-->

اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره

"لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ." (مت ٦: ٣٣)

الحقيقة انه يصعب الخوض في تفاصيل كثيرة بخصوص هذا الموضوع، وليس الهدف هو تفسير مت ٦: ٣٣، لكن ما يهمني من إثارته هو – تحديداً - التعبير "اطلبوا"، ويتكرر تعبير "الطلب" هذا بصياغات مختلفة في مواقع عدة من الكتاب المقدس يشير فيها لمعنى ("السؤال" أو "الرجاء" أو "الطلبة" أو "رغبة تحتاج من يحققها"، وفي الإنجليزية مترجم ask) - مثلاً:

مت ١٤: ٧ "مِنْ ثَمَّ وَعَدَ بِقَسَمٍ أَنَّهُ مَهْمَا طَلَبَتْ يُعْطِيهَا."

الأم تيريزا تطعم صبياً بالملعقة من طبق.
خبط الحنطة - الأم تيريزا، اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره,

أف ٣: ٢٠ "وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ، بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِينَا،"

وواضح من السياق العام الذي نراه في الآيات السابقة ان "الطلب" فيها موجه "لله" نفسه مثلما يحدث في الصلاة، أو موجه "لشخص ما" في شكل احتياج أو غيره، وهذه الطلبة أو السؤال يتوقف تحقيقه على الشخص الموجه إليه هذه الطلبة أو السؤال.

لو أوقفت قراءة هنا، تكون فهمتني غلط أو ما زلت فاهم غلط مثل كثيرين.

نوضح!!

لو عدنا لآية حوارنا، نعلم أنها جاءت في الموعظة على الجبل، وفي هذه الموعظة فقرة كاملة عن "الصلاة" (مت ٦: ٥ – ١٥)، لكن الغريب أن "اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره" ليست في فقرة الصلاة كما يتوقع كثيرون منا حيث الصلاة هي المكان المناسب للطلب، بل المفاجأة أنها تقع في فقرة بعدها (١٩ الى ٣٤) والتي لا تتكلم عن الصلاة "تحديداً".

ايه الحكاية؟

شوف: تعبير "الطلب" في آيتنا (٣٣) ورد في مواضع كتابية أخرى أيضاً، وأصله اليوناني معناه مختلف عن معنى "طلبة" السؤال أو الصلاة التي ذكرناها في الآيات السابقة. شوف مثلاً:

يو ٧: ٢٠ "أَجَابَ الْجَمْعُ وَقَالوُا: «بِكَ شَيْطَانٌ. مَنْ يَطْلُبُ أَنْ يَقْتُلَكَ؟»"

أع ٢١: ٣١ "وَبَيْنَمَا هُمْ يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، نَمَا خَبَرٌ إِلَى أَمِيرِ الْكَتِيبَةِ أَنَّ أُورُشَلِيمَ كُلَّهَا قَدِ اضْطَرَبَتْ."

رو ١٠: ٣ "لأَنَّهُمْ إِذْ كَانُوا يَجْهَلُونَ بِرَّ اللهِ، وَيَطْلُبُونَ أَنْ يُثْبِتُوا بِرَّ أَنْفُسِهِمْ لَمْ يُخْضَعُوا لِبِرِّ اللهِ."

هنا نجد ان "الطلب" ليس سؤالاً أو استجداءً أو رجاءً، لكنه يحتوي على "سعي" مبني على "تخطيط" وعلى قرارات مسبقة ورغبة عميقة "يسعى" صاحب "الطلب" مستميتاً إلى تنفيذها. (مترجم في الإنجليزية "seek").

 (انقر هنا لتتابعنا)

نعود مرة أخرى للفقرة خاصتنا (١٩ إلى ٣٤) لنظرة ثانية.

كيف تبدأ الفقرة؟

ع١٩ "لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ حَيْثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالصَّدَأُ، وَحَيْثُ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ."

وكيف تنتهي الفقرة؟

ع٣٤ "فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ."

إذاً، الفقرة كلها تتكلم عن القلق والإيمان، عن الاهتمامات الحياتية اليومية والتي - بحكم جسدنا - نراها ضرورية وحيوية ولا غنى عنها ولابد من مجابهتها والخوض فيها والقلق تجاهها كالغذاء والكسوة والاهتمام بالمستقبل: كيف نتعامل مع هذه الأمور؟ وماذا يوجد في مركزاهتمامنا وما هي شواغل تفكيرنا؟ وفي القلب من هذا كله يقبع المال بسلطانه وبما "نتخيله" في المال من "إمكانية" لا غنى عنها.

(اقرأ أيضاً: المجتهد.. ألقت كل ما عندها)

عند هذا يستخدم الرب له كل المجد هذا الأمر:

"اطلبوا أولاً" ملكوت الله وبره   (اقرأ أيضاً: ملكوت السماوات وملكوت الله في انجيل متى)

ليلفت نظرنا إلى موقع الله وسيادته المفقودة على البشر، ولمبادئه الأخلاقية، ولرحمته لنا وللآخرين من حولنا ولمحبته العميقة التي جعلته يمد يده لنا - نحن البشر الفانين - لخلاص نفوسنا ولرفع قيمتنا وسط مادية العالم وعشوائيته. ويُحَمِّل الرب ابناءه المؤمنين مسئولية هذه الأمور التي لا يهتم بها باقي البشر، حيث يقول لنا:

(هذا اتفاق متبادل: إذا اهتممتم "أنتم" بشئوني وإذا أصبحتُ أنا مركز "انتباهكم" ومحور "تفكيركم وتخطيطكم" وموضوع "سعيكم"، عليكم مني أن أهتم "انا" بهذه الأمور البسيطة الخاصة بأكلكم وكسوتكم ومستقبلكم ومستقبل أولادكم)

بتعبير آخر، ليس أبداً قصد الرب أن اهتمامنا بملكوت الله وبره يكون مقصوراً على تلك "الاستراحة الصغيرة" وقت الصلاة، التي نترك فيها لهاثنا خلف شؤون يومنا ومشغوليات أذهاننا وقلوبنا، حيث فيها "نطلب" و"نصلي" للرب "يا رب.. ليأت ملكوتك"، وهناك نظير هذه "الطلبة" يقايض الرب صلاتنا بتموين الأسبوع أو الشهر أو السنة من غذاء أجسادنا وتحقيق طموحاتنا، ليس هذا أبداً ما قصد، ليس هو "طلب" الرجاء والسؤال، لكن القصد هنا هو أنه "من أول اليوم إلى آخره" و"من أول العمر إلى آخره"، بدلاً من أن تكون مشغوليتنا "كيف يسد الله الاحتياجات"، فقط علينا أن:

- نتخفف من هموم الأكل والشرب (وهي هم الفقير قبل الغني) التي تربك سعينا في حياة الملكوت.

- نتخفف من التفكير والارتباك بمستقبل الأولاد وأين سيذهبون وكيف سيعيشون (هذا للأغنياء والفقراء على حد سواء).

- نتخفف من الاهتمام بماذا نشتري من عقارات وكيف يكون حجم رصيد البنك ليؤمن المستقبل.

- نتخفف من عقدة كيف يرانا الناس وكيف ينظرون الينا.................. الخ

- وبدلاً من هذا، تكون "مشغولية" قلوبنا ومحور تفكيرنا هو العيش لملكوت الله وكل ما يرضيه والبعد عن كل ما يغضبه، بل والتفكير كيف نكون مصدر راحة وجذب للآخرين.

وهذا بالمناسبة ليس تكليفاً للخدام فقط، لكنه تكليف للجميع... كل من تسمى اسم المسيح. (اقرأ أيضاً: تبعية المسيح ونكران الذات)

- والرب في المقابل، يعدنا ان يسدد عنا كل ما نلقيه عليه بسبب انشغالنا بملكوته، و"هُوَ يَبْقَى أَمِينًا، لَنْ يَقْدِرَ أَنْ يُنْكِرَ نَفْسَهُ." (٢ تي ٢: ١٣).

#تعالوا_نفهم

#خبط_الحنطة

٧ فبراير ٢٠١٨ – تاريخ النشر في فيسبوك

اقرأ أيضاً:

صانع الخيام

منك الجميع

 كيف نحتفظ بسلام الله في حياتنا.

تعليقات