-->

هيرودس وميلاد المسيح: شخصية على هامش الميلاد

كثير من أحداث الميلاد التي نقرأها في الروايات الانجيلية تدل على سلطان الله المطلق على التاريخ والأحداث والأشخاص والظواهر الطبيعية بحيث أنه متى أراد شيئاً فهو يستطيع عمله تماماً كما يريد وفي الوقت الذي يريده تماماَ. وهل هناك أهم أو أعظم من ميعاد دخول ابن الله (كلمة الله) المتجسد إلى العالم في ملء الزمان حتى يهتم به الرب ويدبر له كل الإجراءات والتفاصيل المناسبة الكفيلة بنجاحه؟!!!

لكن تعالوا نتأمل في موقف واحد من كل المواقف التي مرت علينا في قصة الميلاد، واحد من الشخصيات التي كان لها دور على هامش الأحداث لكن لم يغفل روح الله ذكر قصته هادفاً تعليمَنا، إنه هيرودس الملك.

وجه الملك هيرودس وهو في حالة غيظ وغضب
خبط الحنطة - الملك هيرودس الكبير

+ ماذا عن الملك هيرودس؟

- أدومي الأصل، أي أنه لا يؤمن بما يؤمن به اليهود، لكن لأنه يحكم أمة اليهود لذلك عمل المستحيل ليتقرب منهم لدرجة تجديد الهيكل في مشروع ضخم استغرق ٤٦ سنة وصار مضرباً للأمثال. (يوحنا ٢: ٢٠). (اقرأ أيضاً: فترة ما بين العهدين)

- وقت الميلاد كان قد قارب السبعين من عمره لكنه كان مريضاً بجنون الشك والعظمة (بارانويد Paranoid) وشديد الدموية متمسكاً بالكرسي للدرجة التي فيها قتل حتى أهل بيته لكي لا ينقض أحدهم على الحكم.

- مؤكد انه سمع كثيراً من كلام اليهود عن حلمهم بالمسيا الذي يرسله الله من نسل داود ليعيد المملكة المفقودة ويخلصهم من عبودية الغرباء الذين يعتبر هيرودس واحداً منهم مع الرومان المحتلين أيضاً.

+ زيارة المجوس المفاجئة:

-    في الذكرى ال٣٥ لتوليه العرش فوجئ هيرودس بغرباء يطرقون أبواب عاصمته وقصره يبحثون عن مولود جديد سيكون ملكاً لليهود، يبدو ان تسلسل تفكيرهم المنطقي قادهم للسؤال عن الملك المولود الجديد في عاصمة وقصر الملك القائم.

-    الأدهى انهم يقولون انهم "رأوا نجمه في المشرق" يعني الحكاية كبيرة ومرتبطة بظواهر طبيعية استثنائية غير عادية.

-     والمصيبة انه لا يوجد مولود داخل قصره من عائلته ينطبق عليه هذه المواصفات.

إذن، هل يمكن أن يكون كلام اليهود صحيحاً وأن هناك إله في السماء قد أرسل قديماً نبوات مثبتة وموجودة من قرون عن "مسيَّا" سيرسله؟ وهل كلام المجوس يعني أنه قد حان وقت هذا المسيا المذكور؟

+ خطة هيرودس لتقصي الحقائق.

وبدلاً من تقييم حساباته في ضوء هذا "الاكتشاف الجديد" نرى هيرودس يستمر في مسيرته المعوجة، وتصبح كل المعضلة بالنسبة لهيرودس هي "كيف يقتل المولود ويبطل هذه الخطة الإلهية القديمة"، وحدد لنفسه أداتي استفهام (أين؟ ومتى؟) متى عرف الإجابة عليهما يمكنه (في تصوره وهو الخبير المحنك) أن يتصرف.

١.  اين يولد المسيا؟

بسيطة وأكيد عملها من قبل: وجه هيرودس هذا السؤال لرؤساء الكهنة وكتبة الشعب. طبعاً هم يعلمون ما قاله ميخا النبي عن بيت لحم مكان ميلاد المسيا (ميخا ٥: ٢)، فأخبروا هيرودس.... بسيطة!

٢.  متى "ولد" المسيا؟

أيضاً بسيطة، فلطالما استعمل هيرودس الحيلة مع الكثيرين، وهذا السؤال لابد أن المجوس يعرفون اجابته لكنه لا يريد أن يدري بقية اليهود أن المسيا قد ولد حقيقةً، ولأن ما في ذهنه لا يناسب طموحات اليهود وانتظاراتهم لذلك قرر ان يستدعي المجوس سراً ويستعمل معهم الحيلة، "وَتَحَقَّقَ مِنْهُمْ زَمَانَ النَّجْمِ الَّذِي ظَهَرَ"(متى ٢: ٧)..... بسيطة!

وطبعاً علم من زمان ظهور النجم أنه يتحرك في هامش سنتين  كحد أقصى لعمر المولود... بسيطة!

أرشد هيرودس المجوس أن يذهبوا الى بيت لحم حيث هناك يمكن أن يجدوا المولود الذي يبحثون عنه على أن يعودوا اليه مرة أخرى، وانطلق المجوس في رحلتهم، لكن الكتاب يقول "إِذَا النَّجْمُ الَّذِي رَأَوْهُ فِي الْمَشْرِقِ يَتَقَدَّمُهُمْ حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ، حَيْثُ كَانَ الصَّبِيُّ." (قناعتي الشخصية - طبقاً لما قاله البشير لوقا ٢: ٣٩ - فإن العائلة المقدسة كانت – في ذلك الوقت – قد رجعت إلى الناصرة فور إنهاء طقوس ختان المولود وتطهير الوالدة).

وكلنا يعلم أن المجوس لم يعودوا الى هيرودس كما طلب منهم، لذلك أُسقط في يده حيث كان يعتمد على شهادتهم الشخصية لتؤكد له صحة الأحداث وليستكمل معلوماته:

أين تحديداً في بيت لحم يوجد المولود؟ وما اسمه بدقة؟ وابن من هو في بيت لحم؟

+ القرار الدموي وتاريخ هيرودس الكبير؟

برضه بسيطة، فلم يعد في يد هيرودس إلا أن يتصرف بأسلوب الطغيان والعنف وهو أمر اعتاد عليه ونفذه ربما مئات المرات من قبل: مسح شامل للمنطقة وتحريات وتحقيقات مباشرة وتعذيب لانتزاع الاعترافات لمعرفة اسم ومكان كل مولود من ابن سنتين فما دون. سيعرف اسم كل المواليد، حتى من ترك المدينة وذهب بعيداً سيعرف باسمه أيضاً... سيستطيع انهاء هذه "المشكلة الطارئة"...... بسيطة!! وقد فعلها، مذبحة الأطفال في بيت لحم.

ورغم أنه لا يوجد في التاريخ العلماني أي ذكر لهذه الحادثة تحديداً، لكن سيرة حياة الرجل وسوابقه المسجلة لا تستبعد عليه هذه الفعلة وأعنف منها، فالرجل الذي لا يتورع عن قتل زوجته وأبنائه هو شخصياً، كيف يمكن أن نستكثر عليه أن يأمر بقتل بضع آحاد من الأطفال في بيت لحم ومحيطها؟! (لاحظ أن تعداد السكان في بيت لحم لم يكن كبيراً، ولذلك فأطفال ذكور بالمواصفات العمرية التي حددها في أمره، من المؤكد أنها لم تكن تنطبق على كثيرين).

هل لاحظت هذا التناقض الكبير؟

انت يا هيرودس يتكشَّف أمام عينيك بكل وضوح كيف أنك أمام إله ذي سلطان مطلق قادر على اصدار النبوات وقادر على تحقيقها ولو بعد قرون هذا عددها وفي وقتها المحدد وبدون أي تعطيل أو تأخير.

وانت بنفسك استفسرت عن المعلومة، ليس من أي مكان، بل من المصادر الإلهية في أسفار مقدسة.

كيف يصل بك الغِيّ والغباء إلى هذه الدرجة حتى تتصور أنك قادر على تعطيل خطة هذا الإله المعدة قبل تأسيس العالم؟!!!!!!

شخص يحاول الكلام مع آخر لتوجيهه بنما الآخر يعطيه ظهره ويصم أذنيه
خبط الحنطة - عناد وكبرياء قاتل

المؤامرة الفاشلة وقدرة الله على التاريخ

رأينا في أحداث الميلاد كيف أن الرب استخدم وعمل من خلال الفلك وحكومات وأفراد منهم مؤمنون يعرفون يهوه ومنهم خطاة وثنيون لا يعرفون أي شيء عن يهوه إطلاقاً، وكلهم أدَّوا الأدوار "الموكلة اليهم" بكل دقة، كيف يصل الغباء بأحد مهما كانت سطوته وقدرته أن يتصور أنه يستطيع أن يلتف حول هذه الخطة الإلهية؟ بل كيف بالحري يصل به الضلال إلى حد ان يتصور انه يستطيع أن يوقف خطة الله ويفشلها؟

 (انقر هنا لتتابعنا)

في المزمور الثاني نرى صورة شبيهة بهذا الموقف يتعامل معها الوحي المقدس على أنها من المضحكات المبكيات:

نرى ملوك ورؤساء يتآمرون "ضد" الله!!

هل أنت جاد فيما تقول؟ ضد الله؟!

نعم... ضد الله!

"١لِمَاذَا ارْتَجَّتِ الأُمَمُ، وَتَفَكَّرَ الشُّعُوبُ فِي الْبَاطِلِ؟٢قَامَ مُلُوكُ الأَرْضِ، وَتَآمَرَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ، قَائِلِينَ:٣«لِنَقْطَعْ قُيُودَهُمَا، وَلْنَطْرَحْ عَنَّا رُبُطَهُمَا»." (مزمور ٢: ١ – ٣)

ولأن الفكرة سخيفة وغبية وتنافي المنطق، نرى الرب يتجاوب معها بالضحك والاستهزاء قبل الغضب والدينونة:

"4اَلسَّاكِنُ فِي السَّمَاوَاتِ يَضْحَكُ. الرَّبُّ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ.5حِينَئِذٍ يَتَكَلَّمُ عَلَيْهِمْ بِغَضَبِهِ، وَيَرْجُفُهُمْ بِغَيْظِهِ." (ع ٤، ٥)

+ مؤامرة الرب:

يستخدم المرنم هذا التعبير "مؤامرة" الرب (Counsel, plan, Advice, prudence, purpose):

"٦بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ، وَبِنَسَمَةِ فِيهِ كُلُّ جُنُودِهَا.٧يَجْمَعُ كَنَدٍّ أَمْوَاهَ الْيَمِّ. يَجْعَلُ اللُّجَجَ فِي أَهْرَاءٍ.٨لِتَخْشَ الرَّبَّ كُلُّ الأَرْضِ، وَمِنْهُ لِيَخَفْ كُلُّ سُكَّانِ الْمَسْكُونَةِ.٩لأَنَّهُ قَالَ فَكَانَ. هُوَ أَمَرَ فَصَارَ.١٠الرَّبُّ أَبْطَلَ مُؤَامَرَةَ الأُمَمِ. لاَشَى أَفْكَارَ الشُّعُوبِ.١١أَمَّا مُؤَامَرَةُ الرَّبِّ فَإِلَى الأَبَدِ تَثْبُتُ. أَفْكَارُ قَلْبِهِ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ." (مزمور ٣٣: ٦ – ١١)

والحقيقة ان تعبير "مؤامرة" في العربية المتداولة هو تعبير سيء السمعة، لكنه معبر جداً هنا عن حقيقة الصراع التاريخي الطويل بين "دهاء" الإنسان ورغبته في الاكتفاء بعيداً عن الرب، وبين حكمة الرب الذي لا يقبل بهذه الاستقلالية الشريرة فيفشلها باستمرار.

-  أيوب يقر بنفس الحقيقة وهو يتكلم عن سلطان الله

"هُوَ حَكِيمُ الْقَلْبِ وَشَدِيدُ الْقُوَّةِ. مَنْ تَصَلَّبَ عَلَيْهِ فَسَلِمَ؟" (أيوب ٩: ٤)

-  أما موقف الرب مع شاول الطرسوسي (أعمال ٩: ٤، ٥) فيوضح لنا بجلاء من الخاسر في هذه المواجهة التي يقحم الإنسان نفسه بغباء فيها:

"فَسَقَطَ عَلَى الأَرْضِ وَسَمِعَ صَوْتًا قَائِلاً لَهُ:«شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟» ("لماذا تعمل ضدي؟"... "لماذا تقاومني؟"... "لماذا تتصور أنك يمكن أن تهرب مني؟".... الخ)

"٥فَقَالَ: «مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟» فَقَالَ الرَّبُّ: «أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ. صَعْبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ»." ("أنت الخاسر الوحيد في هذه المواجهة"... "أنت تناطح الصخر ولن تجني إلى تحطيم رأسك")

لكن شاول كان عنده الاتضاع الكافي لأن يخضع ويتراجع (ويتوب) مفسحاً المجال لرحمة الرب بأن تتعامل معه، وهذه هي شهادته بلسانه:

"أَنَا الَّذِي كُنْتُ قَبْلاً مُجَدِّفًا وَمُضْطَهِدًا وَمُفْتَرِيًا. وَلكِنَّنِي رُحِمْتُ، لأَنِّي فَعَلْتُ بِجَهْل فِي عَدَمِ إِيمَانٍ. (١ تيموثاوس ١: ١٣)

ولعل واحداً من أعظم الدروس التي نخرج بها من الميلاد هو ما تخبرنا به القديسة العذراء في شهادتها الشخصية من تجربة الميلاد:

"٥١صَنَعَ قُوَّةً بِذِرَاعِهِ. شَتَّتَ الْمُسْتَكْبِرِينَ بِفِكْرِ قُلُوبِهِمْ.٥٢أَنْزَلَ الأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِيِّ وَرَفَعَ الْمُتَّضِعِينَ." (لوقا ١: ٥١، ٥٢)

-  أخيراً، أليفاز التيماني يوجه لي ولك نصيحة تستحق الالتفات:

"تَعَرَّفْ بِهِ وَاسْلَمْ. بِذلِكَ يَأْتِيكَ خَيْرٌ." (أيوب ٢٢: ٢١)

إن أردت أن تظل "سالماً" فليس من الحكمة أن تفعل مثل هيرودس وتقف ضد الله فتخرج خاسراً كما خسر هيرودس أيضاً، بل اخضع له فتنال خيراً جزيلاً، تعال إليه تائباً متضعاً راغباً في أن يسود حياتك ويقودك، عندها يأتيك خير. قل له: يا رب أنا تعبت من رغبتي في إدارة شئون حياتي بالاستقلال عنك واتوق أن يولد المسيح بالإيمان في قلبي فيكون هو الملك المسيطر على حياتي من الآن وإلى نهاية العمر. (اقرأ أيضاً: حماقة هيرودس - قصد الله والأهواء البشرية).

"حَيِيتَ وَأَنْتَ سَالِمٌ، وَبَيْتُكَ سَالِمٌ، وَكُلُّ مَالِكَ سَالِمٌ." (١صموئيل ٢٥: ٦)

#خبط_الحنطة

٦ يناير ٢٠١٨ – تاريخ النشر في فيسبوك 

اقرأ أيضاً:    العهد مع داود لكن العلامة للرعاة

تعليقات