-->

هرْطَقَ يُهَرْطِقُ هرْطَقَةً فهو مُهَرْطِق وهو هرطوقي

عنوان ظريف خفيف، لكن عندنا كلام جد شوية.

مقدمة: أين المحبة المسيحية من "لا تقبلوه في البيت!

"إنْ كانَ أحَدٌ يأتيكُمْ، ولا يَجيءُ بهذا التَّعليمِ، فلا تقبَلوهُ في البَيتِ، ولا تقولوا لهُ سلامٌ." (٢يوحنا ١: ١٠)

ما المقصود ب"هذا التعليم" في هذه الآية؟ وكيف يمكن تطبيقها؟

السؤال السابق سأله أحد الاصدقاء، ودار حوله حوار في حضور محدود، لكن الامر الاضافي الذي اتضح لي من سير الحوار - رغم عدم وضوحه في السؤال المباشر - هو ان السائل يشير تحديداً الى وصايا الرب عن المحبة والتي يفترض انها مبدأ مسيحي اساسي لا تنازل عنه ليس فقط تجاه الاخوة والاصدقاء لكن تجاه الاعداء ايضاً، فأين المحبة من هذا الكلام الموجود في الكتاب المقدس الذي يراه السائل صعباً؟

والحقيقة اجدها فرصة جيدة لتوضيح امر تعمد الكثيرون القيام بخلط المفاهيم بخصوصه إما جهلاً أو بسوء نية متعمد، حيث انتشر في الآونة الاخيرة (في الجدالات الفيسبوكية المسيحية-المسيحية) تعبيرات من نحو "هرطقة" و"هرطوقي" و"بدعة" و"مبتدع"، ثم يتم ربط مثل هذه التعبيرات بما هو متداول في ثقافتنا العربية الاسلامية عن "التكفير" والمصير الذي يفترض ان يؤول اليه "الكافر".

شخص يشيح بيده في وجه الكاميرا علامة على الرفض
خبط الحنطة - لا للتعليم المخالف

نروح لشوية تفصيل؟؟

+ معاني "هرطقة" و"بدعة"

لبحث الامر سنقسم كلامنا الى مجموعة نقاط، بحيث نُكَوِّن في المحصلة النهائية لمجموعها صورة كاملة عن الفكرة:

١. لا ارغب بداءةً في الخوض في تعريف الهرطقة والهرطوقي، لكن سأكتفي بالقول فقط ان نفس الكلمة اليونانية التي تترجم هرطوقي αἵρεσις hairesis ترجمت في مواقع عديدة من العهد الجديد الى اللفظين:

- "شيعة" و "مذهب" (أعمال ٥: ١٧، أعمال ٢٤: ٥، ١٤، أعمال ١٥: ٥، أعمال ٢٦: ٥، أعمال ٢٨: ٢٢)

وفي هذين التعبيرين لا يبدي الوحي رأياً تفضيلياً بخصوص ايهما، اقصد لا يقول ان كان هذا سيء او حسن.

- و"بدعة"

وفيها يظهر عدم رضا واضح جداً

ونلاحظ انه في الثلاث مواضع التي ورد فيها التعبير "بدعة" كان مرتبطاً بالانقسامات والشقاق (١كورنثوس ١١: ١٩، غلاطية ٥: ٢٠، ٢بطرس ٢: ١).

اقرأ أيضاً: (٥) الهرطقات والأرثوذكسية (الإيمان القويم): تحديد العقيدة المسيحية

اذاً، المحصلة النهائية للبدعة هي شقاق وانقسامات في جسد المسيح.

٢. طيب نرجع للشاهد الاصلي لموضوعنا في ٢ يوحنا ١: ١٠، ونراه يتحدث عمن يسميهم "مضلين كثيرين" (ع٧) قد جاؤوا ب"تعليم" يقول الرسول يوحنا انه مخالف لما قال به في الاعداد السابقة عن "تعليم المسيح".

إذاً، الرسول هنا يتكلم عن "معلمين" وليس مجرد اخوة واعضاء عاديين في الكنيسة، هؤلاء "المعلمون" جاؤوا بتعليم "مختلف"، وبسبب هذا التعليم المختلف سيتعرض جسد المسيح لانقسامات وشقاق.

 (انقر هنا لتتابعنا)

٣. في رومية ١٦: ١٧، ١٨، نرى الرسول بولس يتحدث عن هؤلاء المعلمين "الذين يصنعون الشقاقات والعثرات خلافاً للتعليم الذي تعلمتموه" (وهذا غطيناه في النقطتين السابقتين)، ثم يضيف امراً ملفتاً للنظر: ان هؤلاء يستخدمون "الكلام الطيب والاقوال الحسنة"، التي بها "يخدعون قلوب السلماء" (اقرأ أيضاَ: خدوا بالكم من عيالكم)

اذاً، فضحايا هؤلاء هم "البسطاء" حسنو النية الذين ليس لهم عمق تعليمي جيد والذين يمكن ان ينخدعوا بسهولة بمعسول كلام هؤلاء "المعلمين".

وهل هناك أسهل من ان ينخدع البسطاء اذا رأوا ترحيب قادة الكنيسة ومعلميها (الناس الفاهمة) بأولئك المضلين سواء في بيوتهم او في اجتماعاتهم، كما ان هذا الترحيب والفرصة المتاحة تتيح مجالاً للعمل الهدام لهؤلاء المضلين مع البسطاء في وسط الكنيسة.

(انتهت النقاط الثلاث)

 + الموقف من المعلمين المضللين

ما العمل إذن بعد كل ما سبق؟ ترى ما العمل مع مثل هؤلاء مع وجود رسالة المحبة المسيحية حتى للاعداء قائمة؟

هنا - بالتأكيد - لا يتم اهدار الدماء (كما يتم مع المُكَفَّرين المرتدين في الاسلام مثلاً)، لكن لابد من اجراء يحمل رسالة مزدوجة:

- رسالة للمعلم المبتدع            - رسالة لأعضاء الكنيسة من البسطاء.

١. رسالة لصاحب التعليم الفاسد:

انه غير مرحب به على هذه الحال، اما ان يتوب ويرجع او يظل مُبعَداً عن العبث في الكنيسة ومع ابنائها.

٢. رسالة لأعضاء الكنيسة:

رسالة واضحة لا تحتمل الشك لأعضاء الكنيسة البسطاء، بأن "هذا المعلم غير مرغوب فيه ويحمل افكاراً هدَّامة" لكي يحذروا الانجذاب او الاستماع اليه.

٣. تحقيق الرسالة المزدوجة:

لتحقيق هذه الرسالة المزدوجة نرى رسل المسيح وكأنهم يسترجعون الحكمة الثمينة من سفر الامثال: "ريحُ الشِّمالِ تطرُدُ المَطَرَ، والوَجهُ المُعبِسُ يَطرُدُ لسانًا ثالِبًا." (أمثال ٢٥: ٢٣)

لذلك نرى الرسول بولس يأمر الكنيسة في (رومية ١٦: ٧): "أعرضوا عنهم" (اعطوهم القفا لا الوجه)، فعندما لا تلاقي هذا المعلم "المخرِّب" بالترحاب المسيحي المعتاد تكون هذه رسالة له بأنه غير مُرَحَّب به في كنيستك كمعلم وصاحب رسالة. ان رغب في الحضور كمتعبد ومستمع فأهلاً وسهلاً، لكنه غير مرحب به كمعلم وصاحب رسالة، لأنه حكم على نفسه. 

وها هو الرسول يوحنا يقرر نفس الحكم في شاهد موضوعنا: "لا تقبَلوهُ في البَيتِ، ولا تقولوا لهُ سلامٌ." و"السلام" هنا ليس هو السلام بصفه عامة، لكن المقصود هنا الترحاب الذي يلاقى به الشخص الطبيعي كما اعتدنا في القول "السلام لكم" او "السلام عليكم"، (تترجم في الانجليزية في هذا الموقع بمعنى "بالتوفيق"، أي من المفترض أنك "لا ترجُ له نجاح مساعيه".)

شخص يتكلم بينما الآخر يضع سماعات على اذنيه ويشيح بوجهه بعيداً
خبط الحنطة - اعرضوا عنهم

+ المحبة والرفض في الكنيسة:

اود ان اشير لما سبق وقلته في مقالات سابقة، ان المحبة المسيحية رغم انها غير مشروطة (كما احبنا المسيح بدون شرط)، لكن هذا لا يعني غض الطرف المطلق عن كل خطأ، لكن هناك قواعد لابد ان تحترم، قواعد لا تناقض المحبة لكن تنظمها. (اقرأ أيضاً: يسوع والسامريون والإقصاء... ماذا نمد.. جسور التواصل أم طوق النجاة؟)

امثلة:

١. "يَنبَغي أنْ يُطاعَ اللهُ أكثَرَ مِنَ النّاسِ." (أعمال ٥: ٢٩)

٢. "مَنْ أحَبَّ أبًا أو أُمًّا......... ابنًا أو ابنَةً أكثَرَ مِنّي فلا يَستَحِقُّني،" (متى ١٠: ٣٧)

٣. "«وإنْ أخطأَ إلَيكَ أخوكَ فاذهَبْ وعاتِبهُ..... وإنْ لَمْ يَسمَعْ مِنَ الكَنيسَةِ فليَكُنْ عِندَكَ كالوَثَنيِّ والعَشّارِ." (متى ١٨: ١٥ , ١٧)

ملحوظة: علشان بس ماحدش يقول اننا بنتكلم ضد المحبة المسيحية، ممكن ترجع لمقالنا "انتصار الحب" المنشور على فيسبوك في ٢٢ مارس ٢٠١٨.

#خبط_الحنطة

٣١ مارس ٢٠١٨ - تاريخ النشر في فيسبوك.

تعليقات