَيْفَ يَرْجُوهُ أَيْضًا؟٢٥وَلكِنْ إِنْ كُنَّا نَرْجُو مَا لَسْنَا نَنْظُرُهُ فَإِنَّنَا نَتَوَقَّعُهُ بِالصَّبْرِ." (رو ٨: ٢٣ – ٢٥)
٤٣ مرة في العهد القديم وحده نجد الأمر يتكرر للشعب: انتظر... انتظر الرب
حتى الكلمات الأخيرة في الكتاب المقدس هي أيضاً عن "الإنتظار":
"يَقُولُ الشَّاهِدُ بِهذَا: «نَعَمْ! أَنَا آتِي سَرِيعًا». آمِينَ. تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ." (رؤ ٢٠: ٢٢)
قد لا يبدو الأمر "سريعاً" كما ينبغي، لكن في ضوء الأبدية نتبين أنه قريب جداً.. تمسك بالرجاء!
" آمِينَ. تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ."..
حسناً.. سنتمسك بالرجاء.. لكن تعال! نحن في انتظارك.
لماذا؟ لماذا يجعلنا الله ننتظر؟ لو انه يستطيع عمل أي شيء، لماذا لا يريحنا ويستجيبنا الآن؟
وللإجابة (ولو حتى جزئياً)، يمكننا إعادة صياغة ما قاله بن باترسون (Ben Patterson):
ما يعمله الله فينا أثناء الانتظار لا يقل أهمية عما ننتظره.
* الكاتب: جون اورتبرج John Ortberg
#خبط_الحنطة
٢٩ سبتمبر ٢٠١٨ – تاريخ النشر في فيسبوك.
اقرأ أيضاً:


احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..