+ علامة العهد
طبيعة العهد عادة ما تأخذ شكلاً معينا لتوثيقه ويشمل ذلك وجود
علامة أو ختم، وكان لكل عهد قطعه الرب مع شعبه علامة. لكن ما حير كثيرين هو أنهم
لم يتعرفوا على العلامة التي توثق عهد الرب مع داود كباقي عهود الله مع شعبه.
الكتاب المقدس تضمن أمثلة متعددة لعهود لله مع شعبه، منها الآتي:
• "القوس" كان "علامة" العهد مع نوح:
"وضعت قوسي في السحاب فتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض" (تكوين ٩: ١٣)
• و"الختان" كان "علامة" العهد مع ابرهيم ونسله:
"ويكون علامة عهد بيني وبينكم" (تكوين ١٧: ١١).
• والدم الذي رشه موسى على الشعب:
كان علامة للعهد الذي قطعه الرب مع الشعب “هذا هو دم العهد..." (تكوين ٢٤: ٨)
لكن الغريب أن العهد مع داود لم يُذكر معه علامة، هذا العهد الذي
وعد فيه الرب أن يقيم من بعده نسلا ويثبت مملكته الى الأبد: "أنا (الرب)
أكون له أبا وهو يكون لي ابنا" (٢ صموئيل ٧: ١٤). غير أنه في بداية سرد
تفاصيل العهد الذي أبلغه ناثان النبي لداود قال الرب: "أنا أخذتك من المربض
من وراء الغنم لتكون رئيسا على شعبي" (٢ صموئيل ٧: ٨).
فهل كانت العلامة هي أن يأتي "إبن داود" رئيس الشعب الموعود أيضا من المربض أو من المزود من وراء الغنم؟
لكن علماء الكتاب المقدس لم يتحيروا فقط في تحديد
"علامة" العهد مع داود، بل أيضا عندما أعطيت علامة للرعاة إعلاناً عن
ولادة نسل داود "يسوع" في بيت لحم، تحيروا في تفسير معناها: "هذِهِ
لَكُمُ الْعَلاَمَةُ: تَجِدُونَ طِفْلاً مُقَمَّطًا مُضْجَعًا فِي
مِذْوَدٍ" (لوقا ٢: ١٢).
وتساءل البعض:
- لماذا لم يُرشد الملاك الرعاة الى مكان المزود لكي يروا الطفل
هناك بدون الحاجة الى إعطاء علامة؟
- ولماذا ذهبوا الى المزود "مسرعين" بينما لم يسألهم أو
يأمرهم الملاك بالذهاب؟
- وحتى عندما ذهبوا، ما هو السر في اختيار الرعاة بالذات لإعطائهم
العلامة في وقت هم مشغولون بحراسات الليل على رعيتهم؟ أليس من الأفضل أن يذهب
آخرون من معلمي الناموس ورؤساء الكهنة الجالسين على كرسي موسى ليتحققوا من الأمر
مثلما فعل هيرودس الملك وأرسل الى رؤساء الكهنة والشيوخ ليتحقق من المكان؟
+ معلومات للمراجعة:
١. كل المنتظرين كانوا في انتظار "الخلاص" و"الفداء":
زكريا الكاهن وصف المناخ السائد في أورشليم بـ"الجالسين في
الظلمة وظلال الموت" (لوقا ١: ٩٧).
صحيح هناك من انزعج واضطرب عند سماع أنباء المولود، مثل هيرودس الذي
"اضطرب وجميع أورشليم معه" (متى ٢: ٣).
لكن هناك من كان ينتظر هذا الخلاص العمر كله، مثل سمعان الشيخ وحنة النبية وآخرون من "المنتظرين فداء في أورشليم"، ليشهدوا هذه اللحظة فيسبحوا ويسجدوا ويمجدوا الله.
![]() |
| خبط الحنطة - الخلاص من الخطية والموت إلى الغفران والحياة |
الشيء العجيب أن جميع الذين كانوا "في الانتظار" كانت اهتماماتهم وتطلعاتهم نحو "الفداء" و"الخلاص" بمغفرة الخطايا. استمع الى ما يقوله هؤلاء المنتظرون للرب:
• "زكريا الكاهن" أمتلأ بالروح القدس وقال: "وَأَقَامَ
لَنَا قَرْنَ خَلاَصٍ فِي بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ." (لوقا ١: ٦٩) ثم
يتنبأ أيضا بأن الخلاص هو بمغفرة الخطايا "لِتُعْطِيَ شَعْبَهُ مَعْرِفَةَ
الْخَلاَصِ بِمَغْفِرَةِ خَطَايَاهُمْ،" (لوقا ١: ٧٧)
• "سمعان الشيخ" عندما رأى الطفل قال إنه رأى خلاص الرب "لأَنَّ
عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ" (لوقا ٢: ٣٠)
• "يوحنا المعمدان" وهو يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة
الخطايا أشار الى النبي القائل "وَيُبْصِرُ كُلُّ بَشَرٍ خَلاَصَ
اللهِ" (لوقا ٣: ٦)
• الجندي المجهول "يوسف النجار" رأى في حلم أن الطفل سيدعى
"يسوع" لأنه يخلص شعبه من خطاياهم "فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو
اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ"
(متى ١: ٢١)
• و"العذراء مريم" تفيض الى أليصابات بمشاعرها "وَتَبْتَهِجُ
رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي" (لوقا ١: ٤٧)
• "حنة النبية" في "تلك الساعة" وقفت تسبح
الرب وتتكلم عن الطفل مع جميع المنتظرين "فداءً في أورشليم".
٢. الرب بنفسه يختار "الخلاص" اسما للمولود:
لم يترك الرب اختيار اسم المولود للبشر، فبالرغم من أن الملاك بشر مريم أن المولود "يعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه" وأنه "سيملك على بيت يعقوب" لم يعطه الرب اسم "ملك" أو "أمير" بل اختار الرب الاسم بنفسه عندما طلب الملاك من مريم ومن يوسف في الحلم أن يسمياه "يسوع" الذي معناه "يهوه يخلص". ولذلك ليس من الغريب أن أول إعلان عام للشعب، الممثل في الرعاة، جاء فيه أن المولود هو "المخلص" "ولد لكم ... مخلِّص هو المسيح الرب" (لوقا ٢: ١١).
٣. إذاً، فالرب علامته تشير للخلاص
إذا كان منتظرو الرب ينتظرون "الخلاص"، واسم المولود معناه "الخلاص"، فلابد أذاً أن العلامة ستتعلق أيضا "بالخلاص". وهذا ما حدث في تلك الليلة أن الرب أعطى علامة لمنتظريه تحمل معنى "المخلص" وتحمل معنى "الفداء".
٤. أيضاً مكان الميلاد
لكن قبل أن نفهم سر "العلامة"، يجب أن نتذكر أن مكان
ميلاد المخلص كان معروفاً. فالكتاب المقدس يخبرنا في سفر ميخا عن مكان ميلاد
المسيا وأنه هو "بيت لحم": "وانت يا بيت لحم أفراته..
يخرج منك ..." (ميخا ٥: ٢).
لكن بالإضافة لذلك يذكر سفر ميخا في الأصحاح الرابع مكانا محدداً
يعتبر أن منه يأتي المسيا، هذا المكان يسمى "برج القطيع" Tower of the
Flock: "وَأَنْتَ يَا بُرْجَ الْقَطِيعِ، أَكَمَةَ بِنْتِ صِهْيَوْنَ
إِلَيْكِ يَأْتِي. وَيَجِيءُ الْحُكْمُ الأَوَّلُ مُلْكُ بِنْتِ
أُورُشَلِيمَ" (ميخا ٤: ٨). الكلمة العبرية لبرج القطيع هي "مجدل
عدر" EderMigdal
وهو مكان في بيت لحم جنوب أورشليم حيث نصب يعقوب وراءه خيمته بعد موت راحيل: "
ثُمَّ رَحَلَ إِسْرَائِيلُ وَنَصَبَ خَيْمَتَهُ وَرَاءَ مَجْدَلَ عِدْر"
(تكوين ٢٥: ٢١).
من ناحية أخرى، يذكر التقليد اليهودي أن برج القطيع كان يستخدمه الرعاة في مراقبة الأغنام التي ترعى في السهول المحيطة لحمايتها من الذئاب والأعداء. الغنم الذي كان يرعى في هذه المنطقة – لقربها من أورشليم - كان مخصصا لذبائح الهيكل، إما للذبائح اليومية (مرتين في اليوم) أو لذبيحة الفصح. وطبقاً لشريعة العهد القديم فان أي حمل يقدم للذبح يجب أن يفحص جيدا وأن يكون بلا عيب. والذي يقوم بهذه الوظيفة هم رعاة "لاويون" Priestly Shepherds مدربين على القيام برعاية وفحص كل حمل يقدم للهيكل، وأيضا يقومون بتوثيق الحمل على أنه بلا عيب ومقبول كذبيحة للرب. وعلى ذلك فإن رعاة بيت لحم تحديداً كانوا على علم تام بشريعة الذبائح ومفهوم الخطية والفداء وأيضا على علم - مثل باقي اللاويين - بنبوة ميخا النبي بخصوص مدينتهم بأنها ليست الصغرى وأن منها سيأتي المسيا (ميخا ٥: ٢).
![]() |
| خبط الحنطة - برج القطيع أو Megdal Eder |
التقليد اليهودي أيضا يكشف أنه عندما تحبل اية نعجة ترسل الى "المزود" المجاور أو أسفل برج القطيع (أنظر الصورة) لتلد الحمل حيث يتم هناك رعايتة وتنظيفه وحمايته من أية خدوش أو اصابات عن طريق لفه بأقمطة أو أربطة من القماش.
+ الرعاة تعرفوا على "المخلص"
ما حدث في تلك الليلة، عندما ظهر الملاك للرعاة، أنه بشرهم بميلاد "المخلص" وأخبرهم أن المكان هو مدينة داود وعلى وجه التحديد في "مزود". بالنسبة للرعاة هم يعرفون مكانا واحدا للمزود وهو الذي يعتنون فيه بالخراف المولودة ويقمطونها لحمايتها. لكن الشيء الذي لا بد أنه أثار دهشتهم هو أن المُقَمَّط في هذه الحالة ليس حملاً وانما طفل يعامل مثلما يتعاملون مع الذبيحة التي ترفع لمغفرة الخطايا. وكأن السماء تقول إن هذا الطفل وُلِدَ لكي يموت. هذا ما دفع الرعاة بعد أن مضت عنهم الملائكة، أن يتحاوروا فيما بينهم، وأن يقرروا الذهاب "بسرعة".
وبالطبع كان اللقاء بين الرعاة ويوسف ومريم لا يقل اثارة عن مشهد مجد الرب الذي أحاط بالرعاة وصوت الأنغام السمائية... اللقاء كان مشحونا بمزيج من الفرح والقلق، وصفه لوقا البشير هكذا: “كل الذين سمعوا تعجبوا مما قيل لهم من الرعاة"، وأيضاً الرعاة أنفسهم مجدوا الله "على كل ما سمعوه ورأوه كما قيل لهم" (لوقا ٢: ٢٠). (اقرأ أيضاً: لماذا ولد يسوع من عذراء؟)
ماذا سمع
الرعاة من مريم، وماذا قالوه للآخرين عن الطفل المقمط:
- هل تكلموا ساعتها عن مستقبل الطفل ورأوا ما رآه يوحنا المعمدان
على النهر أنه: "حمل الله الذي يرفع خطية العالم"؟ (يوحنا ١: ٢٩)
- هل شهدوا للطفل كما شهد بطرس الرسول: ".......كما من حمل
بلا عيب ولا دنس"؟ (١بطرس ١: ١٩)
- هل صاح أحدهم وقال مثلما قال بولس الرسول: "لأن فصحنا
أيضا هو المسيح"؟ (١كورنثوس ٥: ٧)
- بل وماذا كانت كلمات التسبيح التي ترنموا بها وهم راجعين من
زيارة المزود؟ قد لا نعرف الآن بالتأكيد، ولكن قد تكون تسبحتهم مثل "الترنيمة
الجديدة" التي سمعها يوحنا الرائي والتي يرنمها الآن ألوف ألوف الملائكة: "مستحق
هو الخروف المذبوح أن يأخذ القدرة والغنى والحكمة والقوة والكرامة والمجد
والبركة" (رؤية ١٥: ١٢)
![]() |
| خبط الحنطة - تجدون طفلاً مقمطاً |
+ ما هو موقفك من المخلص؟
الآن وقد تأكدنا أن هدف الميلاد هو الخلاص وهو الهدف الموضوع "قبل تأسيس العالم"، فهل - ونحن نحتفل بالميلاد - تمتعت بفوائد الميلاد ونلت ذلك الخلاص من مولود المذود الذي رُفِع على الصليب ليفديك. إن لم تكن متأكداً أنك نلت، فارفع قلبك له، وبصلاة متضعة أعلن شوق قلبك، وتأكد أنه ينتظرك ليسترك ويغيرك فتصبح من رعيته، وهو الذي قال "مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا." (يوحنا ٦: ٣٧)
#العهد_مع_داود_لكن_العلامة_للرعاة
#خبط_الحنطة
*هذا مقال مترجم بتصرف
٢٣ ديسمبر ٢٠١٧ - تاريخ النشر في فيسبوك
اقرأ أيضاً:




احب اشوف تعليقك.. أي راي او تعليق او سؤال، من فضلك اكتبه هنا وستجده منشوراً في اسرع وقت ممكن..