-->

أعلنتَها للأطفال: رحلة في انجيل متى أصحاح ١١

مقدمة - أعلنتها للأطفال

(متى ١١: ٢٥، ٢٦) "٢٥فِي ذلِكَ الْوَقْتِ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: «أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ.٢٦ نَعَمْ أَيُّهَا الآبُ، لأَنْ هكَذَا صَارَتِ الْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ." 

رفع الرب يسوع هذه الصلاة إلى الآب بعدما تكلم – في الآيات السابقة - عن يوحنا المعمدان وذكَّر مستمعيه بما سمعوا من يوحنا وما سمعوا ورأوا منه هو شخصياً (اسم الإشارة "هذه" تعود على ما سبق من آيات).
ما أعمق هذه الصلاة وما أبسطها ، غير أنها أيضاً صادمة لمن يفكر فيها بتمعن ، صادم أن نعرف أن الله في الوقت الذي أخفى حقائق لاهوتية عظيمة عن الحكماء والفهماء (أو من يرون أنفسهم هكذا) أعلنها للأطفال (يقصد البسطاء من البشر)، والصادم أكثر أن هذا القرار ليس عن اضطرار (حاشا) وليس كرد فعل لا ارادي لمفاجأة غير متوقعة من الناس، لكنه في الواقع قرار مسبق اتخذه الله بناء على معرفته بطبيعة البشر، قرار اتخذه الآب بحكمة كاملة وبكل أريحية وسرور، لأن الرب يسوع يقولها صريحة في العدد التالي مباشرة: "نَعَمْ أَيُّهَا الآبُ، لأَنْ هكَذَا صَارَتِ الْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ." ، أي أن مسرة الله الآب – على عكس توقعات المنطق البشري - هي في حرمان كل من يظن نفسه حكيماً وفهيما من حقائق الملكوت بينما يعلنها للبسطاء، لذلك نجد "الحكماء" في الظلمة يتخبطون فيما يخص أمور الله بينما يعيش البسطاء في نور الملكوت.

الرب يسوع يلاعب طفلاً صغيراً
خبط الحنطة - أعلنتها للأطفال

لعلنا نذكر ما قاله الرب له كل المجد عندما وجد التلاميذ يمنعون الأطفال من أن يقتربوا اليه «دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ» (مت ١٩: ١٤)، ولنلاحظ ان الرب لم يقل إن ملكوت السموات "لهؤلاء" أي للأطفال أنفسهم ، بل قال "لمثل هؤلاء" أي لكل من يشبههم في البساطة والتلقائية والتصديق الغير متكلف الذي لا يدنوا اليه شك والذي لا يبحث عن تعقيد للأمور أو فلسفة زائدة والذي حوى الثقة المطلقة في كلام الله دون تحوير أو بحث عن مخارج ملتوية، الأطفال الذين عندهم استعداد للطاعة لأنهم يعرفون أن الأب يعرف خيرهم ويقيهم الشرور. (طبعاً بديهي ان يتمتع الأطفال الصغار فعلاً بالملكوت).

ولقد ربط الرب يسوع له المجد بين التمتع بملكوت السماوات وبين التشبه ببساطة الأطفال "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ." (مت ١٨: ٣). لاحظ هنا أنه استخدم أسلوب القصر القاطع المانع ("إن لم".... "فلن")، ليس هناك من سبيل لدخول ملكوت السماوات إلا من خلال بساطة الأطفال وإيمان الأطفال، وأي كلام غير كده يبقى تضييع وقت على الفاضي.

أيضاً نذكر أنه "١٥لَمَّا رَأَى رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ الْعَجَائِبَ الَّتِي صَنَعَ، وَالأَوْلاَدَ يَصْرَخُونَ فِي الْهَيْكَلِ وَيَقُولُونَ: «أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ!»، غَضِبُوا١٦وَقَالُوا لَهُ: «أَتَسْمَعُ مَا يَقُولُ هؤُلاَءِ؟» فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «نَعَمْ! أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ: مِنْ أَفْوَاهِ الأَطْفَالِ وَالرُّضَّعِ هَيَّأْتَ تَسْبِيحًا؟»." (مت ٢١: ١٥، ١٦)، رؤساء الكهنة والكتبة هم قادة الشعب المفترض فيهم الحكمة والنضج والوعي الكامل بالناموس والذين بعد أن رأوا بأم أعينهم "العجائب التي صنع" رفضوا أن يعترفوا به وصمموا على المضي قدما في طريق غيهم وما يظنونه الإبقاء على سلطتهم وجاههم وربما يرونه "أَنَّهُ خَيْرٌ لَنَا أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ وَلاَ تَهْلِكَ الأُمَّةُ كُلُّهَا!". (يو ١١: ٥٠) يالغباء البشر عندما يأبون أن يخضعوا تحت يد الله القوية! لذلك كان رأي يسوع أن الأطفال أكثر منهم اقتراباً لشئون ملكوت الله للدرجة التي فيها قبل الله أن يهيئ تسبيحه ومجده من أفواه الأطفال لا من افواه الشيوخ "الحكماء".

الرب وهو يمتدح البساطة التي في الأطفال لقبولهم أمور ملكوته يدين في نفس الوقت غباء من يرون أنفسهم "الحكماء والفهماء" وإصرارهم على العناد والمكابرة واتخاذ كافة الذرائع التي بها يمنعون أمور الله من الاقتراب من عقولهم وقلوبهم، فيظلون في ظلام الجهل يتخبطون بينما ثمار الملكوت يشبع بها "بسطاء" القلب، ولذلك طوَّب الرب البسطاء لأنهم هم من يستطيعون رؤية الله في وسط شوشرة العالم وضبابيته "طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ (يرون) اللهَ." (مت ٥: ٨)

في هذا الأصحاح (إنجيل متى ١١) نرى كيف تتناقض أفكارنا البشرية التي هي ناتج حكمتنا البشرية (مهما علت) مع قصد الله وحكمته، وكيف يخالف الله كل توقعات وتصورات ومقاييس البشر بشكل مذهل.

(اقرأ أيضاً: الميتافيزيقا والمعجزة)

تعالوا نرى الحكاية من بداية الأصحاح فيما يلي:

(٢)

يوحنا المعمدان ومكافأة الأمناء 

(متى ١١: ٢ - ٦) "٢أَمَّا يُوحَنَّا فَلَمَّا سَمِعَ فِي السِّجْنِ بِأَعْمَالِ الْمَسِيحِ، أَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ،٣وَقَالَ لَهُ:«أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟»٤فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمَا:«اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ:٥اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ.٦وَطُوبَى لِمَنْ لاَ يَعْثُرُ فِيَّ»."

يوحنا المعمدان يكلم احد تلاميذه من خلف قضبان السجن

خبط الحنطة - يوحنا المعمدان ومكافأة الأمناء.

يوحنا: «أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟»

- معقول يا يوحنا، بعد كل هذه المدة والقرابة بينكما ولم تناقش معه هذا الموضوع من قبل؟

يوحنا: لم نتحدث أبداً في هذا الموضوع، صحيح أنا أعرفه ولم يفارقني إحساس قوي بأنه شخص متميز جداً، لكني لم اجرؤ على سؤاله أبداً. تعليمات خدمتي تلقيتها من الروح القدس مباشرة، أما يسوع فقد «رَأَيْتُ الرُّوحَ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ مِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ.٣٣وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ، لكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ، ذَاكَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلاً وَمُسْتَقِرًّا عَلَيْهِ، فَهذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ.٣٤وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هذَا هُوَ ابْنُ اللهِ» (يو ١: ٣٢ – ٣٤).

- طيب أنت أدَّيْت الخدمة التي كلفت بها على أكمل وجه، أعددت الطريق أمام المسيا المخلص، وكانت رسالتك: "تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ." (مت ٣: ٢)، وأيضاً: «هذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: إِنَّ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي صَارَ قُدَّامِي، لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي». (يو ١: ١٥)، فما الذي يدفعك إلى تساؤل مثل هذا بعد كل هذا الوقت؟

يوحنا: بالمنطق كده، توقعت أن الخادم الأمين يكافأ مكافأة تعادل امانته، وانا لم أقصر في أداء خدمته حتى اليوم، حيث لم أقصر في أداء دوري التوبيخي لكل الشعب الخاطئ وأعلنت ان طريق التوبة تيسَّر لأن المسيح قادم ليفتح باب الخلاص لجميع التائبين، وحتى الملك هيرودس نفسه لم أجامله في الحق، لكن الغريب أن آل مآلي إلى السجن.. ترى هل فهمتُ صوت الروح القدس جيداً عندما كلفني بالرسالة؟ أم هل كانت خدمتي على غير هدى؟ هل كنت على صواب فيما فعلت؟ وإن كنت على صواب، فلماذا انتهى بي الأمر إلى السجن؟ هل هذه هي مكافأتي؟

- صحيح! لقد تذكرت الآن أرملة النبي التي صرخت لأليشع «إِنَّ عَبْدَكَ زَوْجِي قَدْ مَاتَ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ عَبْدَكَ كَانَ يَخَافُ الرَّبَّ. فَأَتَى الْمُرَابِي لِيَأْخُذَ وَلَدَيَّ لَهُ عَبْدَيْنِ». (٢مل ٤: ١)، فلماذا يسمح الله بمثل هذه الأمور لرجاله الأمناء؟

- ترى ماذا كان رد الرب يسوع على سؤالك؟

يوحنا: كان رده غريباً شوية علشان غير مباشر، لكنني فهمت قصده، قال: "٥اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ.٦وَطُوبَى لِمَنْ لاَ يَعْثُرُ فِيَّ».”، لقد كانت هذه كلها أعمال المسيا كما سبق وبشر به الأنبياء. (إش ٢٩: ١٨، ٣٥: ٥، ٦١: ١). عندما سمعت ذلك تأكدت أنني لم اسعَ باطلاً.

- لكن ماذا عن سجنك وما يجره عليك؟ ماذا عن مكافأة خدمتك؟

يوحنا: يظهر انت مش واخد بالك: لقد انار عينيَّ واكتشفت أنه بتأكُّدي أنه «هُوَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي، الَّذِي صَارَ قُدَّامِي، الَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ». (يو ١: ٢٧)، وإن كنتُ قد نجحت في قيادة الناس للمسيح - وهذا هدف حياتي - فهذه هي مكافأتي وما أعظمها مكافأة! قليل من البشر من يستطيع القول انه حقق فعلاً أهداف حياته. نعم مكافأة الخادم الأمين ليست كما يتصور البشر في أمان أو غنى أو راحة للجسد، لكن أن يرى حصاد خدمته يتحقق أمام عينيه فتشبع نفسه ويطيب خاطره، وهذا تماماً ما حدث مع السيد نفسه: "١٠إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلاً تَطُولُ أَيَّامُهُ، وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ.١١مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ." (إش ٥٣: ١٠، ١١)، وهذا أيضاً ما أخبر به الرب تلاميذه: "الْحَاصِدُ يَأْخُذُ أُجْرَةً وَيَجْمَعُ ثَمَرًا لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، لِكَيْ يَفْرَحَ الزَّارِعُ وَالْحَاصِدُ مَعًا." (يو ٤: ٣٦)

بعد انتهاء إجابته لرسل يوحنا التفت الرب للجموع المحتشدة ليواصل التصادم مع أفكار البشر ويقلب كل توقعاتنا في الآيات التالية.

(اقرأ أيضاً: من اليمين للشمال)

(٣)

الخادم

(متى ١١: ٧ – ١١) "٧وَبَيْنَمَا ذَهَبَ هذَانِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَقُولُ لِلْجُمُوعِ عَنْ يُوحَنَّا: «مَاذَا خَرَجْتُمْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ لِتَنْظُرُوا؟ أَقَصَبَةً تُحَرِّكُهَا الرِّيحُ؟٨لكِنْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَإِنْسَانًا لاَبِسًا ثِيَابًا نَاعِمَةً؟ هُوَذَا الَّذِينَ يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ النَّاعِمَةَ هُمْ فِي بُيُوتِ الْمُلُوكِ.٩لكِنْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَنَبِيًّا؟ نَعَمْ، أَقُولُ لَكُمْ، وَأَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ.١٠فَإِنَّ هذَا هُوَ الَّذِي كُتِبَ عَنْهُ: هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ.١١اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ، وَلكِنَّ الأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ أَعْظَمُ مِنْهُ."
بعد ذهاب رسولي يوحنا، نجد الرب يمدح يوحنا، واستخدم في توصيفه ليوحنا أسلوب السؤال الاستنكاري مع "وصف الشيء بما ليس فيه"، وهو أسلوب نذكر فيه الصفات التي لا أو لن تجدها فيمن تصف. والرب هنا يصدمنا من جديد بتقديم صفات لا يصح ان تكون في المؤمنين عموماً وفي الخدام على وجه الخصوص:

١. لم يكن المعمدان: "قَصَبَةً تُحَرِّكُهَا الرِّيحُ"

"مَاذَا خَرَجْتُمْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ لِتَنْظُرُوا؟ أَقَصَبَةً تُحَرِّكُهَا الرِّيحُ؟" (مت ١١: ٧)
الريح تضرب بشدة مرة من اليمين فتذهب القصبة يساراً ومرة من اليسار فتذهب القصبة يميناً، ومرات من الخلف وغيرها من الأمام فتتحرك القصبة مع الريح للأمام وللخلف، القصبة ليس لها حيلة ولا قرار في أي اتجاه تذهب لأن الريح هي التي تدفعها، والريح هنا هي "الأفكار والتعاليم"، والرسول بولس يحذرنا كمؤمنين "كَيْ لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ أَطْفَالاً مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ، بِحِيلَةِ النَّاسِ، بِمَكْرٍ إِلَى مَكِيدَةِ الضَّلاَلِ." (أف ٤: ١٤).
يوحنا بشهادة الرب وشهادة الكلمة المقدسة "لم يكن" قصبة تحركها الريح، ريح الآراء والأهواء، ريح التعاليم التي تتغير على مدار الساعة والمبادئ المطاطة. لكن يوحنا كان رجل مبادئ:
- يوحنا وقف أمام هيرودس الطاغية ولم يخش العاقبة في قضية لا تحتمل المناقشة وقال له رأياً واحداً: «لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ امْرَأَةُ أَخِيكَ» (مر ٦: ١٨)، وتمسك برأيه إلى النهاية الدموية المحتومة ولم يتراجع.
- يوحنا المعمدان "َلَمَّا رَأَى كَثِيرِينَ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ يَأْتُونَ إِلَى مَعْمُودِيَّتِهِ،" لم يخش سطوتهم وأيديهم "الطايلة"، ولم يحابِ لوجوههم كما فعل الكثيرون، خصوصاً وأن من بينهم كهنة ووجوه المجتمع، ما نعرفه عن يوحنا أنه "قَالَ لَهُمْ: «يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي؟٨فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ.٩وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْراهِيمُ أَبًا. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَدًا لإِبْراهِيمَ.١٠وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ." (مت ٣: ٧ – ١٠).
مع الأسف، نحن نرى "قصبات" كثيرة تحركها الريح هذه الأيام:
بعض الخدام - بكل أسف – يتصورون أنهم لكي يكونوا مؤثرين في المجتمع عليهم أن يتلونوا بألوان المجتمع اياً كانت حالته ويبحثون عن "الموجة الرايجة" ويركبوها، لكي يقتنع مستمعوهم بما يقدمون، ولكيلا يكونوا مثل "الشريك المخالف" أو "ضد التيار" (هكذا يتصورون).
- فنحن نرى بعض من تصدوا لخدمة الرب وقد تصوروا أنهم يطوعون تعاليم ربنا يسوع المسيح لتيارات العلم الحديث والاجتماع والفلسفة والنظريات العلمية المرتبطة بالأنثروبولوجيا ونظرية "الانتقاء الطبيعي" التي عليها الكثير من علامات الاستفهام والتعجب لا لشيء إلا ليكونوا مقبولين من مستمعيهم، أولئك الذين يحترمون "مرجعية" هذه العلوم ويعتبرونها فوق مرجعية كلمة الله.
- أيضاً رغم معرفتنا بأن الله طويل الروح وكثير الرحمة لكننا نعرف أيضاً أنه "أَقَامَ يَوْمًا هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ، بِرَجُل قَدْ عَيَّنَهُ" (أع ١٧: ٣١)، وهذا جزء من رسالتنا المسيحية ويجب أن يعرفه الجميع، لكننا نرى خداماً يخجلون من فكرة الدينونة هذه ويتبنون فكرة أن الله الرحيم المحب لا يمكن أن يُهلك الناس، مدغدغين بهذه الفكرة الضمائر الخاطئة فتظل في خطاياها ولا تتوب عن شر طريقها.
هؤلاء (الخدام) وهم يقدمون تنازلات عن مبادئهم ورسالتهم التي يُفترض بهم حملها، هم يتصورون انهم لو فعلوا هذا سيكون لهم تأثير أكبر وسيستطيعون اكتساب أراضي أكبر من لو أنهم تمسكوا بكلام الله ورسالته للبشر. و"الحكمة البشرية" قد تعتقد هذا، لكن يسوع يصدمنا إذ يقول لنا جميعاً إن مثل هذا الخادم - الذي يقدم تنازلات من مبادئه ورسالته - هو "قصبة تحركها الريح". بل نراه يقول لملاك كنيسة فيلادلفيا: "هَنَذَا قَدْ جَعَلْتُ أَمَامَكَ بَابًا مَفْتُوحًا وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُغْلِقَهُ، لأَنَّ لَكَ قُوَّةً يَسِيرَةً، وَقَدْ حَفِظْتَ كَلِمَتِي وَلَمْ تُنْكِرِ اسْمِي." (رؤ ٣: ٨).
والرسول بولس سار على درب سيده فنراه يحذر تلميذه "الخادم" تيموثاوس من الغرق في مستنقع المجاملة والتلون في محاولة لإرضاء الناس، بل يوصيه أن يكون - كالمعمدان - شديداً في الحق: وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ أَنَاةٍ وَتَعْلِيمٍ. ٣لأَنَّهُ سَيَكُونُ وَقْتٌ لاَ يَحْتَمِلُونَ فِيهِ التَّعْلِيمَ الصَّحِيحَ، بَلْ حَسَبَ شَهَوَاتِهِمُ الْخَاصَّةِ يَجْمَعُونَ لَهُمْ مُعَلِّمِينَ مُسْتَحِكَّةً مَسَامِعُهُمْ، ٤فَيَصْرِفُونَ مَسَامِعَهُمْ عَنِ الْحَقِّ، وَيَنْحَرِفُونَ إِلَى الْخُرَافَاتِ." (٢ تي ٤: ٢)

هيروديا يقدم لها رأس يوحنا المعمدان على طبق

خبط الحنطة - رأس يوحنا المعمدان

٢. لم يكن المعمدان: "لاَبِسًا ثِيَابًا نَاعِمَةً" 

يوحنا المعمدان بلباسه المشهور وهو يقف وسط الماء ويعظ

خبط الحنطة - لباس يوحنا المعمدان.

يواصل الرب صدماته بمخالفة توقعات الحكماء من البشر إذ يضيف صفة أخرى لا يصح أن تكون في الخادم:
(متى ١١: ٨) "لكِنْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَإِنْسَانًا لاَبِسًا ثِيَابًا نَاعِمَةً؟ هُوَذَا الَّذِينَ يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ النَّاعِمَةَ هُمْ فِي بُيُوتِ الْمُلُوكِ."
الثياب الناعمة هنا دليل على المظهر اللامع البراق، دليل على المكانة الاجتماعية - والعلمية - لصاحبها، ولقد كانت مظاهر "المجد والبهاء" أحد مستلزمات رجل الدين.

وأصبح مع الأسف تصوراً سائداً عند الكثيرين في العصر الحالي أن المكانة الاجتماعية والشهادات العلمية تؤكد على مصداقية الخادم وصلاحيته لتوصيل رسالة المسيح ، وكم نرى من سعي الكثير من الخدام للحصول على لقب دكتور (مثلاً) متصوراً ان هذا سيؤهله أكثر للتأثير في الناس، لكن الرب يسوع يجيبنا بأنه "هُوَذَا الَّذِينَ يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ النَّاعِمَةَ هُمْ فِي بُيُوتِ الْمُلُوكِ" أي أنهم بعيدين عن الناس وأعلى منهم، بينما لم يكن يوحنا في بيوت الملوك بل في البرية "يَلْبَسُ وَبَرَ الإِبِلِ، وَمِنْطَقَةً مِنْ جِلْدٍ عَلَى حَقْوَيْهِ، وَيَأْكُلُ جَرَادًا وَعَسَلاً بَرِّيًّا." (مر ١: ٦)، طلباته لنفسه قليلة ولا يعتمد على أي نوع من "الابهار" لمستمعيه.
رغم أن يوحنا كان كاهناً ابن كاهن ومن أسرة كهنوتية صِرْفة (الأب والأم من بيت هرون). أي انه كان له الحق في الاستفادة من موقعه الاجتماعي كما فعل غيره، لكنه لم يكن يوماً من الحريصين على استكمال مثل هذه المظاهر أبداً.

المختصر المفيد هنا:

    1. لم يكن المعمدان المتلون المنقاد بكل ريح تعليم

    2. والمعمدان لم يكن من أصحاب المراكز الرفيعة والشهادات العالية:

هؤلاء الذين سواء في عصره أو في أي عصر يتبخترون على الناس بما تعلموه وعرفوه، ولكننا نرى الرب يقرر حقيقة عنه لم يطلها أصحاب التعاليم والكلمات المنمقة، ولم يطلها أصحاب المناصب الرفيعة والمكانة الاجتماعية العالية. الحقيقة التي قررها عنه الرب يسوع له كل المجد تقول أنه: "نَعَمْ، أَقُولُ لَكُمْ، وَأَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ........ لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ" (متى ١١: ٩، ١١).

 (انقر هنا لتتابعنا)

(٤)

"الرسالة" وليس "الإناء"

رأينا سابقاً "ما لم يكن" في المعمدان، والسؤال الآن: "ماذا كان" في المعمدان؟

ما قرره عنه الرب أن يوحنا - ببساطة -  "إناء" يحمل رسالة الرب. تعالوا نرى ماذا قاله الرب:

"٩لكِنْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَنَبِيًّا (مرسل من الله)؟ نَعَمْ، أَقُولُ لَكُمْ، وَأَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ.١٠فَإِنَّ هذَا هُوَ الَّذِي كُتِبَ عَنْهُ: هَا أَنَا (الرب صاحب الرسالة) أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي (أنا الرب صاحب الرسالة) الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ (الرسالة)." (مت ١١: ٩، ١٠)

فالعبرة إذاً ليست في شكل "الإناء" الذي يحمل الرسالة، بل في "الرسالة" نفسها، وفي صاحب التكليف بالخدمة الذي هو الرب نفسه صاحب الكرم، وهذا ما يميز الخادم الحقيقي الذي تنجح خدمته عن الخادم المزيف الذي خرج من تلقاء نفسه بدون دعوة (أو حتى خادم مدعو وتاه في السكة).

اناء خزفي مشروخ ويشع النور من خلال الشرخ

خبط الحنطة - كنز في أوانٍ خزفية

الرسول بولس يتكلم عن "إنائه" الخارجي قائلاً:
"٣وَأَنَا كُنْتُ عِنْدَكُمْ فِي ضَعْفٍ، وَخَوْفٍ، وَرِعْدَةٍ كَثِيرَةٍ. ٤وَكَلاَمِي وَكِرَازَتِي لَمْ يَكُونَا بِكَلاَمِ الْحِكْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الْمُقْنِعِ"
ولكنه حين يتكلم عن جوهر الرسالة يقول:
"بِبُرْهَانِ الرُّوحِ وَالْقُوَّةِ، ...... بِحِكْمَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هذَا الدَّهْرِ، ...... بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا، ٨الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، ..........«مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ». فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ." (١ كو ٢: ٣ – ١٠)

يخطئ الخادم (أو المخدوم) الذي يلتفت إلى شكل "الإناء" دون "جوهر" ما يحمله هذا الإناء من أفكار. الكلام المعسول الذي يدغدغ المشاعر دون جوهر حقيقي، والأفكار البراقة التي تحاول التماهي مع أفكار العالم الذي وضع في الشرير، كل هذه مظاهر فارغة ليس لها في عمل الله أي دور. أيضاً من يظهر العصا والتهديد والوعيد بهلاك العصاة وبالبحيرة المتقدة بالنار والكبريت ظناً منه أن هذا يجلب المستمعين بسبب الرعب من الدينونة، كلها أشكال خارجية، إن لم تحمل قوة وسلطان عمل الله بالروح القدس في كلماتها فلن تفيد شيئاً. (اقرأ: الحياة في الروح القدس)

أحبائي، أي محاولة بشرية للتجميل أو للابتكار تبوء بالفشل، كل تصورات قلب الإنسان - حتى في أحسن حالاتها - لا تتفق مع إرادة الله  "لأَنَّ تَصَوُّرَ قَلْبِ الإِنْسَانِ شِرِّيرٌ مُنْذُ حَدَاثَتِهِ" (تك ٨: ٢١).

لو أنك تريد أن تخدم الرب، اترك الرب يقودك ويحركك.

ولو انك مستمع أو مخدوم، من فضلك لا تشترط أن تكون خدمة الرب داخل قالب معين ومتى افتقدت القالب توقعت ألا تقبل الرسالة، بدلاً من هذا، اسمح للرب بأن يكلمك حيثما يشاء وقتما يشاء وبالوسيلة التي يراها تناسبك. فقط تجاوب مع صوت الله عندما يدعوك. 

(٥) 

المخدومون

(متى ١١: ١٦ - ١٩) "١٦وَبِمَنْ أُشَبِّهُ هذَا الْجِيلَ؟ يُشْبِهُ أَوْلاَدًا جَالِسِينَ فِي الأَسْوَاقِ يُنَادُونَ إِلَى أَصْحَابِهِمْ١٧وَيَقُولُونَ: زَمَّرْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَرْقُصُوا! نُحْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَلْطِمُوا!١٨لأَنَّهُ جَاءَ يُوحَنَّا لاَ يَأْكُلُ وَلاَ يَشْرَبُ، فَيَقُولُونَ: فِيهِ شَيْطَانٌ.١٩جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، فَيَقُولُونَ: هُوَذَا إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ، مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ. وَالْحِكْمَةُ تَبَرَّرَتْ مِنْ بَنِيهَا»."
الانطباع الأول من هذا المشهد الذي ترسمه الآيات هنا يبدو وكأن الرب يقارن بين أسلوب حياته وأسلوب حياة يوحنا، لكن لو لاحظنا ما يقوله "بِمَنْ أُشَبِّهُ هذَا الْجِيلَ؟" نعرف أن الرب في هذا المثال لا يسلط الضوء على نفسه ولا على يوحنا كخدام، لكنه يستهدف بالأحرى عينة المستمعين والمخدومين وعن ردود أفعالهم التي كانت سلبية جداً تجاه الاثنين طبقاً لتعبير الرب نفسه.

شخص يمسك بنظارته التي يلبسها وينظر من فوقها بارتياب وشك

خبط الحنطة - مستمعون غير راضين

فواحد (يوحنا) متصوف متقشف يصوم كثيراً ويعتزل الناس ومتى واجههم يكون حاسماً تصادمياً معلناً دينونة الله على الخطية بكل صراحة ويُحَمِّل كل خاطي مسؤوليته عن نفسه وعن عواقب تصرفاته، ويصرخ في وجه الخطاة "٨فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ.٩وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْراهِيمُ أَبًا. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَدًا لإِبْراهِيمَ.١٠وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ." (مت ٣: ٨ – ١٠)، وبدلاً من أن تتبكت ضمائر المستمعين فيتوبوا نجدهم يقولون "به شيطان" لذلك هو منزوي متفرد في حياة متوحدة، لو كان اجتماعياً ودوداً كنا سنسمع له ولا نخشى منه.

والآخر (يسوع) يحنو على الجميع ويتمهل على الكل، فيغفر للمرأة الزانية ويدخل بيت زكا ومتى العشارَين ليأكل حيث يجتمع هناك بعشارين آخرين، ويقبل أن تمسح امرأة سيئة السمعة رجليه بشعر رأسها، ويعلِّم "فَاذْهَبُوا وَتَعَلَّمُوا مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ" (مت ٩: ١٣)، وبدلاً من أن يكون لطفُه ومحبتُه سبباً في أن يُقبل اليه المستمعون تائبين - كما تاب العشارون والخطاة - نجدهم يقولون كيف نسمع لشخص يدنس نفسه بالجلوس مع العشارين والخطاة؟ كيف نتبعه ونحن نرى أيَ حياة مستهترة يحياها؟!! احترم نفسك يا رجل واحترم التعليم الذي تعلمه واللقب الذي نناديك به "يا معلم"!

لاحظ أن رسالة الله في الحالتين تُلقَى على الجميع، لكن المستمعين أيضاً في الحالتين هم الذين يقاومون الكلمة في قلوبهم ولا يقبلونها، لذلك هم يتحججون بأي "تلكيكة" لكيلا يسمعوا الكلمة ولا يطيعوها.

امرأة ملامح وجهها ولغة جسدها تعبر عن عدم التصديق

خبط الحنطة - مخدومون ناقدون

وهذا يردُّنا إلى مثل الزارع وكيف كانت البذار واحدة في الأربع حالات التي شملها المثل (في: مت ١٣، مر ٤، لو ٨)، لكن "اختلاف التربة" هو الذي صنع اختلافاً في النتيجة. فالخادم يجتهد حسبما أعطاه الرب من موهبة لتقديم رسالة الرب، لكن توجد تربة عنيدة صلبة مليئة بالموانع التي تقاوم الكلمة لشتى الأسباب فيخفى عليها إعلانات ملكوت الله وتصير بالنسبة لها لوغاريتمات" صعبة الحل، بينما تربة أخرى لينة طيِّعة قابلة للتشكيل والتقليب (تماماً كالأطفال) تستقبل الكلمة بفرح وتعطيها فرصة للتفاعل والنمو، وهذه هي التي يظهر فيها ثمر الكلمة، وهذه هي ما تتجلى لها إرادة االله وحقائق ملكوته بكل وضوح وسهولة.

 (انقر هنا لتتابعنا)

(٦)

النتيجة: دينونة لمن "لا يتجاوب"

(متى ١١: ٢٠ – ٢٤) "٢٠حِينَئِذٍ ابْتَدَأَ يُوَبِّخُ الْمُدُنَ الَّتِي صُنِعَتْ فِيهَا أَكْثَرُ قُوَّاتِهِ لأَنَّهَا لَمْ تَتُبْ:٢١«وَيْلٌ لَكِ يَا كُورَزِينُ! وَيْلٌ لَكِ يَا بَيْتَ صَيْدَا! لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي صُورَ وَصَيْدَاءَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكُمَا، لَتَابَتَا قَدِيمًا فِي الْمُسُوحِ وَالرَّمَادِ.٢٢وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ صُورَ وَصَيْدَاءَ تَكُونُ لَهُمَا حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً يَوْمَ الدِّينِ مِمَّا لَكُمَا.٢٣وَأَنْتِ يَا كَفْرَنَاحُومَ الْمُرْتَفِعَةَ إِلَى السَّمَاءِ! سَتُهْبَطِينَ إِلَى الْهَاوِيَةِ. لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي سَدُومَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكِ لَبَقِيَتْ إِلَى الْيَوْمِ.٢٤وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَرْضَ سَدُومَ تَكُونُ لَهَا حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً يَوْمَ الدِّينِ مِمَّا لَكِ»."

العبرة ليست بسماع الرسالة فكثيرون يسمعون ولا بمشاهدة المعجزة فكثيرون يشاهدون بل تحدث معهم معجزات وباعترافهم، لكن العبرة هي بالتجاوب مع صوت الله وبإطاعة الرسالة الموجهة اليك وإلا فالدينونة آتية بدون أدنى شك. وهنا سنرى ملاحظتين هامتين يناقضان تصورات "الحكماء والفهماء" (لا تنس أن عنواننا الرئيسي هو "أعلنتها للأطفال"):

١. المعجزات لم تفلح في التأثير على الناس ليتجاوبوا:

كثيراً ما نسمع ما يتمناه البعض:

"آآآآآآآآآه لو ان الرب يسمح بمعجزات، لا شك أن هذا سيغير فكر المستمعين ويقنعهم فيقتنعون، بلدنا ممكن تتغير، العالم كله ممكن يتغير!"

لكن كلام الرب هنا يقول صراحةً إن المعجزات لم تؤثر في الناس، فها نحن نرى ثلاثة مدن أجريت فيها معجزات كثيرة لكنها – في إجماليها - لم تتب: "٢٠... ابْتَدَأَ يُوَبِّخُ الْمُدُنَ الَّتِي صُنِعَتْ فِيهَا أَكْثَرُ قُوَّاتِهِ لأَنَّهَا لَمْ تَتُبْ: «...... يَا كُورَزِينُ! ..... يَا بَيْتَ صَيْدَا! لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي صُورَ وَصَيْدَاءَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكُمَا، لَتَابَتَا قَدِيمًا فِي الْمُسُوحِ وَالرَّمَادِ........٢٣وَأَنْتِ يَا كَفْرَنَاحُومَ ........ لَوْ صُنِعَتْ فِي سَدُومَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكِ لَبَقِيَتْ إِلَى الْيَوْمِ."

دعونا نتذكر:

تقريباً ، كل من هتفوا ضد المسيح "اصلبه... اصلبه" شاهدوا معجزاته. وحتى في عصرنا الحاضر، ورغم قدرة الرب على إجراء المعجزات (وهو يجري معجزات)، لكننا نرى كيف يقف العقل البشري - بسبب غلاظته بالخطية والكبرياء - أمام المعجزات التي تحدث أمام عينيه باحثاً عن مبررات وتفسيرات يتهرب بها من أي "احتمالية" أن يكون ما جرى أمامه هو معجزة إلهية. وهو بهذا يغلق كل منافذ النعمة المفتوحة تجاهه..

لذلك جاءت الدينونة:

وهي جاءت (وتأتي) على هؤلاء الذين رأوا معجزات، ولم تعفهم رؤية المعجزات من الدينونة طالما لم يؤمنوا ولم يتجاوبوا. فابن الهلاك يهلك مهما حاولتَ التأثير عليه بمعجزات حيث استسلم لإبليس ليضلله ويعميه "٣وَلكِنْ إِنْ كَانَ إِنْجِيلُنَا مَكْتُومًا، فَإِنَّمَا هُوَ مَكْتُومٌ فِي الْهَالِكِينَ،٤الَّذِينَ فِيهِمْ إِلهُ هذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لِئَلاَّ تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ الْمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ." (٢ كو ٤: ٣، ٤).

"لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ." (رو ١: ٢١)

٢. العبرة ليست بالشكل الخارجي:

"٢٣وَأَنْتِ يَا كَفْرَنَاحُومَ الْمُرْتَفِعَةَ إِلَى السَّمَاءِ! سَتُهْبَطِينَ إِلَى الْهَاوِيَةِ."

شخص يقف في فخر بينما ظله على الحائط يرتدي تاج وحرملة في تعبير عن الكبرياء

خبط الحنطة - الكبرياء

ارتفاعك يا كفرناحوم الى السماء لم ينفعك في شيء فهو لم يفتح قلبك وعقلك لصوت الله، كما أنه لن يحميك من الدينونة الآتية. العبرة ليست بالحجم والضخامة، وليست العبرة بمستوى الثقافة والعلم، وليست العبرة بمدى انفتاح عقول الناس وإقبالهم على المناقشة، فها نحن نرى التجاوب الضئيل الذي حدث من مفكري أثينا وفلاسفتها وعلمائها مع كلام الرب الذي قاله بولس (أع ١٧: ٣٢ – ٣٤).

وقد جاءت الدينونة، جاءت (وتأتي)على الكبير المتعاظم والمتعظِّم لأن ما يراه ونراه عظمة لم تنفعه في التجاوب مع صوت الله ولم تعفه من غضب الله القادم لا محالة. جاءت (وتأتي) على من يقاوم كلمة الله بإرادته ولا يريد أن يتجاوب معها بسبب كبرياء قلبه وظنه في نفسه المناعة والقوة والذكاء والمعرفة. لا ولن تعفيه متانة حصونه أو ذكاء عقله أو رفعة مكانته، وهو يحكم على نفسه بأنه تربة سيئة لا تقبل كلمة الله. الإنسان يجري الى حتفه بظلفه.

"٣عَالِمِينَ هذَا أَوَّلاً: أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي آخِرِ الأَيَّامِ قَوْمٌ مُسْتَهْزِئُونَ، سَالِكِينَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ أَنْفُسِهِمْ،٤وَقَائِلِينَ: «أَيْنَ هُوَ مَوْعِدُ مَجِيئِهِ؟ لأَنَّهُ مِنْ حِينَ رَقَدَ الآبَاءُ كُلُّ شَيْءٍ بَاق هكَذَا مِنْ بَدْءِ الْخَلِيقَةِ».٥لأَنَّ هذَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ بِإِرَادَتِهِمْ: أَنَّ السَّمَاوَاتِ كَانَتْ مُنْذُ الْقَدِيمِ، وَالأَرْضَ بِكَلِمَةِ اللهِ قَائِمَةً مِنَ الْمَاءِ وَبِالْمَاءِ،" (٢ بط ٣: ٣ – ٥)

ونتيجة لهذا العناد (بإرادتهم) تكون الدينونة والخراب والسقوط المدوي: "وَأَنْتِ يَا كَفْرَنَاحُومَ الْمُرْتَفِعَةَ إِلَى السَّمَاءِ! سَتُهْبَطِينَ إِلَى الْهَاوِيَةِ." (تساوي التعبير البلدي: من سابع سما لسابع أرض).

"قَبْلَ الْكَسْرِ الْكِبْرِيَاءُ، وَقَبْلَ السُّقُوطِ تَشَامُخُ الرُّوحِ." (أم ١٦: ١٨)

(٧) 

الخاتمات (عودٌ على بَدء)

من الطبيعي أن نقول "الخاتمة" بدلاً من "الخاتمات"، لكن القارئ المدقق لابد أنه لاحظ أننا تخطينا بعض الآيات لم نتطرق اليها: 

لكن ها قد وصلنا أخيراً الى الصلاة التي بدأنا بها والتي رفعها الرب له كل المجد: 

(متى ١١: ٢٥ – ٢٦) "٢٥فِي ذلِكَ الْوَقْتِ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: «أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ.٢٦نَعَمْ أَيُّهَا الآبُ، لأَنْ هكَذَا صَارَتِ الْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ."

بعدها نلاحظ رب المجد يكمل عليها ويقول شيئاً يشير فيه إلى "نعمة الله"، نحتاج ان نقف عنده وقفة سريعة في الجدول التالي ثم نعود للموضوع:

جدول يوضح المسار الذي اتخذته نعمة الله لتصل إلينا

خبط الحنطة - نعمة الله وصلت إلينا من خلال الإبن.

اشخاص يحاولون تسلق مرتفع واحدهم يمد يده من فوق لمساعدتهم

خبط الحنطة - بشارة نعمة الله

هيا نعود إلى الآيات التي تخطيناها في الفقرات السابقة والتي ما كان يمكن أن نفهمها إلا بعد أن قطعنا الأصحاح كله طولاً.

+ نعود لفقرة المخدومين (ع ١٦ – ١٩):

تذكرون كيف كان عناد المخدومين وكبرياؤهم واعتدادهم بمعرفتهم وأعذارهم المختلفة سبباً في امتناع وصول تأثير كلمة الله إليهم، هنا نجد الرب يقول:

"الْحِكْمَةُ تَبَرَّرَتْ مِنْ بَنِيهَا" ع ١٩

صحيح أن المستهدفين من الرسالة امتنعوا بعناد شديد وبكل المبررات الخاطئة الممكنة لديهم لكيلا يتجاوبوا مع رسالة الرب اليهم، لكن هناك تلك القلة القليلة التي وقعت عندهم النعمة موقع القبول فاستجابوا وصادقوا على حكمة الله الظاهرة أمام عيونهم، بينما الأغلبية من المعاندين والمتكبرين والذين تصوروا ان ذكاءهم وفطنتهم ستعطيهم القدرة على الحكم الصحيح على الأمور كانوا في الواقع أبعد ما يكون عن الحكمة، ومن استجاب من "الأطفال" هم أبناء الحكمة الحقيقيين، وهم الحكماء والفاهمين الحقيقيين. وهذا هو افتقاد نعمة الله التي لم ولن يدركها الا من اتضع وقبل بسكوت خلاص الله، وهؤلاء هم من أعطوا للحكمة الحقيقية الفرصة لإعلان نفسها لهم وأن تؤتي بثمارها فيهم. 

+ نعود لفقرة الخادم يوحنا (ع ٧ – ١١):

هناك نجد الرب يقول خلاصة جميلة لخدمة هذا الرجل:

"١٢وَمِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ إِلَى الآنَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَالْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ. ١٣لأَنَّ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ وَالنَّامُوسَ إِلَى يُوحَنَّا تَنَبَّأُوا." (ع ١٢، ١٣)

ولأجل أن نفهم هذا التعبير علينا ان نقرأ – مثلاً - ما قاله الرب "١١وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ،١٢وَأَمَّا بَنُو الْمَلَكُوتِ فَيُطْرَحُونَ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ»." (مت ٨: ١١، ١٢)

كثيرون منذ القديم قرأوا ما كتبه الأنبياء قديماً وانتظروا تحقيقه ولم حانت الفرصة سمع هؤلاء الكثيرون يوحنا المعمدان النبي (أعظم المولودين من النساء)، لكن قليلين من كل هؤلاء من تجاوبوا مع رسالته والتقطوا الجوهرة الثمينة التي كان الرب قد وعد بها والتي كان يوحنا يلقيها إليهم، هؤلاء فقط هم من اقتنصوا الملكوت وخلصوا. في الوقت الذي وقف فيه "بنو الملكوت" الذين تطلَّبوا خادم تفصيل ورسالة تفصيل على مزاجهم وقفوا في الظلمة الخارجية يصرون على اسنانهم وهم يرون بني الملكوت الحقيقيين وهم يتمتعون مع إبراهيم واسحاق ويعقوب.

وهذا ما أعلنه الرب نفسه في نهاية مثل الكرم والكرامين:

"٤٣لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ.٤٤وَمَنْ سَقَطَ عَلَى هذَا الْحَجَرِ يَتَرَضَّضُ، وَمَنْ سَقَطَ هُوَ عَلَيْهِ يَسْحَقُهُ!»." (مت ٢١: ٤٣، ٤٤)

#أعلنتها_للأطفال

#خبط_الحنطة

٢٣ نوفمبر ٢٠١٧ - بداية نشره في فيسبوك 

اقرأ أيضاً:

البحث عن الله


تعليقات