-->

بين الضيقة والمجد.. القمة والقاع

هناك اعتقاد خاطئ عند البشر عموماً هو أن رضا الله عن الإنسان يكون مصحوباً بالراحة والرفاهية والصحة بينما كل متألم هو واقع تحت تأديب وغضب الله. هذا الاعتقاد الخاطئ عن الألم وعن الراحة كان مسيطراً على أصدقاء أيوب ووضح في كل كلماتهم، وهذا ما جعلهم يتوجهون لأيوب باللوم، بينما أيوب كان في موقع المدافع عن نفسه والمستغرب مما يحدث معه.

يدا نحات تعملان بالمطرق والزميل على حجر لتشكيل تمثال
خبط الحنطة - طرقات المطرقة وخدوش الازميل مطلوبة للتشكيل

تفسير مزمور ٧٣ يرينا كيف كان آسف يعاني من التناقض نفسه الذي عانى منه أيوب، إذ أنه - في مزموره الشهير - رأى:

"سَلاَمَةَ الأَشْرَارِ. ٤لأَنَّهُ لَيْسَتْ فِي مَوْتِهِمْ شَدَائِدُ، وَجِسْمُهُمْ سَمِينٌ. ٥لَيْسُوا فِي تَعَبِ النَّاسِ، وَمَعَ الْبَشَرِ لاَ يُصَابُونَ. ٦لِذلِكَ تَقَلَّدُوا الْكِبْرِيَاءَ. لَبِسُوا كَثَوْبٍ ظُلْمَهُمْ. ٧جَحَظَتْ عُيُونُهُمْ مِنَ الشَّحْمِ. جَاوَزُوا تَصَوُّرَاتِ الْقَلْبِ.٨يَسْتَهْزِئُونَ وَيَتَكَلَّمُونَ بِالشَّرِّ ظُلْمًا. مِنَ الْعَلاَءِ يَتَكَلَّمُونَ. ٩جَعَلُوا أَفْوَاهَهُمْ فِي السَّمَاءِ، وَأَلْسِنَتُهُمْ تَتَمَشَّى فِي الأَرْضِ...... ١٢هُوَذَا هؤُلاَءِ هُمُ الأَشْرَارُ، وَمُسْتَرِيحِينَ إِلَى الدَّهْرِ يُكْثِرُونَ ثَرْوَةً." (مزمور ٧٣: ٣ – ٩، ١٢)

في الوقت الذي فيه حال الأشرار هكذا، يرى آساف نفسه - في المقابل - متألماً "مُصَابًا الْيَوْمَ كُلَّهُ، وَتَأَدَّبَ كُلَّ صَبَاحٍ." ع١٤، وظل الحال هكذا "حَتَّى دَخَلْ مَقَادِسَ اللهِ، وَانْتَبَهَ إِلَى آخِرَتِهِمْ." ع١٧ حيث لا يمكن رؤية الأمور على حقيقتها إلا في مقادس الله، وهناك رأى كيف أن الله "١٨حَقًّا فِي مَزَالِقَ جَعَلْهُمْ. أَسْقَطْهُمْ إِلَى الْبَوَارِ.١٩كَيْفَ صَارُوا لِلْخَرَابِ بَغْتَةً! اضْمَحَلُّوا، فَنُوا مِنَ الدَّوَاهِي." (مزمور ٧٣: ١٤، ١٧ - ١٩)

اذاً، أصبحت الصورة لدينا كما يلي:

١. اشرار يمرحون ويتمتعون بالحياة بدون منغص.

وهؤلاء نفهم ان الرب مُدَّخِرٌ لهم عقاباً شديداً لا يقاس بالكرامة والرفاهية التي يعيشونها الآن. ويجوز ان نقول إن السبب – كما هو واضح - أن الرب "باع قضيتهم" وخلاص، ولم يعد يحاول استردادهم.

 (انقر هنا لتتابعنا)

٢. مؤمنون يتألمون

لكننا نفهم أن لهذا الألم نهاية مختلفة.

لماذا يتألم المؤمنون؟

هناك اعتقاد خاطئ عند البشر انه من المنطقي أن ينال الأشرار عقاب خطاياهم ألماً، لكن يظل السؤال الحائر قائماً: لماذا يتألم المؤمنون؟

ولا يزعم أحد انه يفهم كل الإجابات، لكننا سنكتفي الآن بسبب نستخرجه مما قاله الرب على لسان ارميا

«هأَنَذَا رَامٍ مِنْ مِقْلاَعٍ سُكَّانَ الأَرْضِ هذِهِ الْمَرَّةَ، وَأُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ لِكَيْ يَشْعُرُوا». (أرميا ١٠: ١٨).

هو هنا يعرِّفنا حقيقة مريرة (لكنها "الحقيقة") أن "الضيق" هو الطريقة الأكثر فعالية التي بها يشكلنا الرب ويعلمنا طرقه. قد لا نحب هذه الحقيقة لكن هذا لن يغير من كونها "حقيقة"، وهي التي أسماها كاتب العبرانيين "التأديب". (اقرأ أيضاً عن الحرمان)

تأديب الله حب وليس عقاباً

كان من المتعارف عليه في مجتمع الصفوة الروماني أن يسلم الأب إبنه ل"مؤدب"، وهو رجل غريب لكنه مثقف وأهل ثقة، وهذا الرجل يعطيه الأب كثيراً من الصلاحيات التي تسمح له بالقيام بدوره في عملية تدريب وتعليم للإبن طوال فترة صباه وشبابه المبكر، حتى متى صار رجلاً يتمتع بشخصية ناضجة ومكتملة. ونفهم من رسالة العبرانيين كم هي شاقة عملية التأديب هذه، لكن لابد منها وهي توصلنا إلى النضج الواجب والمجد اللائق. لأن تأديب الله حب يرجو ويدفع إلى النضوج والكمال. (أنظر أيضاً يعقوب ١: ٢ - ٤)

 (انقر هنا لتتابعنا)

"وَرُبَّما نَسِيتُمْ رِسالَةَ التَّشجِيعِ الَّتِي يُوَجِّهُها اللهُ لَكُمْ كَأولادٍ لَهُ عِنْدَما يَقُولُ: «لا تَستَخِفَّ بِتَأْدِيبِ الرَّبِّ، وَلا تَفشَلْ حِينَ يُوَبِّخُكَ. فَالرَّبُّ يُؤَدِّبُ الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ، وَهُوَ يَجلِدُ كُلَّ مَنْ يَقبَلُهُ ابْناً لَهُ.» فَاحْتَمِلُوا المَشَقَّةَ كَتَأْدِيبٍ، لِأنَّها تُبَيِّنُ أنَّ اللهَ يُعامِلُكُمْ كَأبناءٍ. فَأيُّ ابنٍ لا يُؤَدِّبُهُ أبُوهُ؟ فَإذا لَمْ تُؤَدَّبُوا، كَما يُؤَدَّبُ كُلُّ الأبناءِ، تَكُونُونَ كَالأبناءِ غَيرِ الشَّرعِيِّينَ، لا أبناءً حَقِيقِيِّينَ. وَفَضلاً عَنْ هَذا، فَقَدْ كانَ لَنا جَمِيعاً آباءٌ بَشَرِيُّونَ يُؤَدِّبُونَنا، وَكُنّا نَحتَرِمُهُمْ. فَكَمْ يَجدُرُ بِنا أنْ نَخضَعَ لِتَأْدِيبِ اللهِ، أبِي أرواحِنا، فَنَحيا؟ أدَّبَنا هَؤُلاءِ لِفَترَةٍ قَلِيلَةٍ حَسَبَ ما رَأَوْا مُناسِباً، أمّا اللهُ فَيُؤَدِّبُنا لِخَيرِنا، لِكَي نَشتَرِكَ فِي قَداسَتِهِ. وَما مِنِ ابنٍ يَرَى التَّأدِيبَ مُفرِحاً فِي وَقتِهِ، بَلْ يَراهُ مُحزِناً. لَكِنَّ الَّذِينَ تَدَرَّبُوا بِالتَّأدِيبِ يَرَونَ فِيما بَعْدُ أنَّ التَّأدِيبَ قَدْ أنتَجَ فِي حَياتِهِمُ السَّلامَ النّابِعَ مِنْ حَياةِ البِرِّ." (عبرانيين ١٢: ٥ - ١١ الترجمة العربية المبسطة)

(اقرأ أيضاً   في مسألة الشر والألم.)

انذار ورجاء:

اظن أنه بعد كل ما تقدم يكون من الطبيعي أن ينتهي بنا الكلام إلى النتيجة المعتادة في مثل هذه الحالات عندما نخاطب متألماً لتطمينه، مستخدمين في ذلك ما قاله الوحي على لسان الرسول بولس: "​فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا" (رومية ٨: ١٨)

لكني احس في داخلي برسالة غير تقليدية، صعبة وثقيلة - كأنها من أحد تلك المنابر القديييييمة التي نسيها الناس – وهي رسالة موجهة لفريقين من الناس.

1. حذاري مما هو آتٍ:

للفريق الأول تقول الرسالة: "لا تتصور أن ما انت فيه من راحة ورفاهية هي عنوان رضى الله عنك، بل لتخشَ أن يكون قد باع قضيتك بسبب عنادك وكبرياء قلبك، وما هذا الارتفاع الذي انت فيه الا مقدمة للسقوط العظيم جداً"

2. خفة وقتية ومجد أبدي:

وللفريق الثاني أقول: "لأن الرب يحبك ويرغب في تقويمك وسبكك وتنقيتك لاستخدامك بشكل مجيد جداً، لابد سيسمح بدخولك مدرسة الألم (ان لم يكن قد بدأ بالفعل)، كلما كنتَ أكثر طواعية وتجاوباً مع صوت الله، كلما قصَّرتَ الوقت بل ولربما منعتَ عن نفسك الألم تماماً.

"لأَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا."(٢ كورنثوس ٤: ١٧)

"ثُمَّ قَدْ كَانَ لَنَا آبَاءُ أَجْسَادِنَا مُؤَدِّبِينَ، وَكُنَّا نَهَابُهُمْ. أَفَلاَ نَخْضَعُ بِالأَوْلَى جِدًّا لأَبِي الأَرْوَاحِ، فَنَحْيَا؟" (عبرانيين 12: 9)

#خبط_الحنطة

١٣ مايو ٢٠١٨ – تاريخ النشر في فيسبوك

اقرأ أيضاً: قانون حبة الحنطة - عندما نسأل لماذا يا رب لماذا؟ - شخصية على هامش الميلاد - كيف نحتفظ بسلام الله في حياتنا (مترجم)

تعليقات